...بـاب مــفــتــوح...

مشاركة رقم: 20 / التاريخ: 9/6/2006

أحد موضوعات الكاتب الراحل (رشاد الهوني)

 

قـمر الليلة السابقـة

 

رشــاد الهـونـي

 

 

عزيزتي/

ماذا اكتب.. ماذا أحكي.. وماذا أخرجه لك من نفسي.. وقد تكاثرت الأشياء في صدري.. وتداخلت الأحداث في ذاكراتي.. ولم أعد ادري ما هو الحلو وما هو المر من ذكرياتنا ذكريات اليوم الواحد.

الواقع أن المرارة تطغي أحيانا، حتى ليخيل إلى أن الحلاوة لم تلمس موضعا من مواضيع علاقتنا، وأتمنى لو أنني لم أقابلك.. أحيانا أخري أشعر بأنني لم أذق للمرارة طعما معك، وأنني غير آسف.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أنك واليوم الواحد الذي عشناه سويا خلقتما في أعماقي نوعين هما الجنون.. والتناقض.

الجنون.. لا نني ألقيت بقلبي في معركة لا أملك لها السلاح..فعشت بعدك مغلوبا على أمري.. آتوه في عينيك.. وأغرق في حنانك.. ويصفق باب الحياة في وجهي حين أشعر بأننا انتهينا... ولهذا أتمسك  بذكرياتي معك في جنون وذهول ورعب.

والتناقض.. لأننا خلقنا مختلفين تذوقها، كل منا كان يستعمل عاطفته بأسلوب مختلف عن الآخر.. أنت أرستقراطية غاية في الرقة والترفع والكبرياء.. وأنا واحد من هذه الملايين البسيطة.. أعيش حياتي بيدي.. بعرقي.. بأسلوب قاس يتعارض مع نعومة النظرة التي احترقت بها من عينيك حين التقينا أول مرة، أتذكرين أول مرة.. أول نظرة أول ابتسامة.. أول نسمة حنان زفتها إلى الحياة... كان يوما من الأيام التي بي، دون أن أحس بها.. ففي الصحراء ينسي الإنسان التواريخ والأيام واللحظات والعطلات.. وكل شيء.. ويبقي شيء واحد فقط يقبل مع الليل.. مع اللحظات التي تسبق النوم... ذلك الشيء هو طيف امرأة... حقيقة كانت أم خيالا.. وقد كان الطيف الذي يزورني كل ليلة.. كبيرا... جميلاً... مسرفا في الجمال ليس له  وجود في واقعي، وأن كنت التقي به دائما وباستمرار... عين سوداء واسعة، شعر ناعم يسترسل حتى الصدر ويغوص فيه... رأيت هذا وأكثر منه عندما رأيتك.. وكنت أعتلي الآلة الضخمة واعبث بمفاتيحها، لينطلق البترول إلي السفينة... وأنت مع مجموعة كبيرة من موظفي الشركة الذين يزوروننا بين الفنية والأخرى ليتفرجوا على سير العملية.. تقفين بينهم كالزهرة الناضجة عيناك فيهما كل ودهشة، ووجهك يعلوه مسحة من التعب والطيبة، وجيدك يرتفع في فضول جميل، وقوامك يقف في شموخ يشوبه دلال ودلع وترف، لا يليق بالشمس المرسلة فوق الرؤوس.. ونزلت إليكم في تباطؤ وتردد عندما اكتشفت أن كل هذا الجمال ينتظرني، وقدمت نفسي وبدأت ناصا فحكم واحدا واحدا.. حتى تحلت إليك أحيت بيدك الطريقة بين يدي، ورغم حرارة الشمس إلا إنني شعرت بسخونة قوية تسرى إلى بدني، وتتسلل إلى عروقي، ثم تندفع إلى رأسي في قوة خشيت معها أن لا أكمل الترحيب بباقي المجموعة، ووقفت بينكم أشرح عن كيفية تسيير البترول بواسطة هذه العدادات الضخمة، ولست أدرى كيف إنني كنت أشرح لك وحدك، عيناك تمسكانني بقوة وتشدانني إليك في حنان، وسرنا جبنا إلى جنب والمجموعة حولنا وكأنهم يزفوننا إلى الحياة، ووجدتني أشرح لكم بحرارة واكتشف أشياء جديدة في عملي لم أكن اعرفها من قبل، ذهني متفتح ورغبتي متوقدة، ولساني ينطلق في سرعة واعية، وإقدامي لا تتعب من السير والصعود والهبوط، فوق مستودعات البترول وفوق الأنابيب الضخمة الطويلة الممتدة على طول الطريق.. قوة جديدة استشعرتها في كياني أسرع الزمن، فمضت ثلاث ساعات وكأنها، أقل من دقيقة، وعدنا إلى المطعم لتناول الغذاء.

 

ما هو طعم الآكل؟، أنى لم أحس له مذاقا ولا رائحة ولا رغبة، أنهيته سريعا وعدت إلى حجرتي أستريح، وأهدأ بعد الانفعالات الجديدة العنيفة، تمددت فوق سريري أفكر، ولكن في ماذا أفكر؟، لقد تحولت أفكاري وأحاسيسي ومشاعري إلى صورة تركتها ورائي في المطعم، الشيء الوحيد الذي فكرت فيه هو ميعادنا بعد الظهر، لنزور بقية المكشات في (مرسى البريقة)، ما أوسعها هذه القرية الصغيرة من قبل، وما أصغرها الآن، سرعان ما جبناها وطفنا بألاتها التي لا تهدأ، سرعان ما انقضى الحلم الذي عشته معك، سرعان ما انتهى كل ذلك وعدت إلى حجرتي احلم.

ومع صباح اليوم التالي، كانت الشمس في خروجها ترقبني في عطف، أنا انتظر خروجك من حجرتك لا تزود منك بنظرة ولم يطل انتظاري، فقد خرجت من حجرتك أشبه بقمر الليلة السابقة، أشبه بآمال بلادي، واقتربنا سويا في وقت واحد، واتجهنا نحو المطعم في عينينا نظرات ربما كانت نظرات حب.. إلهى ما أجمل نعمك حين تخص بها قلبي، قلتها حين كلفني رئيسيي بمرافقتهم إلى (زلـطن)، وهذا يعنى أنني سأظل معك يوما كامل أليس هكذا؟، وضغطت على يدك ضغطه خفيفة بدون وعى، وارتبكت حين شعرت بذلك والتفت نحوك لاعتذر، وهالني أن إلى شبه فرحه تكسى ملامحك وشبه ابتسامة تتراقص في عينيك، إلهى ما أجمل نعمك حين تخص بها قلبي، قلتها مرة ثانية وأنا أدخل السيارة وأنت بجانبي وفى الخلف رجلان يستغرقان في حديث طويل، وتعمدت أن أجعل سيارتنا في المؤخرة حتى أقودها ببطه وحتى تتسع المسافة لشوقي وحكايتي، ولم نكد ندخل الطريق المؤدى إلى (زلطن) حتى أنساب لساني وقلبي وعاطفتي وفكري في حديث طويل، ولست أدرى لماذا حكيت لك عن بلادي، عن الماضي الذي عشناه، عن الكفاح الذي خضنا،ه عن الجوع والتشرد، عن العذاب والحرمان الذي لاقيناه على يد الاستعمار.