...بـاب مــفــتــوح...

مشاركة رقم: 08 / التاريخ: 26/2/2006

أنتِ ومدينتي والحب

 

حسـين ارحومـة

 

 

(1)

للحب في مدينتي حكايات..وحكايتي هي الأوفى!.. اتجول بشوارع مدينة عرفتني يوم مولدي، لكنها حجبت حبها لي في قسوة منذ البداية. أدرك وجود حبها..لكنني افتقد علانيته!

هذة المدينة أحببتها -أنا كذلك في قسوة-  ومنذ البداية.. ويا حبيبة.. أعترف بازدياد قسوتي في حبها بعد أن فتحت لحبك الأقسى قلبي.

عاندتني مدينتي في المقابل وواصلت إعلان الحرب من طرف واحد علي الحب في برودة أذهلتني!، صودرت قصص المحبة وقصائد العشق البريئة، فكتبت في سرية تامة علي جدران بيوت مدينتي المتربة شوارعها قصائد عشق ونقشت أحرف قصص محبة تختلف عن روايات "الحب أعمى" و"الحب عذاب" و..و.. وعلي بوابات حاجب طقوس المحبة المسمى "المجتمع"، و"العادات" و "التقاليد"، رسمت قلباً ينبض بالحياة ويتطلع لغد أجمل. وكان القلب الذي رسمته خاليا من السهام ولا يقطر دما، بل يرقص طربا ويهيم عشقا بالحياة التي توج جمال حبيبتي استمراريتها.

وفي اليوم التالي شعرت بالاحباط لأن القلب الذي رسمت، شوهه اللون الأسود للفحم.

مدينتي تسمح بدخول الحب اليها.. وتغازله وهو يتمشى علي شط بحرها الجميل.. وتعاتبه علي إعجابه بتماثيل حسناوات متحف لبدة..وتفرش للحب سجادة سحرية تحت شجرات الزيتون.. تسحره وتنقله بعيدا.

مدينتي.. تغمز للحب كغجرية.. يقترب منها هذا الحب، فترمي تعويذة مهترئة في جمر ملتهب لترتفع سحابة دخان تصرع هذا الحب وتلقيه علي قفاه.  في مدينتي يفيق الحب المصروع من غيبوبته ليجد نفسه يتسول تأشيرة خروج.

مدينتي لا تمنح بطاقة إقامة دائمة للحب. فهو ممنوع في شوارعها ومحرّم في مدارسها ومطارد في مكاتبها.. ممنوع تحت المخدة حتى وإن انتحل هوية خطاب غرام وممنوع فوق المخدة حتى وإن كان وردة مقطوفة.

هو ممنوع في خطابات المحبة المخفية بين صفحات الكتب.. الحب غير مسموحا به في الصباح.. ولا بعد الظهر حتى أنه يدخل قائمة "المواد الخطرة علي المجتمع" عندما يأتي المساء.

وان احتجت لـ"علم وخبر" من "مختار المحلة"  أو تزكية من شيخ القبيلة لتعلن حبك لمن ملكت كيانك.. ولتقول لأهلك، لحفنة تراب زكية من أرض "خمسك"  أو لشجرة نخيل عشق كيانك تمايل سعفها في الفجر أو عند الأصيل بأنك وجدت ما ينقص وجودك.. وجدت ملاكك، وجدت القالب قبل القشرة.. وجدت الوجه الصبوح الذي تريد، إن احتجت لصك الغفران ذاك، يتوجب عليك اثبات خلوك من السوابق!

الحب في مدينتي جناية تدوّن في سجل السوابق.. وكل عاشق متهم بقلة الأدب حتى يثبت بلادته. ويبصم مختار المحلة علي ورقة يحترمها المجتمع أكثر من احترامه لمشاعرك الانسانية. تلك الورقة عادة تكون مديلة بعبارة (لم يسبق له الحب)!

لماذا تعاقب مدينتي من يحب؟

لماذا يعتبر الحب في بلدي خروجا عن المألوف؟

لماذا الاصرار علي اخفاء مشاعرنا والمطالبة بتزييف المشاعر؟

ماذا نحن بدون أحاسيسنا ومشاعرنا؟

كلنا يعلم نسبة  الماء في تشكيل جسد  الانسان، لكن هذا الانسان في النهاية ما هو الا عبارة عن كتلة هائلة من الأحاسيس والمشاعر والعواطف الانسانية التي بدونها لا يساوي شيئا مهما علا شأن.. خاصة عندما يتنازل عن شفافيته المأخوذة عن الماء.

أستميحك عذرا يا حبيبة، فلقد تباعدت كثيرا عن صلب الموضوع. مثلما تباعد الصدق عن قلوب الكثيرين من أبناء مدينتي الذين أحبهم بكل ما فيهم من تناقض. أتجول بشوارع مدينتي الحبيبة.. أبحث عنك.. أراك داخلي.. أتحسس وجودك في شراييني وفي أفق كياني.

