|
حديث النفس.. الأمارة
بالسوء، وبالحرم الجامعي
محمد مليطان
شغلتني كثيرا مذ كنت
طالبا التقاليد والأعراف
الجامعية، كانت مصطلحات
لها رنين مهيب ولها وقع
القداسة في مسمعي، فبمجرد
أن يقال لك إنك داخل
الحرم الجامعي حتى تستدعي
كل وقارك الطبيعي وغير
الطبيعي ليستقر على
محياك، مبديا أقصى ما
لديك من أناقة، ولباقة،
وحسن منطق، واحترام لهذا
الحرم الجامعي المهيب،
جلال ومهابة تنتابك حين
تلامس أرصفته، كل شيء
داخل الحرم الجامعي يبدو
مختلفا عن الخارج..
الحراس الجامعيون يتـزيون
بزي مدني رفيع الأناقة،
منطقهم رخيم، حفاوة
وترحاب، وكلمات محسوبة
بدقة، ومنتقاة بعناية
تنساب إلى مسمعك من حارس
البوابة حين يجيبك على
سؤالك الذي لا يخفي
خطواتك البكر إلى أرض
الجامعة.. الكليات
الجامعية تستقر في قلب
المدينة الجامعية ظاهر
عليها جلال العلم.. طلاب
الجامعة هم أيضا مختلفون،
زي موحد تقريبا في لون
واحد، أصواتهم لا تكاد
تسمع من انخفاضها بسبب
قوانين الحرم الجامعي
التي لا تسمح برفع
الأصوات داخله، فالضجيج
ورفع الصوت لا يتناسب
والحرم، خفض الصوت في
محاريب العلم تعبير عن
الوقار والإجلال الذي يجب
أن يوليه طلاب العلم
للعلم، حتى السيارات تمر
من جانبك بسلام وبلا
ضجيج.. الأساتذة
الجامعيون شيء آخر تماما،
إنهم أنبياء، يتدافعون
جماعات وفرادي على
المكتبة الجامعية
المركزية، ومدرجات مشغولة
بالندوات والمؤتمرات
والملتقيات العلمية
والأدبية والفكرية، مكان
مقدس يستحق بلا أدنى شك
أن يطلق عليه تعبيرا عن
قداسته ومهابته: الحرم
الجامعي.
هكذا كانت تسوّل لي نفسي
الأمارة بالسوء.. تمنيني
بالأماني الوردية، ثم
تفاجئني بأنها كانت
تمازحني مزاحا ثقيل الظل
فتقذف بي داخل الجامعة،
لكنها هذه المرة مختلفة
عن تلك التي سولتها لي
نفسي، إنها جامعة مختلفة
في كل شيء عن تلك التي
كانت تمنيني بها نفسي
الأمارة بالسوء، إنني هذه
المرة داخل جامعة واقعية
ليس فيها من سوء الأمر
شيء.. بوابة الجامعة
يتمركز بها عسكريون بزي
عسكري تفوح منه رائحة
البارود والنار، فظاظة
وغلظة، ألفاظ منتقاة من
معاجم الحرب ومعسكرات
الجيش، ومعاجم الشوراع
الخلفية، عواء وضجيج يملأ
المكان ببراحه، سيارات
تصرخ بعجلاتها معلنة بدء
استعراض كرنفالي وسط شعور
باللامبالاة بالمكان
وبحرمته، مسجلات تصرخ
بموسيقاها الصاخبة معلنة
بدء يوم حافل بالطرب
والغنج والدلال، عابرا بك
في لحظة إلى شوارع الليل
في بلدان لا تحرم
الويسكي، طلاب يصرخون
بأصوات وبلا أصوت، يصطفون
على جانبي الطرق الخارجية
والممرات الداخلية يبتغون
فضلا من عيون ناعسات،
ورضوانا من قدود كغصون
البان، يترنحن بكل مهارة
وشقاوة، مستدعيات من
ذاكرتك صورا لأفلام كنت
قد شاهدتها باكرا أيام
المراهقة في غفلة عن أعين
الرقباء، وأساتذة جامعيون
كأمثال الشاهد الذي لم ير
شيئا.. الشيء الوحيد الذي
ظل ساكنا في أعماقي ولم
يغادرني إلى هذه اللحظة
هو أنني داخل جامعة
ولكنها بلا حرم جامعي. |