...بـاب مــفــتــوح...

مشاركة رقم: 14 / التاريخ: 3/5/2006

وهـم الكـتـابـة

 

عربي عبدالله

 

 

عندما تجلس وحيدا بعد منتصف الليل بقليل، وتبدأ بكتابة أولى الكلمات على الورقة، فلا شك أنك تنتشي قليلا وتتحفز لكتابة شيء أكثر دهشة...فلا تصدق!

تمضي في الكتابة، مانحا للمخيلة جموحها إلى أبعد حد وأنت تنثر الكلمات في حبور معتقدا أنك أمسكت بضالتك المنشودة وإنها لحظة التجلي التي طالما تحدثوا عنها بانتشاء..فلا تصدق!

متألقا مع نصك أو هكذا خيل إليك تعانق الضوء المتدفق من الشمعة التي أوقدتها كرشوة للمخيلة وأنت تراقب في ذهول شمعتك التي تذوي في صمت دون أن تئن، لحظتها فقط تلاحظ الفارق بين عطاءك وعطائها..غمرك الجمال المنبعث من اللهب وصعقك اكتشافك للفارق، فيما كان ظلك على الجدار يشكل إزعاجا حقيقيا لمنظر جميل وآسر.

ويحدوك الأمل دائما في الكتابة وأنت تحاول أن تقنع نفسك بأنك تكتب بشكل جيد ولا مثيل له على الإطلاق..فلا تصدق؟

فأنفض عنك أوهامك القديمة وصدق أن الكتابة لا يمكن أن تعني المعاناة في إيجاد عبارات جميلة ومتناسقة فقط ولا يمكن أن تكون شكلا جميلا مبهرا في النسق وانتقاء الكلمات..الكتابة، دائما وكما يقولون هي سفر مضن وعناء وكد وألم في سبيل هدف سام يتمثل في إبراز الحقيقة ولا شيء غير ذلك.. يتم كل ذلك من خلال الشكل والجوهر معا في نص متجانس ومتناسق وجميل وربما مبهر في بعض الأحيان والذي نادرا ما يحصل..

فما الذي يصدرونه لنا عبر مختلف القنوات الإعلامية؟ ليس الكثير بل القليل، والقليل جدا يأتي من هنا وهناك، عبر أقلام تعد نادرة..أسماء قليلة جدا هي التي قدمت نتاجا حقيقيا ويستحق عناء القراءة والمتابعة..والباقي ما هو إلا دليل على فوضى متراكمة  نتيجة للشواغر!

فوضى يتم تمريرها بمبررات الحداثة والتطوير وبتصنيفات أخرى أكثر تعقيدا وفي النهاية لا نجد إلا سقط متاع إلا ما رحم ربي..

شعراء وكتاب كبار عرفوا تحت هذه المسميات وحين تقرأ لهم لا يمكنك أن تعود ثانية لقراءة ما كتبوا على الإطلاق وتستعجب من الهالة التي تحيط بشخوصهم كأنهم أنبياء!! وعندما يتحدثون عن احتراقهم باللهب ويصفون لك معاناتهم فما عليك إلا أن تحني هامتك التي كل ما تملك إجلالا لمواهبهم الفذة..

ثمة من يملك لغة وموهبة فريدة، وظفها خطأ أو طمعا في نيل المكاسب فلم تحقق الغاية المنشودة التي وجدت لأجلها الكتابة، إنها الكتابة التي لا طائل يرجى منها..

لا شيء أخطر من كتابة مضللة ولا أسوأ من قلم وظف لهذه الغاية.

فأحذر واستمع جيدا إلى ذلك الشعور الصغير الذي ينمو في جانب ما من نفسك وهو يخبرك بأنك مجرد فاشل صغير يحاول أن يجد له طريقا عبر الكلمات التي أرهقت الكثيرين وأضنتهم عبر رحلة طويلة من العناء والكد والألم ليسطروا أعمالهم في ذاكرة الزمن التي لا تنسى..أنت لا تصدق؟ لكنها الحقيقة التي تتغاضى عنها.

أنت لا تصدقني.. وريثما تحاول أن تفعل.. فدعني أخبرك بأن الأمر لن يطول بك كثيرا فها أنت تسقط عند نهاية الورقة التي لطختها بالحبر وليس بأي شيء آخر كما كنت تظن..