|
أكثر من 50 أثر طرابلسي خارج طرابلس القديمة!
م. عبد الحكيم عامر الطويل
www.abdulhakeem.com
من يعرفني شخصياً يعرف أنني لست من المنادين بأثرية كل مبنى
قديم، ولا من المعادين للتطور، بل لربما تخصصي العلمي هو أكبر
دليل على أنني أعيش الحاضر بعيون متجهة للمستقبل، حتى تجربتي
مع كتابة القصة القصيرة لم تخرج عن قصص الخيال العلمي، لهذا
أوكد هنا على أنني من أشد المنادين بالتطوير، والتطوير
العمراني بالذات، أحلم دائماً بالشوارع الليبية وهي تبرق
نظافة، مغطية أعلى وجوه جسور مركبة للسيارات والمشاة، النوافير
وتماثيل أبطالنا وعلمائنا ونُصَبِ أحداثنا الوطنية تزاحم
سياراتها، والحدائق تغزوها، وناطحات السحاب تثبت تربتها وتخرق
سحبها، إلا أن إحدى عناصر التطوير في أي مدينة متحضرة من هذا
العالم هو حفاظ أهلها على آثارهم، زُر أي مدينة حضارية كبرى
(لندن، مدريد، روما، باريس) ولاحظ كيف أن المبنى الأثري يقف
جنباً إلى جنب مع المبنى الحديث، هذا يحدث لسبب بسيط: التطوير
لا يعني أبداً هدم أدلة وجودنا في الماضي، خصوصاً ونحن متهمين
من قبل الجهلة بالتاريخ الليبي (ليبيين وغير ليبيين) بأننا
مجرد بقية لشعوب عبرت ليبيا صدفة! لم يقل أي من جهابذة الهندسة
المدنية في أي من جامعات العالم بضرورة إزالة القديم من أجل
التطوير، فالتطوير شيء والحفاظ على الآثار شيء آخر تماماً، ولا
يجب أبداً أن يكون هذا على حساب ذاك، وهكذا فالإبقاء على
الآثار هو هم بلديات ووزارات سياحة وآثار وثقافة أحضر دول
العالم، ومادمنا نقلد الغرب في كل شيء مالنا لا نقلده في حفاظه
على آثاره؟

سأقول لك السبب: المشكلة الخطيرة التي تواجه الآثار الليبية هي
أن الكثير من الليبيين يظنون أنهم عارفين بها! فلا يرون أنفسهم
بالتالي من المدمرين لها، أي أن الكثير منهم يجهل المعنى
الصحيح للآثار، مع أن تعريفها وأنواعها السبعة موضحة في أولى
مواد قانون الآثار الليبي رقم 3 لسنة 1995 (1425 و.ر.) المنشور
في العدد 19 من السنة 33 من الجريدة الرسمية والذي يعد من
القوانين السارية حتى تاريخ هذه الأسطر، لهذا تجدني أركز في
مقالاتي على تعريف الأثر وأنواعه قبل الحديث عن الآثار ذاتها،
إذ حينما أحاول التأكد من محدثي صحة مفهومه للآثار ينتفض
مستنكراً وكأني استخف بثقافته أو ذكائه، فما هي الآثار – في
نظره - غير أبنية الحضارات القديمة العظيمة كالفراعنة
والفينيقيين والرومان والإغريق؟ القراءة المتأنية لتعريف الأثر
في قانون الآثار الليبي يثبت لنا أنه لا يعتبرها مجرد بقايا
معمار الحضارات القديمة وإنما أي شيء ينطبق عليه الشرطين
البسيطين التالين، فيتحول تلقائياً إلى مبنى أثري مشمول بحماية
قانون الآثار الليبي، حتى ولو لم يسجل بمصلحة الآثار الليبية:
كل ما أنشأه الإنسان أو أنتجه مما له علاقة بالتراث الإنساني
ويرجع عهده إلى أكثر من 100 سنة
بل تزيدنا اللائحة التنفيذية لهذا القانون الصادرة بقرار رقم
152 لسنة 1996 (1425 ميلادي) والمنشورة في العدد 16 من السنة
34 من الجريدة الرسمية تفاصيل أخرى لتعريف الأثر: هو كل ما
أنشأه الإنسان أو أنتجه بيده أو بفكره والبقايا لتي خلفها، وله
علاقة بالتراث الإنساني، ويرجع عهده إلى أكثر من 100 سنة،
وكذلك بقايا السلالات البشرية والحيوانية والنباتية.

ما رأيك الآن؟ دون حتى هذا التعريف أتساءل كيف سمح بعض
الليبيين لعقولهم بألا تستبقي غير بقايا مباني الحضارات التي
سكنت ليبيا قبل الحضارة الإسلامية والإسلام دخل ليبيا منذ 1366
سنة! أين هي آثار الحضارة الإسلامية في ليبيا إذا لم تكن
الآثار سوى الأبنية الرومانية والإغريقية؟ بل أين هي آثار
الليبيين قبل الحضارة الإسلامية والاحتلال الروماني والإغريقي؟
أم أن ليبيا كانت خالية من السكان يا ترى قبل الرومان
والإغريق؟ لا تستعجل إجابتك قبل قراءة هذه الحقيقة: آثار
العصور الحجرية في ليبيا تؤكد أن الإنسان العاقل العاقل – أي
نوعنا الحالي الذي يُعتقد أنه ظهر على الأرض من إثيوبيا منذ
160 ألف سنة – إستقر في ليبيا منذ 90 ألف سنة على أقل تقدير!
أي أن الإنسان يعيش في ليبيا قبل بداية الحضارة المصرية
القديمة بـ 83 ألف سنة! فإذا حسبنا أقدم السلالات البشرية
البدائية التي ظهرت على الأرض قبل الإنسان العاقل العاقل نجد
أن الحفريات تثبت وجودها في ليبيا منذ أن ظهرت على الأرض منذ
أكثر من مليون سنة!! مع ملاحظة أن دراسة العصور الحجرية في
ليبيا لم تبدأ بعد! غالبية النتائج المتوفرة الآن جاءت من
دراسات على عينات سطحية غير مستخرجة من عمق التربة حيث المكان
الأصلي لبقايا هذه العصور (ماذا سيرد الآن القائلين بعدم عراقة
الليبيين وبرومانية وإغريقية الآثار الليبية؟)
ثم ألا نؤكد بحصرنا للآثار على الرومانية والإغريقية أن
المدنية في ليبيا ما هي إلا نتاج عمل هاتين الحضارتين وأن
الحضارة الإسلامية حضارة هدامة غير بناءة؟ لعلمك حتى الآثار
الرومانية والإغريقية على الأرض الليبية لم نكشف غالبيتها نحن
أبناء هذا الأرض! وإنما معاول المحتل الإيطالي ولغرض إثبات حقه
في أرضنا، أي يريدها أن تقول إن الاحتلال الإيطالي المعاصر ليس
سوى عودة الأحفاد إلى أرض الأجداد!

يبدو أن المُشَرِّع الليبي كان يدرك عدم علم غالبية الليبيين
بمعنى الأثر وأنواعه، لذا حينما استعرض أنواع الآثار الليبية
السبعة لم يؤجل تعريفها إلى مادة تالية وإنما حشرها عمداً في
أول مواده مبتدءاً بالأشهر فالأقل شهرة، وهكذا فأول الآثار
الليبية في هذه المادة هي الآثار العقارية، أي النوع الأثري
الوحيد تقريباً الذي يتبادر لذهن الليبيين فور سماعهم لكلمة
آثار، حيث عرَّفها قانون الآثار الليبي هكذا:
هي بقايا المدن والتلال الأثرية والقلاع والحصون والأسوار
والمساجد والمدارس والأبنية الدينية والمقابر والكهوف سواء
كانت في باطن الأرض أو على سطحها أو تحت المياه الإقليمية
وكذلك المعالم ذات الطابع المعماري المميز والمواقع والشواهد
التاريخية التي تتصل بجهاد الليبيين وكفاحهم وتجاربهم وترتبط
بالتاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي للبلاد
وهكذا فالآثار العقارية طبقاً لقانون الآثار الليبي ليست مجرد
الرومانية والإغريقية فقط بل أي مبنى شيد على الأرض الليبية من
سنة 1907 فما قبل وله علاقة بالتراث الإنساني ويتصل بجهاد
الليبيين وكفاحهم وتجاربهم ويرتبط بالتاريخ السياسي والثقافي
والاجتماعي للبلاد، أي من المفترض أن تكون المباني التالية
الواقعة في طرابلس خارج مدينتها القديمة ضمن الآثار الليبية
المتمتعة بحماية قانون الآثار الليبي، مع ضرورة التيقن من أنها
مجرد عينة من أكثر من 50 أثر طرابلسي خارج طرابلس القديمة،
نجحت وعدد من أصدقائي المحبين للآثار الليبية في حصرها:
1. "برج بوليلة"، تلك القلعة العسكرية البحرية الأثرية المؤسسة
في 1685 (أي أن عمرها الآن 322 سنة) ومازالت تنال من التشويه،
حيث تستغل الآن كنادي للغوص مع أنها واقعة على بعد خطوات من
المبنى الجديد لمؤسسة السياحة (أو هيئة أو أمانة! إذ تعددت
أسماؤها والموت واحد!)

