|
إلـى الآن
يوسف إبراهيم
(1)
في انتظار حقيبتك في مطار جدة: تنفلق إحدى الحقائب، من ثقل ما
حُمِّلَتْ به، ويتدحرج منها طماطم وخيار ليبي عالي الجودة.
وينطلق صاحب الحقيبة مطارداً الحبات المتناثرة. ونيابة عن كل
الليبيين تشعر بالخجل أمام الأجانب.
(2)
في الحافلة التي تقلك إلى المدينة: تكتشف أن زميل الرحلة،
والذي جاء على نفس التشاركية، هو ذاته الذي دار دعكة لك أولاً،
ثم لطاقم الطيارة ثانياً؛ ليحرمك من مقعدك المدون رقمه على
بطاقة الصعود، في سبيل اجتماع شمل عائلته، في مقابل تفريق شمل
عائلتك أنت. ولسوء حظه تجلس إلى جوار النافذة، لترى نهر النيل،
خطاً أسود، يقسم مصر إلى نصفين: نصفٍ أخضر، وآخر أحمر، ولترى
ساحل البحر الأحمر بجزره المتناثرة، وهو يبدو أخضر زاهي الخضرة.
حقاً.. إن ساحل جدة: غير.
(3)
في الطريق إلى المدينة، تعجبك المساجد: مفروشة بالإسفنج.. بها
ثلاجات.. بها مصليات وحمامات خاصة بالنساء.
في الطريق: تساوم ما تريد شراءه وما لا تريد؛ لكي تتعود على
قيمة العملة، وتأخذ فكرة واضحة عن وضعك الاقتصادي.
في الطريق، ودرءاً لمفسدة الملل: تستثمر موهبتك في تقليد
الأصوات؛ وتؤلف –عفو الخاطر- سيناريو وحوار، بين أقارب الدرجة
الثانية، عن دراما القلق لعدم اتصالك وإعلامهم بوصولك بسلامة
الله إلى الديار المقدسة.
تضحك رفيقتك وتستزيدك، وتذكر لك -في كل مرة- اسماً، نسيتَ
تشخيص دوره.
في الطريق: تتعجب من مئات الكيلومترات من الجبال البركانية
السوداء الجرداء، وتسأل باستغراب: لماذا اختار الله هذه الأرض
المحروقة، بالذات، لتنطلق منها رسالته الخاتمة؟!.
(4)
في المدينة: تدهشك عمارة المسجد النبوي إلى حد الصدمة.
كما يدهشك أنك لم تتمكن من صلاة ركعتين في الروضة إلا قبل
مغادرتك مدينة الرسول ببرهة قصيرة.
في الروضة الشريفة: مصاحف ومجلدات أذكار وأدعية، جاء بها
أصحابها لتلاوتها من الجلدة إلى الجلدة قبل أن يتزحزحوا.
في الروضة الشريفة: سجادات صغيرة مفروشة، يُحظر عليك وطؤها،
وضَعها أصحابها لشحنها بطاقة المكان المقدس؛ ليصلي عليها في
أقصى الأرض، أناسٌ، لم يتمكنوا من الحضور.
في الروضة الشريفة: ستمشي على رءوس أصابعك.
في الروضة الشريفة: ستضع يدك الشريفة على السارية؛ كي لا يسقطك
الزحام، فيصرخ سادن الضريح بوجه كالح: "ممنوع التمسح.. ممنوع
التمسح.. التمسح لا يجوز".
في الروضة الشريفة: تتلاصق أكتاف أصحاب المذهب الواحد؛ لمنعك
من المرور، في سبق إصرار وترصد. ولن ينفرج مصراعا الباب إلا
إذا قلت كلمة السر. فإذا جربت: "افتح يا سمسم"، لن يُفتح لك،
وإذا استلهمت تراثك الليبي الصميم، وقلت: "حوش كرنْكوش ينحل"،
فلن تنحل عقدة المنكبين المتلاصقين إلى حد الالتحام.
أحدهم يجد متسعاً غير متوقع ليصلي ركعتين بين المصراعين، فقط،
إذا همس بين الأذنين المتجاورتين بعبارة: "بالزهراء".
(5)
في مكة: تكتشف أن على الكعبة أن يتضاعف حجمها؛ لكي تتفق مع
الصورة التي طالما تخيلتها.
في مكة: لا تجد الحمام يطير طائفاً حول الكعبة، كما وصفه من
رأوه.. بل تجد غربان تحوم عشوائياً فوقها.
وفي مكة: يعامل السدنة الطائفين بجفاء، كأن الكعبة مسجلة
باسمهم في السجل العقاري.
وفي مكة: اقتتال على الحجر الأسود، إلى حد سقوط غطاء رأس
الباكستانية تحت الأقدام.. وإلى حد صراخ سيدة سورية:
"قتلتوني.. الله لا يعطيكن عافية".. وتخرج من الزحام وقد انقطع
حزام حقيبتك، وديست قدماك بأقدام مفلطحة من عيار سبعة
وأربعين.. وتخرج لتجد جروحاً في يديك لا تدري مصدرها.
وفي مكة: تتضاءل حصة النساء في المطاف تدريجياً، لتصل إلى حجم
قطعة من جبنة البطريق.
وفي المدينة: تكتشف أن جبل أُحُد، أصغر مما تخيلت بعشرات
المرات.
وتكتشف أيضاً، أنك ستندم على تفويت فرصة شراء العجوة من أُحُد؛
لأنها أرخص بمقدار الثلث.
في أُحُد: شباك تابع لهيئة التوعية، يوزع مطبوعات، على طابور
من طالبي الوعي. وفي انتظار دورك تتخيل أنك ستحصل على كتيب
إرشادي به خريطة لجبل أُحُد، محاط بأسهم تبين لك المكان الذي
غادره الرماة والمسار الذي سلكه خالد بن الوليد ليلتف حول
المسلمين، وقائمة بالسبعين صحابياً المدفونين مع حمزة.. وعندما
تصل إلى الشبّاك: يعطيك الموظفون كتيبين: أحدهما عن التوحيد
والآخر في ذم التصوف.. ولا يسعك أن تخفي خيبة أملك، فتعطيهما
لآخر واقف في الطابور، وتمضي لتساوم العجوة.
في أُحُد وعرفات: يضايقك المصورون بعروضهم، رغم أنك تحمل
كاميرا في يدك، على مرأى من الجميع.
في زيارة مسجد القبلتين، وفي خطوة تتسم بالتكبر: يرفض زميل
الرحلة وعائلته الملمومة الشمل، النزولَ من الحافلة، لسبب واحد
فقط، هو إعلامك بأن عمرتهم هذه ليست الأولى، وأنهم قد شبعوا من
زيارة هذا المسجد بالذات، وربما لأنهم يريدون أن يقولوا إن
زيارته بدعة غير مشروعة.
(6)
في دروس ما بعد صلاة المغرب في المسجد النبوي، وضمن كوكبة
الملاحقين للشيخ الهارب من سيل الأسئلة والاستفتاءات: يجذب
انتباهك شيباني ليبي، يحمل ماركة ليبيا المسجلة، وهي الفرملة
والمعرقة.. يصافح الشيخ بكلتا يديه، ويهمس في أذنه بسؤال،
ويجيبه الشيخ بكلمة واحدة، ويهرب، فيبتسم الحاج ابتسامة عريضة
ويسأل أول من يقابله: "الشيخ هدا شن اسماه؟".. ويبتسم بنشوة
وهو يتخيل نفسه في المربوعة يرشف هرم الرغوة من طاسة الشاهي،
ويخاطب الحاضرين بحزم، مخبراً أن الأمر الفلاني لا يجوز، وأنه
استفتى الشيخ فلان شخصياً، وأنه سمع الإجابة من فمه مباشرة.
وبحكم حضورك لدرس الشيخ، تصل إلى قناعة إلى حد اليقين أنه لم
يَدْرس النحو بجدية، فتراه يلحن ويتعمد تسكين أواخر الكلمات
ويحشر العامية في حديثه دون مناسبة.
حتى إنه لم ينتبه عندما قرأ أنجب تلاميذه الآية: "فمنهم مَن
هَدَى اللهَ" بنصب لفظ الجلالة، وصرختَ من بعيد دون أي تحفظ: "
هَدَى اللَّهو"، والتفت عليك جل الحاضرين ليرمقوك بنظرة إسكات،
فحواها: "وما دخلك أنت!".. لم يطرف للشيخ جفن ولم يصحح النجيب
خطأ قراءته القرآن، على بعد خطوات من جسد رسول الله شخصياً.
ولا غرابة في ذلك.. فعلى مسمع من رسول الله: أمَّ المعيقلي
المصلين وقرأ القرآن خطأً، وأخطاؤه في الفتحة والكسرة، معروفة
ومسجلة وتباع في الأسواق.
وعلى مسمع من رسول الله، أيضاً: قرأ البدير الفاتحة بزيادة
واو، عندما كان يشبع ضمة (نعبدُ).
