|
التراث المنسي.. نداء وطني لإنقاذ المدن والمعالم التاريخية
حسام عبدالسلام باش إمام
تعمل المجتمعات والشعوب في جميع أنحاء العالم على الحفاظ على
موروثها الثقافي والحضاري كونه يشكل جزء من تاريخها وشخصيتها
الاجتماعية والثقافية ، بل أن هذا الموروث أصبح جزء لا يتجزأ
من الموروث الإنساني العالمي،مع بداية النصف الثاني من القرن
العشرين تبلور مفهوم عالمي للتراث وهو ما يعبر عنه بالتراث
الإنساني المشترك،حيث بدء الوعي العالمي بمسألة حفظ وصيانة
الممتلكات الثقافية وصدرت عدة تشريعات دولية وإقليمية ومحلية
في سبيل حفظ هذا الموروث الثقافي، حتى إننا نجد أنه هناك اليوم
مؤسسات عالمية كبرى تعنى بالحفاظ على هذا التراث العالمي مثل
منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو ) وغيرها من
المنظمات الدولية.ومن ابرز المظاهر المادية للتراث الثقافي هي
المعالم العمرانية المتمثلة في المدن والمنشآت والمباني
الأثرية والتاريخية والتي يعبر عنها في غالب الأحيان بتعبير
(الآثار) وهو كل أثر عمراني خلفته الحضارة الإنسانية في العصور
الماضية .
ومن المعروف أن التراث الإنساني لأي أمة أو مجتمع ينقسم إلى
تراث معنوي وهو التراث المدون والمنقول شفويا ويتمثل في
العقائد والأدب والشعر والتاريخ..الخ، أي ما يسمى بالعلوم
الإنسانية، وتراث مادي يتمثل في الفنون والعمارة والصناعات
التي يبدعها الإنسان ،ومصطلح (التراث) كتعبير عن الإرث الحضاري
للشعوب، أستعمل بهذا المعنى استعمالا حديثا نسبيا، ونجد في
تفسير معنى التراث في القواميس بمعنى الإرث أو الميراث وقد ذكر
هذا المصطلح في سورة الفجرالآية19، حيث يقول عز وجل (وتأكلون
التراث أكلا لما) ،ويبدوا أن مصطلح التراث بمعناه الحديث كان
ترجمة مباشرة للعبارة الإنجليزية
(Heritage )
التي توسع استعمالها حاليا لوصف الإرث
الحضاري والثقافي لذي الشعوب
.
في الفترة الاستعمارية قامت
اغلب الدول الأوربية التي احتلت بلادنا ،بتأسيس مؤسسات علمية
تعنى بالكشف والتنقيب والبحث والدراسة والترميم للمواقع
الأثرية والتاريخية المنتشرة على طول سواحل وجبال وصحاري
المنطقة العربية و كان الغرض منها حينئذ خدمة أهدافها في جمع
أكبر قدر من المعلومات للاستفادة من تراثنا، وللتدليل على
أهمية هذا العمل على المستوى الثقافي نشاهد اليوم اليهود في
فلسطين يقومون بعمل حفريات وتنقيبات تحت أساسات المسجد الأقصى
وهدفهم المعروف هو إيجاد شواهد أثرية لإثبات حقهم المزعوم في
القدس الشريف،في المقابل نجد اليوم أن هذه المؤسسات العلمية
التي ورثناها من المستعمر لم تسخر بشكل جيد لخدمة تراثنا
وثقافتنا،فلا نجد ميزانيات مهمة تصرف ولا إمكانيات علمية تسخر
من جامعتنا ومراكز أبحاثنا في عمليات التنقيب والحفريات والكشف
ودراسة معالم حضارتنا الإسلامية ولا عمليات ترميم جدية تجرى
لحفظ هذا التراث، فلماذا هذا النسيان والإهمال ،نقول للمسئولين
عن حفظ التراث تعلموا من عدوكم
.....!
الذي دفعني بشكل مباشر إلى الكتابة عن هذا الموضوع ،هو موقف
صغير حدث خلال الأيام الماضية ، فكوني من المهتمين بالتراث
دعوت مجموعة من الأصدقاء إلى تناول فنجان شاي في رحاب مقهى
تراثي يشغل حاليا الفندق المعروف قديما بفندق (بنت السيد)
الكائن بباب البحر بميدان قوس الرخام بالمدينة القديمة في
طرابلس ، وبمجرد أن هممنا بدخول الميدان بعد اجتيازنا جامع عبد
الوهاب القيسي ، رأينا أن الميدان أصبح متربا فقد اقتلعت
أرضيته منذ سنة على الأقل ولم تركب أرضية جديدة كما رأينا
أكوام التراب والركام هنا وهناك فضلا عن ازدحام السيارات
المصطفة بطريقة فوضوية داخل الميدان التاريخي المفترض أن تمنع
فيه جميع أنواع المركبات الآلية حسب التشريعات المحلية
والقوانين الدولية قي مجال حفظ المدن التاريخية ، نعم أنظروا
لميدان قوس الرخام في المدينة القديمة حيت ينتصب قوس ماركوس
أوريليوس الأثري في هذا الميدان الذي أصبحت أرضيته أتربة
وكثبان، ليس هذا فقط بل أنظروا لميدان الساعة التاريخي ولشارع
درغوت (شارع التحصينات)هذه الواجهة البحرية للمدينة القديمة
بطرابلس ،وقس على ذلك في باقي مدننا ومعالمنا التاريخية في
الساحل والجبل والصحراء ، إن الوضع الذي وصلت إليه مدننا
ومعالمنا التاريخية ،وضع أقل ما يوصف به أنه إهمال ونسيان
ونكران للتاريخ والتراث (الصور المرفقة غنية عن التعليق).

