مـخـتـارات

 

موت الشعر في القصيدة أم موت القصيدة نفسها؟

نعم أنتم .. خذوا بالنصيحة واخلدوا الى الصمت !

 

بشير زعبية

 

 

قبل أكثر من عشرين سنة تقريبا أطلق أديبنا الكبير من موقع الناقد صرخته الشهيرة: "اننا نوشك أن نعلن موت الشعر في القصيدة". وحين تأتي هكذا صرخة من أستاذ في حجم خليفة التليسي، فلابد أنها تحمل مدلولاتها كنتاج متابعة دقيقة وقراءة واسعة ومحيطة للإنتاج الإبداعي، وتحديدا الشعر منه، في عصر هو من أهم فرسانه وشهوده أيضا.

 

صرخة التليسي جاءت بعد عقود قليلة من إطلالة نخبة من الشعراء العرب بلغة جديدة مفردة، وخطابا وإيقاعا سرعان ما أصبحت موجة قبل أن تأخذ شكل ما يشبه ثورة على الشعر الكلاسيكي، الذي عرفناه امتدادا لعصور ازدهر فيها، وكان استحقاقا جديرا به أن يصبح ديوان العرب في وقت ما.

 

لكن رواد تلك المرحلة لم يعلنوا الطلاق من شعر أسلافهم أصولا وروحا وان كان تأكد الطلاق في الشكل حين أطبقوا على القصيدة العمودية دواوينها القديمة ورفعوا راية ما صار يسمى بالقصيدة الحديثة أو الشعر الحديث في مسماه العام.

 

وظلت هذه القصيدة تنبض بالروح في أشعار أسماء بارزة من هؤلاء (نازك الملائكة وبدر شاكر السياب ومحمد الماغوط وأدونيس وأُنسي الحاج ومحمود درويش ونزار قباني ومحمد الفيتوري وسعدي يوسف وعبالوهاب البياتي وأمل دنقل وصلاح عبدالصبور وغيرهم..) ظلت القصيدة باختصار وفيّة للشعر ولا أريد مزيد الخوض في هذا لأنه أشبع بحثا ونقد ونقدا مضادا، لكني قصدت تمهيدا رأيته ضروريا للحديث عما يمكن أن أسميه بالسعار الشعري إزاء هذا الكم المتزايد من النصوص المنشورة التي قرر أصحابها أن يسموها قصائد، وأن يقدموا أنفسهم فرسانا جددا للشعر الحديث أو ما بعد الحديث.

 

والملفت في تلك النصوص التشابه الواضح في مفرداتها واشتقاقاتها وعناوينها أحيانا، حتى ليخيل اليك أنها تنهل من قاموس واحد أو منزوعة من ديوان واحد، فتبدو حين تقرأها كأنك أمام نص واحد لم ينته، ولا يبدو أنه سينتهي.

 

والملفت أيضا أن هذا التشابه طال أيضا كتابها أنفسهم فتجدهم في غير بلد عربي منمطي الشخصية والمسلك والخطاب، وحتى لو سلّم أحد ما بأن هذا التشابه ليس مشكلة فإن المشكلة حقيقة هو الغموض المشترك الذي يتجاوز السياق العام في تلك النصوص ليطال التركيبة اللفظية لجملها بل الى مفردات الجمل نفسها فلا معنى للمعنى الذي يكتبون.

 

لم تكن صرخة التليسي وهو الشاعر الكلاسيكي وأحد حراسه موقفا ضد القصيدة الحديثة لكنه أطلقها من باب الإحساس –وهو الناقد أيضا- بأن موت الشعر يوشك أن يموت فيها. ولو حاولنا اليوم أن نستحضر تلك الصرخة سنرى أن القصيدة نفسها تموت في نوع من الكتابة هو أقرب الى تلك الأنواع من خداع البصر حيث توهمك الصورة في مشهدها العام بغير حقيقتها.

 

واذ سأشير هنا الى المشهد الشعري في ليبيا لن أقع في منزلق التعميم لأن باستطاعتي أن أستثني بعض التجارب التي شكلت محاولات جادة ومقنعة كي تصنف امتداد ا لما بدأته تلك الكوكبة المحدثة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات وما بعدها، ودون أن أتوسع في استحضار النماذج سأكتفي بالإشارة إلى أسماء علي الرقيعي ومحمد الشلطامي والجيلاني طريبشان ومحمد الفقي صالح ومفتاح العماري كأمثلة، لأن هؤلاء ومن على خطاهم أكدوا على بديهية –وما أصعب أن تتحدث عن البديهيات مثلما يقال– أن الموهبة شرط الشعر الأول كما هي شرط الإبداع في عمومه، سيتبعها كضرورة التمكن من ناصية اللغة والقدرة على الخيال وسعة الثقافة والتجربة والوفاء لأبوات الشعر وأمهات القصائد. فلا يمكن أن تكتب شعرا وتصبح شاعرا بمجرد قرار منك أو بنصيحة من آخر أو من خلال الاستعانة بصديق!! وغير ذلك هو استسهال للكتابة وتوهم أن حائط الشعر قصير يمكن ركوبه اليوم والقفز منه إلى منصة الشهرة غدا.

 

هذا أيضا جانب سبق وكثر فيه الكلام. يمكنني الآن أن أتحدث عن الحساسية المستفزة لدى معظم أولئك الذين استقصروا حائط الشعر عندما يواجهوا بهذه الحقيقة، فليس من السهولة إقناعهم بالعدول عن محاولة ركوب الشعر بدون أدوات، بدون شروط الشعر، شروط الإبداع وان غلف بالحداثة فالشعر ليس حقلا بدون (ناطور)، وناطوره شروطه وأصوله وما تركه الرواد. سيصفون مخالفيهم بالجمود ويعتبرون رأيهم موقفا من الشعر الحديث، ويتهمونهم بمعاداة الحداثة، وهي بالمناسبة تهمة باتت عند هؤلاء جاهزة كتهمة المعاداة للسامية، رغم أن أهم الأصوات التي انتقدت بقوة ووضوح الصرعات النثرية التي حملت يافطة الشعر الحديث هي أصوات رواد الشعر الحديث ورموزه.

 

يقول نزار في وصفهم "شعراء هذا اليوم جنس ثالث، فالقول فوضى، والكلام ضباب". فيما يصفهم صلاح عبد الصبور بـ "شعراء الأحاجي والألغاز ". وفي قصيدته (عن الشعر) كتب محمود درويش وكأنه يرد محددا قيمة الشعر ومعنى القصيدة "قصائدنا بلا لون / بلا طعم بلا صوت / إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت /وإن لم يفهم البسطاء معانيها / فأولى أن نذريها / ونخلد نحن للصمت".

 

أليست هذه وصية أو نصيحة مهمة تصدر عن واحد من أهم رموز الشعر العربي المعاصر، وأكثرهم موهبة؟ فلماذا لا يعمل بها المعنيون من (الشعراء) في بلادنا شرط أن يبدءوا من شطرها الأخير؟

 

عن موقع جيل ليبيا

12.09.2008

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة