|
غياب مؤسسات الترجمة والمترجمين في ليبيا
أسماء مصطفى الأسطى
في مطلع هذا العام فاز كتاب الأديب "محمد عابد الجابري" بجائزة
ابن خلدون- سنغور للترجمة في دورتها الأولي، وهو انتباه متأخر
من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) لتكريم
الجهود المبذولة في مجال الترجمة إلى لغة الآخر بكتاب )العقل
السياسي في الإسلام، أمس واليوم( عن المؤلف العربي إلى اللغة
الفرنسية بعنوانLa
raison politique en Islam, hier et aujourd'hui
وهو من منشورات لاديكوفيرت في باريس العام الماضي.
إن الترجمة المحتفى بها كان قد أنجزها المترجم بوسيف الواسطي،
بمشاركة عبد الهادي الدريسي ومحمد الزكراوي، وبإشراف ومراجعة
أحمد محفوظ مدير مركز البحث وتنسيق التعريب العلمي (سركوس) في
المغرب، الذي يقوم بمهام توحيد المصطلحات العلمية المستخدمة في
الدول العربية، واصدار المعاجم المتخصصة، لمواكبة التطور
العلمي، علما بأن المنظمة لها جهاز تابع آخر في دمشق، هو
المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، غرض القيام
بالمهام العلمية المترجمة والمنهجية والمرجعية المأمول تحقيقها.
كانت المنظمة قد بدأت في تنفيذ قرار المؤتمر العام للمنظمة عام
1978ف، الذي طالب بوضع مخطط قومي، لترجمة أبرز الكتب الأدبية
في مختلف المعارف والعلوم الحديثة، ومنذ ذلك الوقت عكفت
المنظمة على إعداد خطة قومية للترجمة أقرتها عام 1983ف، تنطلق
خطتها من مرجعية الوحدة الثقافية العربية المكينة، وضرورة
الانفتاح على الفكر العالمي، وفق خطة تستهدف رسم الخطوط
الرئيسية للنهوض بالترجمة العلمية والأدبية، على أساس التعاون
الوثيق بين الأقطار العربية والمنظمة.
لا ينبغي إغفال دراسة هامة كانت قد نشرت في العام والعدد
الثاني، من المجلة العربية للثقافة التي تصدرها المنظمة، بقلم
الأستاذ "خليفة التليسي" حول (واقع الترجمة في الجماهيرية) عام
1982ف، وهي تقع في عشرون صفحة، بناء على كتاب موجه مباشرة من
المنظمة للكاتب بالخصوص.
لكن هذه الدراسة القيمة، المنشورة في دورية تصدرها إدارة
الثقافة بالمنظمة، ربما أعيد نشرها ضمن مطبوع صادر عنها بعنوان
(دراسات عن واقع الترجمة في الوطن العربي) وهو غير مؤلف آخر
بالغ الأهمية، كان قد صدر بعد خمس سنوات، عن المنظمة ذاتها
ويقع في 734 صفحة من القطع المتوسط، وهو بعنوان (دليل
المترجمين ومؤسسات الترجمة والنشر في الوطن العربي).
من أسف أن هذا الدليل الهام يخلو تماما من ذكر دولة عربية،
تنتمي إلى هذه المنظمة منذ تأسيسها وهي ليبيا!..مفسرا هذا
الغياب في مقدمة الدليل بما يلي:
لقد وجهت المنظمة عن طريق اللجان الوطنية كتابا، رجت فيه
تزويدها بأسماء المترجمين؛ وفق استمارات معدة لهذا الغرض،
وموعد محدد لا يتجاوز شهرين من تاريخه، وذلك للتمكن من انجاز
الدليل.
بالطبع في غياب الدراسات العلمية السابقة، المتعلقة بالترجمة
في ليبيا، وفي ظل الفقر في المعلومات الثقافية المتعلقة بالشأن
الليبي، نفذ رمل وقت الانتظار، دون الحصول على معلومات تتطلب
جهدا رياديا ومتخصصا، فجاءت النتيجة بحذف ليبيا من الدليل، ولم
يذكر اسم مترجم ليبي واحد من بين 600 مترجم عربي.
الجميل أن دولتي البحرين وجيبوتي، كانا قد اعتذرتا بأنه ليس
لديهما مترجمين، لكن المخجل أن دولة ليبيا قد التزمت الصمت!..
