|
الثقافة الليبية بين العزلة والتهميش
!!
عبد الوهاب قرينقو
منذُ سنوات تمكنتُ من قراءة رواية "المُتشائِل"،
وهي من روائع الروائي الفلسطيني الراحل "إميل حبيبي"، لكن
الرواية لم تكن في كتاب يقع بين غلافين سميكين، بل في ملحق
بجريدة !،... "كتاب في جريدة"، مشروع ثقافي جميل تبنتهُ
اليونسكو منذُ عشر سنوات، فكرتهُ إصدار كتاب جديد أو إعادة
إصدار كتاب قديم،... وتتناوب أهم الصحف العربية على نشر سلسلة
الكتب شهرياً في ملحق منفصل،.. وتوسعت الفكرة شهراً بعد آخر،
لتصل إلى مئات آلاف القراء في الوطن العربي والى قراء العربية
في أوروبا والعالم،.. وكما نقرأ في بيان مستهدفات المشروع عبر
الموقع الالكتروني لكتاب في جريدة : "... الذي انطلق قبل عشر
سنوات شهد ولادة مشروع جديد يتيح لعموم الناس الوصول إلى أهم
الأعمال الأدبية والفنية للأدباء والفنانين العرب، كما يهدف في
إطار منظمة اليونسكو للترويج للحوار بين الحضارات عبر توزيع
المعرفة ونشرها على أوسع فئة من الناس في المنطقة العربية
شهرياً في الصحف دون أي تكلفة مالية
"..
-
قبل أسبوعين كنتُ أتصفح جريدة " أويا "
فوقع بصري على خبر صغير، (مُحايد!) وغير مصاغ بشكلٍ واضح !،
مؤداه أن " كتاب في جريدة " أصدر عدداً تضمن مختارات عن الشعر
في (تونس وليبيا) !!.. حقيقةً استثارني الخبر، وأزعجتني
الطريقة المحايدة التي جاء بها الخبر، وبالنظر إلى تاريخ ذاك
العدد من " أويا " راعني أكثر الصمت الليبي المُطبق على ما حدث
في " كتاب في جريدة ".. ولأن لا نافذة حقيقية لنا على عالم
النشر إلا النيت، فكان لزاماً أن أتعرف على كامل الحكاية قبل
أي ردة فعل، فدخلتُ الموقع الالكتروني لـ " كتاب في جريدة "،
وتجلت أمامي الصورة.. حيث تعكف لجنة كتاب في جريدة منذُ تسعة
أشهر على إصدار سلسلة من المختارات الشعرية العربية بعنوان "
ديوان الشعر العربي في الربع الأخير من القرن العشرين " فصدرت
الكتب تباعاً شهراً بعد شهر في جرائدها.. الكتاب الأول وحمل
تسلسل 102 في سلسلة كتاب في جريدة، وخصص للعراق بشعرها
وشعرائها، تلاه الكتاب الثاني رقم 104 والذي خصص لانطولوجيا
الشعر الجزائري، أما الكتاب الثالث رقم 106 فاحتوى على مختارات
شعرية لشعراء مصر، ثم جاء الكتاب الرابع رقم 108 ليجمع بين
السعودية واليمن في كتاب واحد !!، أما الشعر الليبي فضُم إلى
الباقة التونسية !! في كتاب خامس حمل رقم 110، أما الكتاب
السادس فقد انفردت به المغرب وحمل رقم 112..
-...
والسؤال الأول الذي ارتسم : لماذا تُضم ليبيا شعرياً إلى تونس
؟!! وتتالت الأسئلة : أين بقية شعراء ليبيا وشاعراتها ؟!..
لماذا تونس 27 شاعراً وليبيا 12 شاعر ؟.. لماذا معظم النصوص
المختارة لشعراء ليبيا ليست هي النصوص الأكثر شعرية لهم ؟..
لماذا آخر 5 شعراء في المختارات ليبيين وفي ذيل الملف؟!، فيما
تناثر الآخرين بشكلٍ اختباء بين طيات القصائد التونسية ؟.. من
أعطى الشاعر التونسي منصف الوهايبي الحق في أن يتكلم عن المشهد
الليبي ؟.. من تراه تعاون معه ليبياً لانجاز المهمة ؟.. أين
رابطة الأدباء والكتاب الليبيين ؟!.. هل هي موجودة أصلاً ؟!..