وأتخيل كم مرة مررتِ بهذا الشارع.. وكم مرة نظرتِ لهذه الشجرة.. وكم..وكم، ما أسعد ما وقع نظرك عليه وما لمستى!.. لكن دنياي ينقصها الكثير بدون طلتك البهية.. وبدون سماع "عاش من شافك".. متى رجعت؟ ما موقفنا من الاعراب.. أو أي شئ.. أي شئ .. ماعدا هذا الذي حدث.

أتجول كالغريب بشوارع مدينتي وأرى الكثيرين الا أنت..لا أراك.

لكي تعرف خفايا مدينتي لن تحتاج لخريطة أو بوصلة، فقط عليك أن تحبها بصدق وبشرط أن تنسي المقابل..فذاكرة مدينتي- وللأسف -ضعيفة..وهي تتذكر من تريد وتحوّل من تريد نسيانهم الي ضحايا. يحزنني أنني لست من ضمن "النخبة" التي تريد مدينتي تذكرها. كم أنت قاسية يا خمس!

 

 

(2)

علي المدرج الأسباني بروما جلست فاتحا قلبي لشمس بدايات الصيف الروماني. خليطا من البشر والحكايات يلف عالمي المبعثر. اتابع حكايات زمني المفقود.. ومسار مركبة حياة لم أعشها..بعد.

ركض الشاب باتجاه الفتاة مخفيا باقة من الورد بيده اليمنى وراء ظهره. لاحظت تلك الفتاة اندفاع الشاب باتجاهها وإشعاع حبه وحاولت تهدئة اندفاع المشاعر.. لكن بمودة. تابع الشاب العاشق قفزه فوق درجات سلم المدرج في سرعة رهيبة باتجاه الحبيبة وغير عابئا بالآخرين وهو يصرخ (تيامو..تيامو..).. أحبك.. أحبك!

وقفت الفتاة مبتسمة في خجل صادق لبضع ثواني.. فردت  بعدها ذراعيها في الهواء لتحتضن الحبيب المندفع ولتعلن هي الآخرى للعالم بأجمعه عن اختيارها..عن حبها، وهتفت/ وأنا كذلك..أحبك..أحبك..أحبك.

ثم صرخت في فرح طفولي عندما قدم لها الشاب باقة الورد.. وطوقته بذراعيها وهي تقفز فرحا.  عندما افقت أنا علي مرارة حسرتي وعلي إصرار الفضول البرئ، رأيتهما يهبطان المدرج تحتضن اليد اليمنى للعاشق اليد اليسرى للحبيبة في رحلة همس سحرية.

لم أشعر بالحسد، لكنني أحسست بالغيرة. بالتأكيد لم أكن المتابع الوحيد لذلك الموقف، ففي ذلك الوقت وذاك المكان كنت واحدا من مئات البشر ومن جنسيات مختلفة. عندما قدم الشاب باقة الورد لحبيبته التي بللت دموع الفرح الحب المعلن عنه رموشها، واحتضنا كلاهما الآخر، لكنني كنت أول من صفق لهما وللموقف وللحب. كنت العازف الأول في فرقة "يعيش الحب". الحب المعلن بدون تجميل وبدون رتوش.. وبدون تقاليد بالية تقيد شرايين فكر الانسان. فقط بعد ثواني معدودة ضاع صدى تصفيقي وسط عاصفة تصفيق الآخرين الذين انضموا لفرقة " يعيش الحب".

وتركت المدرج مبتسما لانتصار الحب..وقلبي يعتصر حزنا لفقدان "خمسية" الابتسامة. لم أقاوم طويلا والتفت ورائي، لعلّي أراك تلوحين لي بين الجموع. ولم أراكِ. عجيب سحرك! ومن يدرى، قد تظهرين لي في روما لأشتري لك باقة ورد منعتني تقاليد تحطمنا من تقديمها لك في مدينتنا القاسية.. لكنك لا تظهري.. أنتِ مدمنة علي الأختباء في قلبي. وأعطت غرفة العمليات المسيطرة علي بقايا المخ المقيمة بمؤخرة جمجمتي اشارة لأعصابي بتوصيل رسالة، (ليهتز رأسك في أسى و..). تلقيت الأمر. هززت رأسي في أسى وأضفت راضخا..لم يحن زمان حبك يا حبيبة بعد..حتى في روما.     

يا حسرة القلب الحزين، فأنت لم تكوني هناك كذلك. بالله عليك يا مدينتي الحبيبة، لاتصادري الحب وصكوك العشق من قلوب شبابك بعد الآن!.. يكفيك قسوة.

 

روما 1981