|
لماذا الحكايات الشعبية؟
فاطمة غندور
ينطلق اختيـار الحكايـات الشعبيـة موضوعاً للبحث،
من فرضيـة يُرجى من ورائها أن تقود إلى البرهنة على أن المخيلة
الجماعية المُبدعة، هي التي أنتجت موروثنا الشعبي الشفاهي،
المُتعددة أشكاله، عمادُها في ذلك تراكم من المُلاحظة والرصد
والكشف، والتفسير و التحليل، للعادات والتقاليد، والمُعتقدات
التي اكتنفـت الوقائع اليومية التي مر بها المجتمع، فكان هذا
الموروث مـرآةً عاكسةً لما كان عليـه الناس ولما يرغبون في أن
يتحقـق لهم في المستقبل وفق تطلعاتهـم، وفي منظومةٍ من
المعايير الدينيـةِ الأخلاقيـة، التي ترفض كل ما لا ينسجم مع
تلك الرغبات والتطلعات وترتكز دواعي البحث في مُجمله على
محاولة استخراج القيم والموروثات الاجتماعية من خلال ما تسنى
لي جمعهُ وتوثيقهُ من الحكايات الشعبيـة، بعد تحليل النصوص
المُنتقاة من منطقة براك الشاطئ، وهى دواعٍ ومبرراتٍ يُمكن
إيجازها فيما يلي:
1-
أهمية الحكايات الشعبية ثقافياً واجتماعياً، بما فيها من قيمٍ
جماليةٍ تتعلـق بالحياة اليومية، وذلك عبر التفاصيل،
والتأملات، والتصورات، التي تُكون نسجيها الحكائي.
2-
ما تُمثله الحكايات الشعبية بوصفها وعاء للقيم والموروثات
الاجتماعية، بما تُبرزه من عادات وتقاليد، وأنماط سلوك، وطرائق
تفكير، ومُعتقدات تُجسم نظرة الجماعة للكون والحياة.
3-
القيم والموروثات الاجتماعية وإن خضعت للتحوير والتبديل
والتغير الجزئي المُتدرج المُتسم بالبُطء، فهي لم تخرج على
الواقع الإنساني حيث صيغت بما لا يتنافر مع الاتفاق الجمعي في
زمانها، ولاعتمادها على الحاكي أو الراويـة، ومن هنا فقد سارت
في سياق مُتطلبات ومقاصد الجماعة.
4- الكشف عن وجود القيم
والموروثات الاجتماعية في الحكايات الشعبية من حيث كونها
انعكاساً لنمط حياة يبدو وكأنه مشاهد مُصورة، تجعلنا نقف على
ما ترسخ في الجماعة، من قيم أخلاقية إيجابية اُُحتذيت، أو قيم
سلبية نُبـذت، فهي تُطلعنا على ما اتخذته الأجيال منهاجاً
لحياتها، في ظل ما استفادته من دروس وعظات وعبر زخرت بها
الحكايات الشعبية.
5- الحكايات الشعبية التي شكلت
ما يُشابه المدرسة التعليمية التربوية، كُرست في عمومها لغرسِ
القيمِ المُنتقاة والمُفضلـة لدى الجماعـة، وفـق مناخها
الاجتماعي السائـد أو المتعارف عليه، وقد صُبت في قوالب جمالية
تخيلية، مُحاولة الإقناعَ والتأثيـرَ رمزا وتلميحاً، وتصريحاً
وإعلاناً، لحفز المُتلقي إلى اتخاذ موقفٍ ورأى ووجهةِ نظر فيما
يسمعه، وللإجابة في نفس الوقت عن تساؤلاته في مرحلتي الطفولـة
والفتـوة خاصـة، وليُحقق لذاتـهِ مُعادلة وتوازناً مع مجتمعه،
بما يتواءم مع مُعتقداته الدينيـة، والبيئيـة الاجتماعية،
والأنماط الأخلاقيـة السائدة.
6- قلة بل وربما انعدامُ
الدراسات العلمية الأكاديمية التي تُسلط الضوء على موروثاتنا
الشعبية بصفة خاصة، مع عدم توافر الجمع الميداني القائم على
رصدها وتوثيقها عدا بعض المحاولات الفردية وبجهود شخصيـة
نادرة، على الرغم مما يُمثله الموروث الشعبي من ومضات تبين مدى
ما وصله الوعي العقلي والفني، ولأهميته كمخزونٍ للخبرات
المعرفيـة، التي تراكمت فيه عبر الأزمان بمفرداتِها وتعابيـرها
الاصطلاحية الشعبية لتكون نتاج الجماعة الثقافي.