هل توجد لدينا مؤسسات ثقافية حقيقية ؟!.. لماذا لا نجد ليبياً
واحداً بين أعضاء الهيئة الاستشارية لكتاب في جريدة
؟!..وللإجابة عن هذه الأسئلة غُصتُ في الشبكة أعمق لأخرج بثلاث
مقالات من مدونة تونسية نقلتها عن جريدة الشروق، مقالتان
تنتقدان الوهايبي، واحدة للباحث محمد المي وثانية للشاعر عادل
معيزي، ثم مقالة ثالثة لمنصف الوهايبي نفسه يحكي فيها قصصاً
غريبة وذرائعية تدافع عن تقصيره مع شعراء بلده ناهيك عن تجنيه
على الشعر الليبي، لعل أعجب تلك الأقاصيص أن الشاعر العربي "
شوقي عبدالامير " هو من طلب منه دمج ليبيا وتونس في انطولوجيا
واحدة !!،.. ولتفعيل النقاش والحوار في هذه القضية الثقافية
أفردتُ ملفاً في الحديقة -" مدونتي على الانترنيت "- أعدتُ فيه
نشر المقالات الثلاث وكتبتُ مقدمة لحث المثقفين والأدباء
والشعراء والمتابعين لمناقشة هذه المسألة، التي هي جزئية من
جملة ارتباكات تعانيها حركتنا الثقافية !، فكان التجاوب للأسف
محدوداً ألخصه في أهم التعليقات، من أبرزها تعقيب الشاعر
السنوسي حبيب أحد الذين أغفلتهم فظلمتهم الانطولوجيا الناقصة
ففي معرض رده على المقالة الذرائعية للوهايبي "غير المُنصف
"،.. يقول حبيب: (بعد اطلاعي على رد السيد الوهايبي على منتقدي
اختياراته لملف الشعر في تونس وليبيا يتضح لي ومن خلال كلامه
عن مواضيع غير ذات صلة بموضوع النقاش، أنه لم يكن الشخص الكفؤ
والمؤهل لإعداد هذا الملف ومن جهة أخرى فأن مسألة اختيار شعراء
ليبيا بهذا الشكل المخل وغير الممثل للمشهد الشعري الليبي حيث
غُيبت أسماء ما كان من الممكن تغييبها لو كان مَن تعاونَ مع
السيد منصف الوهايبي أكثر الماماً وتحملاً للمسئولية ولكن هذا
يحدث في غياب رابطة الأدباء والكتاب الليبيين المُعطلة عن أداء
دورها بشكل طبيعي منذ أن أُعيد بناؤها منذ عدة سنوات مما أدى
إلى انصراف الأدباء والكتاب عنها مما خلق فراغاً وربكة يبدو أن
لا حل لها إلا بإعادة بناء الرابطة مرة أخرى وبحيث تكون رابطةً
حقيقيةً للأدباء والكتاب الليبيين تتبنى قضاياهم وتعرف بهم).
...
أما الصحفية الليبية انتصار بوراوي
فتتساءل " لماذا لم يقوم بهذا العمل أي مختص بالحركة الشعرية
في بلادنا، مثلاً الدكتور عبد الله مليطان الذي اشتغل على هذا
الموضوع عبر معاجمه الموسوعية الشهيرة، و لدينا شعراء لديهم
تجاربهم الشعرية المعروفة ومتابعتهم النقدية الجادة للأصوات
الشعرية في بلادنا لماذا لم تتصل بهم إدارة كتاب في جريدة عوضا
من أن يقوم بذلك شاعر تونسي ربما ليس لديه اطلاع كافي على
الموجود واختيار الأفضل والأجدر بطرحه عبر مثل هذا الإصدار
الثقافي المعروف
".
كما رصدتُ تعليقات من بعض المدونين الليبيين
المهتمين بالشأن الثقافي، فمن صابر الرياني نقرأ هذا التعقيب "
ليبيا مشهد أدبي وشعري عميق وكبير وواسع جداً ولا يمكن
اختصارها في مشهد موحد مع أشقائنا التوانسة بل مشهدنا الشعري
الليبي يستحق أكثر من عدد واحد لكتاب في جريدة! ".. أما صاحب
مدونة "من ليبيا " الذي لا يشير لأسمه في ترويسة المدونة فيرى:
" أن هذه المسألة هي حالة مكررة تجدها حتى في دول عربية أخرى
وهي ستتكرر في غياب العمل المؤسساتي الجاد المحايد والمنظم
"،..
