مـخـتـارات

 

نحو إستراتيجية جديدة للإعلام الليبي

 

د. إبراهيم علي بيوض

 

 

لاشك إن الإعلام الليبي حقق قفزة نوعية مهمة في السنوات الأخيرة تمثلت بشكل خاص بظهور منابر جديدة ذات شخصيات متميزة أهمها صحيفة أويا وقورينا.كما شهدت الساحة الإعلامية أيضا طهور عدد من المنابر المرئية والمسموعة الأخرى. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت هده المنابر قد نجحت فعليا في سد حاجة الجمهور الليبي ووصلت فعليا إلى درجة المنافسة العالية مع المصادر الإعلامية العربية والأجنبية؟ وقبل القفز على معطيات الواقع وإعطاء إجابات متسرعة فانه ينبغي أن نثني على التغيير الذي طراء في هدا المجال والدي كان بشكل واضح يسعى لسد فراغ هائل في مصادر المعلومات دفعت بالجمهور الليبي للاعتماد بشكل شبه كلي على مصادر عربية وأجنبية في هدا المجال مما جعل الإعلام الليبي في موقف حرج جدا و متجاوز.

 

وإذا كان الإعلام الليبي  قد اكتشف ولو متأخرا انه بات متجاوزا وان التقنية الحديثة تحول دون إكراه الناس على تلقي مالا ترغب فيه فان الوقت ليس متأخرا جدا لحجز مساحة واسعة من الجمهور المحلي والعربي وفرض الذات على الآخرين.

 

 وإذا كانت الصحافة المكتوبة قد أدركت جيدا أن سد الفراغ هدا لا يتم باستيراد خطاب ولا منهج إعلامي (عربي أو غربي) شكلا ومضمونا وإعادة تسويقه للمتلقي الليبي فان الإعلام المرئي والمسموع لم يصل إلى نفس القناعة. والفارق واضح بين صحيفة(أويا وقورينا) مثلا من حيث حضور القضايا المحلية وعمق التناول والطرح وملامح الخطاب والقراءة الخاصة للأحداث والقضايا العربية والدولية .

 

لقد وقع الإعلام المرئي والمسموع في فخ الانجرار وراء منافسة قنوات عربية حققت نجاحا ( في التسلية والتنويم) وهي وان كانت بإمكانيات مالية عملاقة فإنها ليست النموذج المثالي الذي ينبغي أن يضع الإعلام الليبي عينه عليه.

 

 لقد وصلت كثيرا من الدول إلى قناعة مفادها انه بات من الصعب بل  من المستحيل منافسة قنوات مثل  الجزيرة والعربية في خدماتها الإخبارية و بنفس أسلوبها وحرفيتها وقدراتها لان الموضوع مكلف ماديا لذلك نأت كثيرا من الدول (الغنية) بنفسها عن الدخول في منافسة هده القنوات (ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه).

 

 لكن القنوات المنوعة بدت  نموذج أسهل وأكثر شعبية لدى الجمهور وكذلك يبدو أكثر أمانا من حيث بعده عن السياسة. لكن دلك أيضا محفوفا بالمخاطر خاصة وان الإنتاج الإعلامي العربي محدود المصادر وتنحصر بشكل كبير في مصر وسوريا.

 

تظل المنافسة غير المحسوبة( والمتسرعة) لقنوات مثل ال ام بي سي ذات الإمكانيات المالية الضخمة اتجاه قد يرهق أي وسيلة إعلامية ذات إمكانيات محدودة وبدون استراتيجيات واضحة محددة المعالم والاهم  أن  الدخول في منافسة دون دراية ومعرفة تامة بالجمهور المستهدف وهو ما اشك في أن الكثير من القنوات الفضائية الليبية تدرسه دراسة جيدة يجعل بالتالي أي نجاح تحققه هو نجاح نسبي ومؤقت مرتبط بموسم أو ببرنامج (مسلسل باب الحارة) وبالتالي تفقد الجمهور بمجرد انتهاء دلك الموسم وهو ما لا يحدث للقنوات ذات الاستراتجيات الواضحة(كالجزيرة الإخبارية مثلا) لان نجاحها ليس موسمي وليس بسبب برنامج محدد بل شخصية متكاملة بإستراتجية واضحة بخطط بعيدة المدى.

 

إن واحد من أهم عيوب الإعلام الليبي إضافة لغياب إستراتيجية وخطاب إعلامي محدد المعالم هي غياب مراكز المعلومات واستطلاعات الجمهور العربي والليبي. إن عدم وجود مركز للدراسات الإعلامية يعمل بشك فعال على تحديد وصياغة الإستراتجية الإعلامية يجعل من الإعلام الليبي اقرب للتقليد منه للابتكار والمبادرة . لان ذلك الأسلوب الأسهل إذ انه سيلجأ إلى تقليد واستيراد نماذج أو برامج ناجحة والدخول في (مزاد علني)على برامج أو مسلسلات تستنزف ميزانية هده القنوات دون أن تتمكن فعليا من إرساء دعامات لصروح إعلامية قوية قادرة على البقاء بالإمكان هنا اتخاذ تجربة قناة الليبية في تجربتها الأولى قبل إعادة هيكلتها كنموذج وكذلك قناة المتوسط.

 

إن كثير من القنوات العربية تميل إلى تفضيل برامج التسلية والترفيه وأحيانا وبشكل مبالغ فيه(الرقص الشرقي بملابس شفافة)  لكونه مضمن التسويق ويحظى بجمهور واسع ولا (يزعل احد) وحتى وان قبلنا بان الاتجاه الانجح و بشكل مطلق هو (التسلية والتنويم) بدلا عن تبني القضايا الأكثر جدية فان هناك غياب حقيقي لمعرفة الجمهور المستهدف حتى الآن بكل هده القنوات الفضائية إلا فيما ندر.

 

 وهدا الاتجاه ينبغي أن لا ينجر إليه الإعلام المرئي الليبي لان هناك جمهور واسع لا يلقى البرامج والخطاب المناسب وما علينا إلا دراسة هدا الجمهور واستطلاع آرائه لندرك أن الإعلام التنويمي ليس أفضل وصفة للنجاح.

 

ولابد من الإشارة هنا وكذلك الإشادة بدون مجاملة لدور إعلام ليبيا الغد في تحقيق قفزة نوعية حقيقية في الإعلام الليبي. وإذا كانت الدولة الليبية قد أبدت كرما واضحا في دعم الإعلام الليبي في السنوات الماضية فان غياب بنية إعلامية و بإستراتيجية وخطاب أو(خطابات)إعلامية واضحة يجعل من هدا الاستثمار مشروعا هشا بدون ملامح وشخصية واضحة.

 

 أعود مرة أخرى للصحف لأنها المثال الأكثر عملية على مضمون موضوعنا هدا. فصحيفتا أويا وقورينا(رغم كل الصعوبات)  تجاوزتا مسالة الشخصية والإستراتيجية وهي منابر لا تخاف المنافسة ولا المقارنة ببساطة لأنها تعرف جمهورها وتخاطبه بلغة صاغتها وحددتها بشكل يجعلها متميزة ومقنعة وهو ما يؤهلهما للدخول بثقة في أي منافسة.

 

هدا تمام ما يجدر بالإعلام الليبي المرئي والمسموع أن ينتبه إليه إنها بالأساس معرفة الجمهور المستهدف.

 

 وللحديث بقية.......

_______________

عن موقع ليبيا اليوم

12.03.2010

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة