...بـاب مــفــتــوح...

مشاركة رقم: 24 / التاريخ: 3/8/2006

كازابلانـكا.. مراكـش

رحلة إلى مدن لا تنسى

 

أسامة رقيعة

 

 

في طائرة تابعة لطيران الإمارات كنت اجلس سعيدا في المقعد رقم 35 متجها إلى كازابلانكا، وقبل الإقلاع انتبهت إلى معلومات الرحلة التي أمامي فاندهشت لتلك الثمانية ساعات والنصف تلك التي على تحملها كي اقطع المسافة إلى المغرب الجميل..

قلت لأحد عناصر الضيافة الجوية مداعبا له: يا الهي ثمانية ساعات ونصف وأنا معكم إنه لزمن طويل جدا،  فقال لي الشاب ذو اللهجة المغربية الدافئة: يا سيدي ده أنت رايح من أول الدنيا لآخر الدنيا، فقلت له ضاحكا: لا بل إنا رايح من آخر الدنيا لأول الدنيا، فضحك المضيف بصوت عال حمل في رناته بعض الامتنان لي بتقدير وطنه وجعله في أول الدنيا -وإن كان هو فعلا كذلك-.

 

انصرف المضيف وتركني مع اندهاشي انظر إلى مدرج مطار دبي من خلال النافذة واضعا في ذهني ملامح الصبر الذي يجب على أن أتوشح به خلال هذه الرحلة.

وللحق فقد خاب ظني، ولم تكن الرحلة تحتاج لكثير من صبر، فقد كانت أشواق الوصول تهون علي دقائق الانتظار، ورحابة المتواجدين معي داخل الطائرة تجعلني امتن لهذا البقاء، وهذه المضيفة التي جاءت تبحث عني خاصة وهي تبتسم فقد جعلت وجودي لذيذا كطبق الفاكهة الذي وضعته أمامي، ولطبق الفاكهة هذا  قصة طريفة،  وهي إنني قبل سبعة أيام من السفر ولما أنهيت إجراءات الحجز كان قد سألتني مسئولة الحجز عما إذا كنت أفضل تناول وجبات معينة على متن الطائرة أم لا، وهي لم تمهلني أن أجيبها بل حرضتني على اختيار  وجبة الفاكهة هذه التي تخلو من أية لحوم أو دهون أو مكونات غير طبيعية، فوافـقـتها دون أن أدري وظننت أن الموضوع سيسقط سهوا ولكن هاهي المضيفة الباسمة تورطني الآن فيما وضعت أمامي، ولا أدري كما سيكون لي الحق في وجبة أخرى أم لا.

 

دعوت جاري لمشاركتي طبق الفاكهة وقد علت في ذهني خطة أجعل بها الرحلة أكثر إمتاعا فقد قررت أن أعيد تناول الوجبات الاعتيادية عند توزيعها على باقي الركاب وعلى ذلك صرت اقتسم وجبة الفاكهة مع جاري دافعا له نحو الحديث والمشاركة معي، والنتيجة هي إني تناولت أربعة وجبات والاهم من ذلك أن جاري صار صديقا حميما لي، ثم والأهم إني قد تعلمت بأن الحياة لن تكون مملة طالما بها أصدقاء وأحباء.

الكاميرات المثبتة أسفل الطائرة وفي مقدمتها كانت تعرض لنا بين الفينة والأخرى صورا عن الأجواء وهي تعبر بنا البحرين، وقطر، وجانب العراق، فأتذكر الذين يموتون الآن وأتحسس جواز سفري واشعر بالحرج، ثم أصل إلى الأردن فأحيى فيهم هاشميتهم، ثم سوريا فأتذكر رحلتي لها قبل شهرين وكيف أنها لم تكن مضيافة كما سمعت عنها، ثم تصل بي الطائرة إلى البحر الأبيض المتوسط والذي تخلى عن بياضه لسبب معروف، وما تلبث الطائرة أن تحاذى القاهرة أم الدنيا ثم تميل ميلا قليلا لتعبر لارنكا ثم  الساحل الليبي ثم الساحل الجزائري بطول المليون شهيد.

 

السماء تبدو من تحتنا ملبدة بغيوم كثيفة أظنها في أغلب الأحوال ماطرة، ولكن ما أدهشني هو انه بمجر ما إن عبرت الطائرة نحو الأجواء المغربية حتى رأيت السماء من تحتي صافية زرقاء ناصعة والأرض من تحتي كأم حنون تنتظر وليدها ثم هبطت بنا الطائرة.

إن الدعوة التي وصلتني لحضور المنتدى الوطني للقصة القصيرة المغربية بزاكورة كانت محل تقدير عندي لأنها من أصدقاء رائعين حقا ومبدعين جدا، وهاهم الآن يستقبلوني في المطار، وان نسيت أمرا في حياتي فلن أنسى جميل لقاؤهم لي في المطار وحرصهم على تخطيط رحلة السفر كما ينبغي رغم أنها لم تكن رحلة قصيرة حيث إنها بدأت من مطار كازابلانكا مرورا بمراكش عبر القطار ثم عبر الحافلة  أو الستيام إلى زاكورة الجميلة عروس الجنوب المغربي التي بقينا بها ثلاثة أيام ثم عدنا عبر كازابلانكا لنبقي يوما أخرا في الرباط مدينة الحلم الجميل.

.. نواصل...