-...
وفيما كنتُ أُشرف على تلك الحملة
الصغيرة لتفعيل الحوار في هذه المظلمة عبر المواقع والمدونات،
صادفتني حالة مماثلة جعلتني أكاد أترحم على تصرف الوهايبي
وصديقه شوقي عبد الأمير، كان مفاد الخبر عن مشروع ثقافي صيني
عربي مشترك تمثل في إصدار كتاب (كتاب كتاب هذه المرة!) من 400
صفحة يعد أكبر ديوان شعر عربي مترجم إلى الانجليزية والصينية،
يقول الخبر: "أعلن منتدى الندوة العربية بـ هونغ كونغ !!
الانتهاء من مشروع ترجمة "انطولوجيا الشعر العربي الحديث" إلى
اللغتين الإنجليزية والصينية في كتاب يضم 150قصيدة لأربعة
وخمسين شاعرا وشاعرة يمثلون جميع التيارات الشعرية "...، ما
نسي الخبر إضافته عبارة : (ومن جميع الدول العربية عدا ليبيا
) !!..
وعودةً إلى الانطولوجيا التونسية الليبية التي
جانبها الصواب أقول بأن الأسماء الليبية التي تم إغفالها
وإقصاء تجاربها - إمّا عمداً، وإمّا لضيق الحيز الذي سببه ضغط
مشهدين لقطرين في ملحق واحد - في معظمها أسماء لها تجارب
حقيقية ولا يمكن بأي حال من الأحوال وتحت أي ذرائع تجاهلها أو
تناسيها مثل: علي صدقي عبد القادر، محمد الشلطامي، راشد
الزبير، السنوسي حبيب، أحمد بللو، فرج العربي، نصر الدين
القاضي، أبو القاسم المزداوي، عبدالوهاب قرينقو، عبدالسلام
العجيلي، خالد المطاوع، عبدالرزاق الماعزي، مجاهد البوسيفي،
علي الفزاني، عمر الكدي، رجب الماجري، حواء القمودي، مفتاح
ميلود، أسماء الطرابلسي، فرج أبوشينه، أحمد الفيتوري، معمر
لامين الزايدي، خديجة بسيكري، تهاني دربي، محمد الربيعي، محمد
علي ارحومة، عائشة إدريس المغربي، عبدالله زاقوب، لطفي
عبداللطيف، أحمد الشريف، حسن السوسي، خلود الفلاح، محمد
الهريوت، نعيمة الزني،أم الخير الباروني، مهدي التمامي، سميرة
البوزيدي، علي الربيعي، ربيع شرير، وجدان علي، رامز النويصري،
عبدالباسط أبوبكر، عبدالدائم كواص، صلاح عجينه، فرج العشه،
صابر الفيتوري، حليمة الصادق، مراد الجليدي، فاطمة محمود، محمد
فياض،........ وآخرين، فالقائمة تطول، بمعنى أن الشكل اللائق
بانطولوجيا شعرية ليبية حقيقية كان سيتأتى باختيار 29 شاعراً
وشاعرة من هذه القائمة ومن القائمة التي نُشِرت أو حُشِرت مع
المختارات التونسية، وتستقل ليبيا في عدد خاص من كتاب في جريدة
وكذا بالنسبة للأخوة في تونس فلا يُظلم أي مشهد شعري على حساب
آخر أسوة بكل المشاهد المغاربية والعربية الأخرى التي جاءت في
ملاحق خاصة بها لوحدها _ باحترام _ لعل أخرها الكتاب الصادر
الشهر الماضي، والذي عرض للتجربة الشعرية في المغرب الشقيق دون
دمجها مع موريتانيا مثلاً
!!.
