...بـاب مــفــتــوح...

مشاركة رقم: 03 / التاريخ: 7/1/2006

لحظة مقتضبة من شرمولة الأصفر

 

صلاح عجينة

 

 

التحرر من الحرية جملة قد تعني محمد الأصفر شخصيا وقد تعني مدونته الروائية.

والرصد النقدي الذي ينصرف بداهة إلى وضعه في خانة السهل الممتنع ثم يُصاب بالخرس لا يقول ثُلث الحقيقة ولو كنت مُنصفا سأقول يرصد الثلث الممكن فقط, ويتجاهل عن سوء علمٍ أو قصد ثلثي الحقيقة التي تؤسس لكتابة الأصفر الحُرّة.

 

فمثلا يمكن القول أن التطهر من الدم الفاسد يُعد مدخلا سسيو ثقافي مناسب جدا للحديث عن مدونته أو الكتابة للناس من واقع الناس مبدأ له ما يؤكده في النص أو الكتابة بحذف أدوات المحرّم الثلاثي أو......إلخ..لكن ذلك كله يشترك في مفهوم دقيق وموجز جدا خلاصته الوحيدة والميّسرة والغير قابلة للطعن أن رواية[الشرمولة] شأن سابقاتها صياغة حيّة من واقع الليبيين أنفسهم وليست أحرفا مستوردة تحت عناوين ليبية بجرأة غير مسبوقة من كتّاب ليبيا الذين ينصرفون لشن حملات قصف على نصوصهم قبل أن يحرروها على ورق الكشاكيل وبالتالي نطالع أعمالا محترزة تتعرض للواقع اليومي باجتزاء بالتالي خيانته..ومحمد الأصفر كروائي متوقد حماسا يحرص لتحرير الآني وأسطرته في متن روائي غير مسبوق.

وإنني كمثقف ليبي يزعم استيعاب دروسٌ مهمة تخص ليبيا تاريخا وثقافة أقول أن المدونة التي صار يحررها الأصفر روائيا بطريق الكدّ ستشكل تاريخا اجتماعيا ثقافيا لليبيا في عقودها الأخيرة..هذا التاريخ المختفي عن الآثار الأدبية الصادرة..لكن السؤال الذي يطرح نفسه من جديد هل ثمة خلق يقدم به الأصفر لحظته المسجلة؟!.

هذا تحديدا أمر أؤثر أن تكون إجابته من خلال قراءة الليبيين أنفسهم واحدا تلو الآخر حتى وإن كانوا أميين أو ضعاف ثقافة أو متداعين للسقوط أو مهرجين بشعارات يجهلونها.كلٌ له أن يسدد ما عليه من القول ومن ثم تتوالى الأسئلة ليكون النص لقاءً لانشغالات الناس وبالتالي يكتسب مصدريته للتغيير حتى وإن حبلت السماء اصطناعيا بالمطر فلابد ثمة من تغيير تدعمه السماء أقصد النص الحقيقي.

 

في نص [الشرمولة] تحديدا يرتفع صوت الأصفر المعادي حتى النخاع لكل عملية ترتيب أو لكل عملية تؤسس لنقطة نظام مركزية..وقد أبدع في اصطفائه لعنوان نصه بوعي حاد بمسألة كتابته..فقد يُطرح سؤالٌ صغيرٌ وساذجٌ مثلا مؤداه لماذا لم يعنون الكاتب روايته بـ [السلاطة:أي السَلَطة] كما يطلقها أهل الإقليم الغربي لليبيا بخلاف أهلنا في شرق ليبيا..ولا أدري هل أَقترح بأن الكاتب كان لا يحتاج إلى نعت نصه بـ[السَلَطة] بل احتاج فعلا إلى شرمولة وهي سَلَطة على مقاس الدائخين في حضنهم الدافئ بنغازي..فأحداث الرواية كانت مشوية ومطبوخة للقارئ في مقهى عين غزالة وسوق الحشيش والكيش والمحيشي والصابري والمنتدى الإذاعي وشقق الثقافة والإعلام وغيرها الكثير..إنها بمثابة فضائح لمكان أخرس وتعرية لخصر مشبوه وأحيانا سيئ السمعة وأحيانا طاهرا وتقديما لزرازير- الأفاقون والمرتزقة كما يسميهم- بصورة المتأنقين الذين يرتدون معاطف فاخرة وربطات عنق لامعة غير أن بناطيلهم شرطات سباحة والأمكنة والأشخاص لا تخص بنغازي أو طرابلس لوحدهما بل للشعب الدائح من مراكش للبحرين..والكاتب لا يعالج ذلك بلغة التستر والغمز بل يدفعهم للهاوية مباشرة وبقرارات نابعة من تلقاء أنفسهم وهنا تكمن حكمة الكتابة..حقيقة لا يمكن وصم [الشرمولة] إلا بالدعوة لقراءة متنها بجدة وصدق وبعيدا عن التحذلق والترصد الغبيّ ففي متنها لحظات غائرة في الكنز الإنساني يمثلها أحيانا الفنان عبد الجليل عبد القادر ولحظات مفزعة يمثلها بو زعبور والزرزور وعبد نفسه وأبوأصبع وغيرهم ولحظات هيام خالدة تمثلها عاشقات من العجيلات وبنغازي ومراكش أبدعهن قلب مرهف ومن كل مكان وفي كل لحظة يمكن أن يناديك الصوت الإنساني التلقائي وأحب أن أقف عند هذه الجمل الواردة في المتن الروائي ففيها أُفق الراوي وتطلعاته في الكتابة:

- [أنا لست كاتبا..أنا كاتب شرمولي..لا علاقة لي بالصحف والمجلات والإنترنت والثقافة والإعلام والأمسيات الأدبية والمهرجانات والاتحادات والنقابات وروابط الكتبة والشعراء وملتقيات الأدباء وغيرهم..]

- [الرواية ليس لها أي شروط..كلمات مهلهلة على الورق..بصيرة القارئ تلملم أطرافها وتصنع منها رؤية جميلة على مقاسها والصراع ليس مهنتنا..اذهب إلى الحلبة وصارع..ستنال الميدالية الذهبية..والحدوتة انتهى أمرها..صارت صرعة قديمة..لقد ملت الناس الحكايات كما ملّت حكامها..]

- [زد على ذلك أننا خارج المؤسسات..ولا نطيق الدوائر ولا المثلثات ولا المربعات الرسمية..نطيق شبه المنحرف فقط..لو كانت الأمانة على شكل شبه منحرف فسنزورها..]

- [لكن ليس معنى هذا أن الملف أغلق وأن الشرمولة تؤكل مرة واحدة..من يذقها سيدمنها..ستنبت في معدة خياله حشائش ضامئة..].

 

والسطر الأخير الذي أسجله هنا هو أن الرقابات صارت رويدا رويدا تتداعى وأن الذبح الشرعي قد لا يخص الخراف وحدها بل لأهل الذمة من المحيط إلى الخليج الذين تجاوزوا ثلاثمائة مليون نصيب في يوم عيد مقداره ثلاثمائة وخمسة وستين يوما.


التالي

 

السابق