مـخـتـارات

 

خطوط صغيرة في دفتر الغياب:

في هجاء الجديان

 

جمعة بوكليب

 

 

رغم توقي الذي لا حدود له للفوز بملايين الجنيهات وحلمي لان أصير مليونيرا يلعب بالفلوس في النهار وينام فوقها بالليل إلا إنني اعزف عن المشاركة في لعبة اليانصيب الأسبوعية.

 

الدافع وراء عزوفي لا يعود لأسباب دينية بل لأسباب نفسية بحتة يأتي في مقدمتها إحساس داخلي قديم يؤكد علي إني والحظ السعيد نسير في خطين متوازيين يستحيل التقاؤهما! لكني، وهذا اعتراف، احرص علي مشاهدة برنامج سحب القرعة كل مساء سبت في التلفزيون، واعرف مسبقا من خلال ما تنشره الصحف قيمة الجائزة الأسبوعية التي سيحظي بها السعيد أو السعيدو الحظ. وكلما تم السحب وأعلنت النتيجة ارصد بتألم تحلّب ريقي في فمي وأحس بالندم الشديد لعدم مشاركتي وأنا أتخيل الفائز بالملايين من الجنيهات وهو جالس علي أريكة في بيته ممتلئا فرحا بالحظ الذي ابتسم له والذي سيغنيه عن الحاجة ويفتح أمامه كل الأبواب التي كانت موصدة. واعترف أيضا أن عزوفي عن المشاركة في لعب اليانصيب لم يأت إلا بعد أن أنفقت الكثير من الجنيهات في شراء تذاكر السحب واستخدام كل الأرقام الخاصة بأعياد ميلادي وميلاد أولادي وزوجتي وإخوتي وأصحابي ثم حين ركب الحظ رأسه وصمم علي عدم التبسم لي ولو مرة غيرت التكتيك وصرت اشتري أوراق سحب بأرقام لا أحبها ولا أحب من لهم علاقة بها إلا أن مشيئة الله ارتضت إلا أكون من الرابحين الأمر الذي يعني ليس فقط توقفي عن شراء أوراق السحب وتقبّل أمر إنني غير محظوظ بل يعني أيضا أن حلمي في ملء رصيدي المصرفي بما يكفيني مؤونة الحاجة إلي العمل واللهاث خلف مرتب شهر ضئيل وتحمل المعاناة اليومية سوف يستمر إلي أن يرث الله الأرض أو قبل حدوث ذلك، وهذا الأرجح، أغادر أنا هذا العالم الدنيوي غير آسف علي فراقه وفراق قرف الإفلاس والفقر.

 

علاقتي غير الطيبة جدا مع المدعو حسن الحظ لم تدفعني إلي الالتفات عنه وتدبر أمر تحولي إلي مليونير بطرق أخرى بل دفعتني إلي قراءة وتتبع أبراج الحظ التي تنشرها الصحف إذ صرت دون أن ادري كمدمن علي حقن الهيروين الذي لا يعرف راحة ولا هناء إلا بعد حصوله علي جرعته اليومية، حيث صرت حريصا علي قراءة أكثر من صحيفة يومية باللغتين العربية والانكليزية. وأحب أكثر صحف التابلويد الفضائحية لأنها أكثر اهتماما بتوفير جرعة اكبر لي إذ لا تكتفي هذه الصحف بنشر أخبار الأبراج بل إنها تزيد في الجرعة عبر توفير رقم هاتفي يمكن الاتصال به لمن كان، مثلي، يود معرفة المزيد عن تحركات برجه الفلكي. طبعا الاتصال ليس مجانيا ويكلف مالا ومع ذلك فإنني كنت دائما علي استعداد لقطع الميل الإضافي مشيا طالما إنني في النهاية سأحصل علي ما أريد، وما أريده قليل وممكن وهو الإحساس بأنني سأكون محظوظا ذلك اليوم وهذا في حد ذاته كاف لان أعيش يومي سعيدا موقنا إن الجدي الصغير، رمز برجي الفلكي، بلحيته الصغيرة وقرنيه الصغيرين في حالة طيبة ومزاج رائق.

 

أحيانا، حين اقرأ مسارات برجي واكتشف أن الجدي الصغير غير رائق المزاج، وان حظي سيكون زي الزفت اشعر بإحباط شديد وحزن وأتألم بصمت. يا له من ظلم فادح! تخيّل إن يكون المتحكم في مسارب حظ حياتك جدي صغير بلحية صغيرة وقرنين صغيرين وبلا عقل! لكن، وهذا اعتراف آخر، قراءة الأبراج لم تزدني إلا حيرة وارتباكا بسبب الاختلاف الكبير الذي يصل حد التناقض فيما يتنبأ به قارئو الأبراج في كل صحيفة. فقد لاحظت أن الجدي الصغير رمز برجي يتحرك في كل صحيفة بشكل مختلف عن غيرها من الصحف إلي درجة إنني صرت اعتقد أن برج الجدي لا يشمل حركة جدي واحد، كما يدعّي المنجّمون، بل قطيعا كاملا من الجديان التي تتقافز وتنط في كل الجهات باستثناء الجهة التي تقود حسن الحظ نحوي! أحيانا، وعقب الاطلاع علي تحركات الجدي في كل المواقع والرجوع كسير القلب أتساءل بحنق: تري ماذا فعلت من سوء للجديان كي تناكفني وتسبب الألم لقلبي؟ إلا يوجد بينها كلها جدي واحد يطيّب خاطري ويحاول إسعادي؟ .

 

هذا الإحباط الشديد الذي تحول إلي الم لا يطاق سبب لي ضيقا غير عادي وكدرا لا يصفو وجعلني شديد النرفزة ضيق الصدر وصرت، وقاكم الله، لا أرى العالم إلا من خلال نظارة سوداء!

أخيرا بعد أن أعياني الكدر توصلت إلي قناعة مفادها إن العيب علي زايد العقل وأنني استحق كل ما لحق بي من آلام ومتاعب سببتُها لنفسي لأني بصراحة ربطت مصير حظي وسعادتي بمشيئة حركة جديان لا عقل لها ولا أمل منها وكل ما يعنيها هو أن تكبر وتصير تيوسا لا تجيد سوي فعل النكاح ولا تعرف لغة للحوار غير النطاح!

 

القدس العربي: 04-07-2008

05.07.2008

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة