|
الـعـاديـــــون
صالح قادربوه
الأشخاص الذين نمر بهم مسرعين ولا نطلق السلام عليهم فيردون
التحية الغائبة باقتضاب خجول، الذين نرفع صوت زمور سياراتنا
حثا لهم على الإسراع في قطع الطريق ويسرعون استجابة لإلحاحنا
متعثرين ولاهثين دون حنق، والذين نقابلهم في المقهى والحلاق
والمكتبة والخزينة والعيادة وسوق الخراف.. الأشخاص الذين لا
يتميزون بشيء ولا يعنون لنا شيئا، سوى أنهم معنا، دون أن نشعر
بهم حقا.
نقرأ أسماءهم في صفحة الوفيات فلا ننتبه لموتهم، وننسى حتى أن
نترحم عليهم، و تزغرد نساؤهم في أعراسهم بصوت عذب، لكننا لا
نفهم الزحام الطفيف أمام أبوابهم وعقد الضوء القصير ولا نلبي
دعواتهم على مأدبة العرس، ولا نرسل لهم من بعيد ولو إشارة ما
قد تعني (مبروك مادرتوا).
المألوفون جدا حتى لا نكاد نميزهم في تقلب الأيام، الصامتون في
المآتم، والموزعون على المعزين أكواب الشاي وتحياتهم الندية،
دون أن نفهم بساطتهم وطيبتهم هذه، فحتى الوقت لا يسعفنا
للتفكير فيهم، أو السؤال عن أسمائهم أو حتى عن (من أي عائلة
هم).
أطفالهم ليسوا وسيمين ولا قادة لرفاقهم، ولا حتى تبعا لغيرهم،
محايدون لكنهم يتألمون من الظلم، والاستهزاء، ويسامحون دون
تفكير، كأن قلوبهم من ماء آخر غير ماء قلوبنا الكدر، وغير ماء
قلوب أطفالنا.
يحبون الحكايات وكبار السن، ويحبون المسلسلات الدافقة، ولا
يلجون المسرح كثيرا، لكن تبهرهم أفلام الحب، وضحكات المذيع وهو
يسأل عن حال الوطن.
إنهم بيننا وبالقرب منا، نقابلهم كثيرا في القرى وفي المدن
الكبيرة أيضا، وفي حافلات النقل السريع، وعادة في الطائرات بين
المدن المتباعدة، فهم لا يخافون السقوط ولا يرعبهم التواء
الدروب، فقلوبهم عالية وأرواحهم مستقيمة.
من شأنهم رش الطريق بالماء، والخوف من ذبول الأزهار، والدعاء
بنزول المطر، ليس بينهم وبين السماء حجاب، ولا بينهم وبين
مخلوقات الأرض، يمرون ببعضهم فيبتسمون، فينبت حقل شاسع ما
بينهم، ويتعطر المكان، لكن أنوفنا يمنعها عن الشم زكام الرياء
واللهاث العفن.
الأشخاص الذين لولا وجودهم بيننا لما بقي لنا هواء نتنفسه من
كثرة الدسائس، يتلقون النصال عنا، ويكتفون بالقول " ربي يهديهم
"، فتؤجل السماء معاقبتنا، ونظن الحياة ابتسمت لنا، لكنها صورة
كظم الغيظ، والصبر الحميم.
العاديون
العاديون جدا
لكنهم رأس مال أعمارنا
فلننتبه ولو مرة واحدة
مرة واحدة خاطفة
لألوانهم التي تعدنا بالنجاة من الغرق.. كقوس قزح.
عن موقع جيل ليبيا |