ما دعا المنظمة إلى إصدار الدليل مرة ثانية، مرفقا في صفحاته
الأخيرة بنماذج من استمارات موجهة للمترجمين، الذين لهم القدرة
أو الرغبة في الترجمة، إلى جانب استمارات أخرى للمؤسسات
المعنية بالترجمة والنشر، حكومية كانت أو غيرها، معدة لغرض
استكمال بيانات الدليل الناقصة.
لا يفوتنا التنبيه إلى أن المنظمة بعد الإصدار الأول، كانت قد
تلقت الردود والمعلومات الوافية، من أربعة عشر دولة عربية
باستثناء ليبيا، وانتهت إلى رصد عدد 997 مترجما -بعد حذف
الأسماء المكررة- ليس من بينهم مترجم ليبي واحد، وعدد 72 مؤسسة
للترجمة والنشر، ليس من بينها مؤسسة ليبية واحدة.
ان مقدمة الدليل تنتهي إلى إصداره وهي تعترف بافتقاره إلى
الشمول، إذ لا تتمثل فيه جميع الأقطار العربية من جهة، ولا يضم
جميع المترجمين من جهة أخرى، غير أنه يضم كل ما وافت به الدول
العربية من معلومات عبر لجانها الوطنية، فلماذا لم يتحقق لنا
الحضور في هذا المرجع الهام عبر اللجنة الوطنية للتربية
والثقافة والعلوم الليبية؟.
إن المنظمة كانت قد وضعت من بين أهدافها الأساسية، في خطة
الترجمة القومية هدف إغناء الفكر العربي وإخصابه بروائع التراث
العالمي، وإرساء نهضة علمية عبر نقل العلوم المختلفة
والتكنولوجيات الحديثة في شتى فروع المعرفة لتعزيز البحث
العلمي، غرض المساعدة على تعريب التعليم بشتى مراحله وأنواعه
في جميع البلدان العربية، و تعريف المواطن العربي بقضايا العصر
وتعريف العالم بالنتاج الفكري العربي قديمه وحديثه.
لقد اعتمدت الخطة على عدد من الوسائل، تتمثل في إصدار المعاجم
العامة والمتخصصة، واستحداث معاهد متخصصة لإعداد المترجمين
وتأهيلهم وزيادة كفاءتهم وتشجيعهم، وقد وضعت استراتيجية الخطة
المرحلية وفق سلم تفاضلي، تبدأ بكتب العلوم والتكنولوجيا، ثم
الكتب العلمية المبسطة والروائع الفكرية، انتهاء بروائع الفكر
العربي.
وحددت الاستراتيجية دور الدول العربية من حيث أداء بنياتها
الإدارية والمؤسسية، ودور المنظمة العربية من حيث هي إطار
تنسيق، وطرف فاعل في حركة الترجمة والتعريب.
لقد تمت المراجعة الشاملة للخطة في التسعينيات، اثر انعقاد
مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في دورته التاسعة،
ثم جرى تحديثها في ضوء التحديات والتحولات الإقليمية والدولية
الراهنة، مع وضع آليات دقيقة لتنفيذها، فهي تضمّ على الأخص،
تصورا عمليا لاستحداث معهد لإعداد المترجمين، كما وضعت الخطة
المعدّلة تصورا تنفيذيا؛ بمعايير وضوابط اختيار الكتب
المترجمة، وتصورا إجرائيا مفصلا، خاصا بترجمة العلوم إلى
العربية وتعريب تدريسها، وتصورا خاصا بإنشاء شبكة اتصال عربية،
حول الترجمة وتوثيق الكتب المترجمة.
كما صدرت الخطة القومية للترجمة في كتاب مطبوع، عقب انعقاد
مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في دورته العاشرة
عام 1996ف، ويجري حاليا الإعداد لتحديث هذه الخطة، التي لا
تزال أهدافها صالحة للوقت الحاضر، لكي تستوعب التحولات النوعية
التي عرفها العالم في العقد الأخير.
فأين نحن من هذه الخطة؟..وإلى متى نظل نتلهف على اقتناء
المطبوعات المترجمة عبر المعارض الدولية للكتاب؟ دون التفكير
في خطة محلية أو بالاشتراك في الخطة القومية للترجمة؟
عن موقع ليبيا
اليوم |