ولكن.. من يجرؤ من علماء القراءة، في طول العالم الإسلامي
وعرضه، على الصراخ بأن: المعيقلي والبدير والعجمي والمحيسني،
ما يعرفوش يقروا.
(7)
مستجيراً من الرمضاء والتعب: تجلس مع أهلك، مسنداً ظهرك إلى
سور البقيع، فتحصل على حصتك من الحلوى التي توزعها الإيرانية
المتجلببة برداء أسود، لا يبدو منه إلا وجهها وكفاها وبنطلون
الجينز.. ظناً منها أنك جئت لتتبرك بمقام فاطمة الزهراء عليها
وعلى أبيها السلام.
وعلى الإجمال: تلاحظ أن هؤلاء القوم –وغيرهم من الأعاجم-
منظمون إلى حد يثير الإعجاب. في الطواف تسمعهم يرددون الأدعية
في نفس واحد خلف أحدهم.. في مشهد يُطرب السمع والأبصار
والأفئدة.
بالقرب من الروضة: يشرع العمال في وضع ستار مقوَّى في شكل سور
حول الروضة الشريفة، ويعلقون لافتة تشرح السبب.
كُتبتْ اللافتة بكل لغات الدنيا، ما عدا العربية والإنجليزية
والفرنسية.. تصوَّرْ!!
تطلب من أحدهم، وقد بدا عليه أنه فهم فحواها، أن يترجم لك من
الفارسية أو الأردية أو الزفتية.... إلى الإنجليزية، فيجيبك
بكلمة واحدة
ladies ..
فتفهم –وأنت العربي، متأخراً عن جميع
الأجناس- أن الوقت مخصص لزيارة النساء.
(8)
في المسعى: تقتنع بخطأ ابن حزم، عندما أفتى بمضاعفة عدد
الأشواط لتصبح أربعة عشر شوطاً؛ لكونه (لم يحج.. ولو حج لغير
رأيه).
نعم.. السعي يحتاج إلى دورة رفع كفاءة في رياضة الماراثون.
في المسعى: يقف أحدهم على الصفا معطياً ظهره للكعبة، رافعاً
يديه، باكياً، مرتلاً بصوت شجي ملحون: "لعنة الله على يزيد".
في المسعى أيضاً: مصرية بدينة استولت على كرسي متحرك من كراسي
الوقف، ووقفت تعرض خدماتها على الكسالى والمرضى والعجّز، بثمن
تنافسي.
وكرسي طُبع عليه عبارة: "وقف للمجسد الحرام"، يستخدمه نيجيري
لبيع القمح للحمام في المسفلة. وعندما تبلغ الجهة المسئولة عن
الكراسي: تجد من يرد عليك بفتور محبط.
كراسي الوقف: يلعب بها الأطفال في الساحات.
في الساحات: منقبات يستعرضن علب المكياج، وتتباهى إحداهن على
الأخرى.
عند المروة: شعر تحت أقدام الساعين، وأناس متخلفون، يحلق بعضهم
لبعض، على مرمى حجر من محلات الحلاقة.
(9)
في ظل أبراج مكة، في الطريق المؤدي إلى المسفلة: تفترش
السودانيات، ليبعن كل شيء.. والمفاصلة ممنوعة.
يرق قلبك لذلك الشاب الذي أراد أن يفاصل في الثمن، فرفعت
البائعة صوتها –على طريقة عوالم شارع محمد علي-: "إيش قلت؟!
بتلاتة!! من عشرة، عاوزني أبيع لك بتلاتة؟!!.. بالطول ده، و
بالعرض ده.. وتقول بتلاتة!".
فتجعل منه مضحكة لما لا يقل عن سبعمائة معتمر.
ويندم أحد المتصدقين عندما يتصدق بريال على بُنيّة لاحقته
لعشرات الخطوات وهي تشرح ظروفاً هي الأكثر بؤساً في العالم
وعلى مر التاريخ.. فتهجم عليه عشرون متسولة.. كلهن تطالبه
بحصتها من كعكة محفظته.
وبائعة تجلس القرفصاء معطية ظهرها لساحة المسجد الحرام، ووجهها
في حائط الفندق: تشعل سيجارة وتدخن بنشوة فيها احتراف.
في الطريق المؤدي إلى المسفلة: طابور طويل من العاهات التي لم
تشاهد مثلها من قبل، ولا أحسبك ستفعل.
كبسات الشرطة على المفترشات: صورية، وغير مجدية، في ما يشبه
التواطؤ.
في الطريق إلى المسفلة: تساوم شطيرة في كافيتيريا، فيصدمك
الآسيوي بقوله: "بزوز ريال".
فتتعجب كيف عرفك دون أن ترتدي الماركة الليبية المسجلة:
الفرملة والمعرقة.
أيضاً، في محل الأقمشة: يبادرك الباكستاني الطويل العريض
ببذلته الواسعة، وبلهجة ليبية تكاد تكون طبق الأصل: "إنت من
تاجوراء وإلا مصراتة؟!".
(10)
في المزارات: توفر التشاركية أجرة المرشد السياحي، وتكتفي
بالسائق البنغلاديشي الذي لا يعرف كلمة عربية واحدة، ولا يعرف
عن المزارات إلا أماكنها.
ينزلك السائق عند سفح جبل أجرد، لا تعرف ما اسمه ولا ما
يمثله.. فتضطر لسؤال بعثة أخرى من بعثات الشعوب الأعجمية
المنظمة، التي يرافقها مرشد خبير، فيجيبك أحدهم: "سُور..
سُور(بالسين المضمومة)"، فترسم تعابير عدم الفهم على ملامحك،
فيوضح لك:
"spider.. spider"،
فتفهم منه هذه المرة، وتصحح له النطق، قائلاً: "غار ثوْر..
ثوْر".. فيجيب: "سُور.. سُور".
بعدها ينطلق بعض أشباه المراهقين، عازمين على تسلق الجبل
والوصول إلى الغار.. فيصرخ السائق ذو الملامح الداكنة، مهدداً
ومتوعداً بأنه سيغادر ولن ينتظر أحداً.. وبنرفزة رب العمل وليس
الأجير: "هدا تلاتة ساعة".. ويقصد أن الصعود والعودة يستغرقان
ثلاث ساعات.
ويطالبكم –بوجه كالح- بالركوب فوراً في الحافلة، كأنكم تشتغلون
عند أبيه.
(11)
في مكة: تليفونات خاصة بالفتاوى، لا يرد عليها أحد.
وفي مكة: لوحة إلكترونية لعرض درجة الحرارة، كُتب عليها بضوء
أحمر منقط رقم 37، في عز الفجر.
في أرض المسجد الحرام، تعترض طريقك نخامة، فتهرع إلى الآسيوي
الذي يرتدي زي النظافة، فتسأله بأدب: "هل أنت مسئول عن النظافة
هنا؟".. فيجيبك بفخر: "نعم!"، فتأخذه إلى المكان، وتقول له:
"إذن نظف هذا".. فيهرب منك قائلاً: "أبلغ الشرطي الواقف
هناك".. فتتعجب ويتعجب حولك العشرات، فهذه قذارة بهيم، وليست
جثته!!
في الحرمين الشريفين: نائمون ونائمات، شاخرون وشاخرات، يقفون
إلى جوارك في الصف إذا أقيمت الصلاة، ولا يتوضئون.
بعض النائمات: مستلقيات على ظهورهن، مادات أطرافهن الأربعة في
كل اتجاه.
في محل الاتصالات: تناولك ليبية نقالاً –نوع بيلة- فيه رقم
ليبيانا، وتطلب منك مساعدتها في الاتصال به.. فتتعجب من شيئين:
كيف عرفتْ أنك ليبي.. وكيف لا تعرف هي الـ 00218.
في مكة: شاب ليبي يملأ وعاء بلاستيكياً سعة عشرين لتراً، من
ثلاجة هي خارج ساحة المسجد الحرام.. وعندما تنصحه بأن هذه
المياه التي ستكركرها لآلاف الكيلومترات قد لا تكون مياه زمزم،
لا يأبه لكلامك، ولا يثق بما تقول، ويسأل السيدة الشامية التي
إلى جواره وتملأ هي الأخرى وعاءها، فتهز رأسها ثم تهمس:
"زمزم.. زمزم".
في الفندق بمكة –الذي غالبية قاطنيه ليبيون-: أجهزة إنذار حريق.
من أول ليلة، وفي الثانية بعد منتصف الليل: يوقظك جرس الإنذار،
فتستعد للكارثة، وللنزول عبر السلالم من الدور الحادي عشر.
وفي آخر لحظة قبل النزول: تتصل بالاستعلامات مستفسراً، فيجيبك
صوت الموظف وهو نصف نائم: "ده اللي بيطبخ يا حاج.. ده اللي
بيطبخ".
تتنفس الصعداء، فتستفهم رفيقتُك.. فتجيبها: "هادم خوتك
الليبيين يبكبكوا".
عن موقع جيل
ليبيا |