7- المُساهمة والمُشاركة قدر
الإمكان في تسجيلِ، وحفظِ، وتوثيقِ الحكايات الشعبية بصفتها
إحدى ركائز ثقافتنا الشعبية الشفاهية، بما تحتويه من أنواع
أخرى من الأدبيات الشعبية، كالمثل، والتعبير الحكمي، واللغز،
والأغنية المُرتجلة، مما يدل على تنوع وشمولية الأصناف
الشفاهية المتوارثة، الحَِريَة والجديرة بالرصد والتوثيق
والدراسة.
لقد
قاوم هذا الموروث ولسنين طويلة متلاحقة النسيان والاندثار، ذلك
لأن الذاكرة الإنسانية ترتبط بزمنها الذي يؤُول حتما - وبطبيعة
الحال - إلى زوال مما يُحتم اللجوء إلى وسيلة أخرى للإبقاء على
ما تحتويه، وهى التـدوين، والكتابة ويزيدُنـا إلحاحـاً على طلب
هذه الوسيلـة تعمد إهمـال الموروث الشعبي والاستهانة به،
بذريعة أنه لا يُمثل إلا وسيلـة إمتاع وتسليـة وترويح في
أوقـات الفراغ، ولا طائل من ورائها، ويساعد على هذا كلـه
مزاحمة الوسائل التقنية الحديثة التي أفردت مساحةً واسعةً
للفُرجة والإمتاعِ في حياتنا الاجتماعية اليومية.
8- الحكايات الشعبية هي إرثٌ
وتراثٌ إنساني، تتشابه وتتشارك فيه معنا شعوب قريبة وبعيدة عنا
مُعتقدا وديناً، وجنساً، وجغرافية، مما يدل على جوهرها
الإنساني المتوحد في المضامين والمحتويات العامة، كقواسم
قيميـة مشتركـة تدعو إلى الإخاء، والمحبة، والعدل، والوفـاء أي
الخير عامـة، وتنبذ الكراهيـة والظلم والخيانـة، بالإضافـة إلى
أن تصويرهـا للموروثـات الاجتماعيـة للشعوب التي ابتدعتها،
وملامح وسمات بيئاتها المُختلفة، يجعلها جميعا تتضافر لتشكل
مجمل الثقافة الإنسانية العالمية.
9- الموروثـات الشعبيـة أبرزت
خلفيات سياسيـة واقتصاديـة ودينيـة واجتماعيـة وكونت الثقافة
الشعبية بصفة عامة، وهى من هذه الركيزة جديرة بالاهتمام والبحت
والدراسة خاصة أنها جُزءٌ لا ينفصل عن هذا الإطار العام، بل
إنها من هذا المفهوم تُعتبر مرجعا للمُعتقدات، والتقاليد،
والعادات، والأعراف، والمعارف والخبرات الشعبية التي انعكست
فيها على هيئة دروس وعظية وإرشادية، مُستقـاة من مواقف ووقائع
وأحداث شكلت بُنيتها السردية.
10- الحميميـة في العلاقـة بين
بيئةِ الحكايات ومكانها، وبين الملامح والسمات الاجتماعية التي
انبثقت عنها، إذ كثيرا ما تستعير الحكاية تفاصيل من بيئتها
المحليـة لتُدلل على مُعايشتها لوقائع المكان وتجربة إنسانها.
11-
شخصيـات الراويات وخبراتهن التي تتفاوت من راويـة إلى أخرى حيث
توارثن روايـة الحكايات، وإضافة كل واحدة منهن إلى ما ترويه من
خبرتهـا وتجاربها في الحياة الشـيء الكثير، مما تتمتع بـه كل
منهن على حدة من موهبـة تتمثل في حُسن الإلقـاء، وابتداع وسائل
التشـويق والإثـارة، وشد انتباه السامعين للحكايـة التي كانت
الوسيلة الوحيـدة لتزجيـةِ أوقات الفراغ، وتمضية ليالي السمر.
عن مدونة الكاتبة |