-
ما كُنتُ لأكتُب هذه المقالة لو أنني
وجدتُ تفاعُلاً أكبر من الأدباء والكُتَّاب والصحفيين
الليبيين، فيبدو ألا أذان لمن تُنادي، كأنَّ الأمر لا يعني أحد
سوى الشعراء والشاعرات المُبعدين من المختارات !!، أو كأنَّ "
شوقي عبد الأمير " كان مُحِقاً عندما طلب من شاعر تونسي أن يضم
الليبيين إلى (الحاضنة التونسية) !.. الغريب وأنني فيما أصيغ
هذا المقال كانت قناة الجزيرة الوثائقية تبث برنامجاً بعنوان
"حراس الحضارات" يناقش تاريخ حضارة المعمار الحربي في الساحل
الجنوبي للبحر المتوسط،... وحدث ولا حرج، فلا توجد أية إشارة
إلى شيء اسمه ليبيا مر بها واستوطنها الإغريق، الفينيقيون،
الرومان والبيزنطيون، ولا غزاها فرسان القديس يوحنا..ولا كان
جيشها البحري إبان العهد العثماني وبعده من أسياد البحار، فحسب
الشريط وكلام البحاثة التونسيين كل الأحداث وموجات البناء
والمعمار والصراع محصورة بين جربة والحدود الجزائرية
!!.
-...
ولكي لا أفتح مناحة عن أو عن وعن..
ولكي لا نصنع من حيوية و نشاط جيراننا التوانسة مشجباً نعلق
عليه كسلنا وإهمالنا وإحباطنا.. دعوني اقترب من مسببات ما حدث
وربما سيحدث ما هو أسوأ إن تمادينا في الاسترخاء واللامبالاة
أكثر..
أولاً
إزاء هذه المختارات وغيرها فأن غياب _ احترازاً من القول بموت
_ رابطة الأدباء والكتاب الليبيين سيجر على المشهد الليبي
الأدبي المزيد من المصائب، مما سيعود بالضرر على الكثير من
التجارب الليبية الحقيقية التي سيأكلها الظل والتَرك
والظلام،.. ولا خروج من هذا النفق الكئيب إلا بإعادة تفعيل
رابطة الأدباء والكتاب الليبيين وكما قال أحد الأصدقاء الشعراء
: " يجب أولاً الرجوع إلى قوائم آخر مؤتمر عام للرابطة " نعم
ذاك الذي أبدى فيه الدكتور خشيم رغبته في الاستقالة ورفضنا نحن
الأعضاء ذلك، كما يجب أن تتم دعوة جميع الأسماء التي حضرت
المؤتمر وهي لا تتجاوز المائة ونيف ولتتم إعادة تشكيل الرابطة
واختيار هيئة إدارية جديدة، ولتباشر من بعد ممارسة مهامها
كدراسة ما يستجد من طلبات للانتساب للرابطة والذي يخضع لمعايير
فنية وتقيِّمية راسخة وثابتة وعادلة !، أيضاً فليتبع هذه
الإجراءات والاستئنافات رجوع فكرة المكاتب أي 6 مكاتب على
مستوى البلاد وإلغاء الفكرة السقيمة بأن في كل شعبية مكتب أو
ما يُعرف بنظام الفروع، فالكتَّاب والأدباء عندما يصلوا إلى
ملاك حقيقي في منطقة أو مدينة ما، يتم استحداث مكتب فرعي لهم
لا العكس!، كانت المكاتب في مدن طرابلس، بنغازي، درنه، هون،
مصراته والزاوية، لأن بعض المناطق لا يوجد فيها أدباء أصلاً
!.. أما فيما يتعلق بغياب ليبيا وتاريخها وثقافتها وتراثها عن
أهم قنوات الإعلام العربية والأجنبية فيتطلب وقفة جادة وجهود
أوسع من مؤسسات أكبر كأمانة الإعلام ومجلس الثقافة العام ومركز
الجهاد للدراسات التاريخية، وقنوات إعلام شركة الغد وغيرها..
...
إنَّ الحاجة أصبحت ماسة ومُلِّحة لاستحداث إدارة أو مركز أو
مكتب ينبثق عن أمانة الثقافة يشتغل على نقل الصورة الكاملة
للمعرفة الليبية إلى العرب و العالم عبر أهم القنوات المكتوبة
والسمعية والبصرية... وأدعو جميع المثقفين من أدباء وكُتَّاب
وصحفيين، والمسئولين في الإدارة الليبية إلى أخذ هذا الأمر على
محمل الجد، وكفى ثقافتنا عزلةً وتهميشاً وانضواءً تحت مظلات
الآخرين الذين هم قطعاً ليسوا نحنُ
!.
عن
موقع صحيفة ليبيا اليوم |