ميدان قوس الرخام غارق في الركام....!

شارع درغوت وأكوام الرمل والتراب
ميدان الساعة مركبات وأتربة
فإذا استفسرت عن الموضوع ستسمع كلاما كثيرا، لست في وارد
تكراره لأنه لايفيد فكل جهة تلقي باللوم على الجهة الأخرى،
ليتفرق دمه بين القبائل كما يقولون والضحية هو هذا التراث.
لا يخفي على أي مواطن أو زائر أو سائح ما وصلت إليه مدننا
ومعالمنا التاريخية، هذا التراث العمراني الذي نملك منه الكثير
سوى في الساحل أو في الجبل أو في الصحراء ويتميز بخصائص جميلة
وجذابة يحسدنا عليها الكثيرين
.
نعم هناك (نظريا) مؤسسات رسمية من مهامها حفظ هذا التراث ولكن
الأيام اثبتت عدم جدية وفعالية هذه المؤسسات في الاهتمام
بمورثنا الثقافي ،بطبيعة الحال لاننكر على هذه المؤسسات تحقيق
بعض الإنجاز ولا على البعض... من العاملين بها القيام بواجبهم
،ولكن في المحصلة العامة يبقى الأداء ضعيفا، وكي لا نتهم
بالتجني على هذه المؤسسات ، أنظروا حولكم كم من معالم تاريخية
انهارت بفعل الإهمال والنسيان وكم من معالم شوهت بحيث فقدت
خصائصها التاريخية، وكم من معالم أزيلت وهدمت ،وكم من معالم
سرقت... ! جميع هذه العمليات المتخلفة مورست على تراثنا
الجميل، وعندما نبحث في الدوافع لذلك نجد عاملين أولا الجهل
بقيمة هذا التراث، لانقول من بعض المواطنين فقط سامحهم الله،
بل من الكثير من المسئولين للأسف،وثانيا الطمع المادي، أن
الإغراق في الماديات التي أصاب الكثير في مجتمعنا إلا من رحم
ربك ، و حب وجمع المال بطريقة مفرطة مرض أصيب به الكثيرون ،
فلا معنى للحفاظ على تراث أو تاريخ لمثل من يصيب بهذا المرض
،فعند هؤلاء لا يهم كم من المباني التاريخية التي أزيلت في
سبيل إقامة سوق تجاري، وكم من لصوص الآثار المهملة والمنسية
الذين قاموا بسرقتها.
ذكرنا في مستهل حديثنا الآيات الكريمة
التي تتكلم عن التراث يقول الله تعالى في محكم التنزيل
(وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما) الآيات رقم
19و20 من سورة الفجر ،يقول الشيخ الطبري في تفسيره لهذه الآيات
وقوله (تأكلوا التراث أكلا لما) بمعنى تأكلون أيها الناس
الميراث أكلا شديدا لا تتركون منه شيئا.
ويعني تعالى ذكره بقوله( وتحبون المال حبا جما) وتحبون جمع
المال أيها الناس واقتناءه حبا كثيرا شديدا.
رغم أن هذا التفسير الشائع والمعروف لمعنى التراث وهو مايتعلق
بأكل ونهب أموال اليتامى ،وبما فيه من نزعة الشره وحب المال
،أليس هذا ينطبق بشكل أو بأخر على الذين يقومون بسرقة وإهمال
التراث الثقافي وهو ميراث لكل الناس ،على كل حال ألم نلاحظ
الربط بين هذه الأعمال ونزعة حب المال حبا شديدا ،لا أدعي
التفسير لأن له رجاله، ولكن ذلك يعطينا مقاربة وفهم أعمق حينما
نستعين بالقران الكريم لحل مشاكلنا العصرية.
والآن ماهو الحل ....؟، في تقديري واجتهادي المتواضع أن الحل
بعدما أعطيت الفرصة تلو الأخرى لمؤسسات غير قادرة على الحفاظ
على هذه الإرث وهذه الأمانة،
لا
يكون إلا أن نسلم للناس مقدرات تراثهم وتراث أجدادهم ويعلم
الجميع ويجب أن تكون هذه واضحة أنه ليس هناك مسئول أو جهة تملك
الحق في ترك تراثنا مهملا ومتسيب، تارة بالتحجج بعدم وجود
ميزانيات وأخرى بعدم إعطاء صلاحيات ، في خطاب الدولة الرسمي
عادتا ما يتم التركيز على أهمية دور العمل الشعبي والأهلي ،
نعم هذا بالضبط الذي نريده نريد أن نرى منظمات المجتمع المدني
في بلادنا من جمعيات أهلية تهتم بالحفاظ على التراث (المعروف
عنها نشاطها وإنجازاتها في هذا المجال) ونريد أن نرى المواطنين
والمختصين والمهتمين أن يأخذوا بزمام المبادرة لانقاد مدنهم
ومعالمهم التاريخية من الضياع في ملهاة البيروقراطية، وان
يبادروا لإنقاذ هذا الترات المنسي.
__________
*
مهندس وباحث ومهتم بالتراث العمراني
عن موقع ليبيا اليوم |