2. قلعة النصرتية العسكرية المؤسسة في 1882 (أي أن عمرها الآن
125 سنة) وتستغل كقسم للحركة بمستشفى ابن النفيس للأمراض
النفسية بقرقارش! هذا إذا مازالت قائمة! إذ آخر مرة رأيتها
كانت يوم 12/4/2001
3. مبنى المتحف الإسلامي بشارع سيدي خليفة المؤسس في أواخر
العهد القرمانلي (أي أن عمره الآن175 سنة)
4. مستشفى الغرباء المؤسس في 1896 كأول مستشفى عصري في ليبيا
(أي أن عمره الآن 111 سنة)، أو جزء مدرسة علي حيدر الساعاتي
المطل على زقاق الإسكندرية وشارع ميزران، الذي شعرت بوشوك هدمه
حينما علمت بمشروع تجديد سور المدرسة وفق تصور جديد أراه فكرة
جيدة فقط لو استلهمت العمود القرمانلي الليبي الأصيل الجميل
بدل هذا العمود المربع المنقول من ثقافة لا علاقة لها بعراقتنا
المعمارية
5. المقبرة البروتستانتية المؤسسة في 1830 (أي أن عمرها الآن
177 سنة) المحصورة ما بين طريقي الشط الجديد والقديم، قرب
ميناء الشعاب أمام مبنى إذاعة طريق الشط
6. جامع عمورة بشارع بن عاشور المؤسس في 1760 (أي أن عمره الآن
247 سنة) بأموال حفيد حفيد بحار بلجيكي (نعم بلجيكي!) طاب له
الإسلام دينا وليبيا موطناً!!
7. جامع ميزران الذي أسسه التاجر الليبي الكبير رمضان ميزران
في 1880 (أي أن عمره الآن 127 سنة) الذي يكفيه أن اسمه أطلق
على أحد شوارع مدينتنا العريقة، إلا أنه بكل أسف ناله التشويه
المتعمد حديثاً
8. جامع المكني بطريق السكة الذي بناه سنة 1711 آمر الجيش
الليبي آنذاك (أي أن عمره الآن 296 سنة) والذي أشعر بالفخر
لأنني وصديقين شقيقين يفضلان عدم ذكر إسميهما أنقذناه من
الإزالة بدعوى تطويره
9. جامع القبطان في الحي المسمى عليه والذي بناه آمر البحرية
الليبية في 1687 (أي أن عمره الآن 320 سنة)
10. جامع خليل باشا الأرناؤوطي، المعروف اليوم بجامع دورار بحي
الضهرة، الذي أسسه الحاكم الليبي من أصل بوسنوي خليل باشا
الأرناؤوطي في 1708 (أي أن عمره السنة القادمة 300 سنة)
إلا أنه لابد من ملاحظة أن قانون الآثار الليبي لم يعتبر
الآثار العقارية مجرد المباني الأثرية الإسلامية والأعمدة
والمسارح والتماثيل الرومانية والإغريقية القديمة فقط، هناك
أشياء عديدة أخرى سيتهكم علي البعض إذا قلت له إنها آثار دون
أن أريه هذا القانون، فهل كنت تعلم قبل قراءتك لهذا التعريف
بأن حتى الأسوار التي عمرها يزيد عن 100 سنة تعد آثار ليبية لا
تختلف في قيمتها عن أعمدة شحات وبيوت جرمه القديمة؟ هل ستستغرب
لو قلت لك إن صبيحة يوم 11/09/2001 قبضت عَلَيَّ جهة أمنية
وصادرت صوارتي طوال أسبوع لمجرد أنني حاولت تصوير سور قديم
بشارع السكة بطرابلس في الأرض الفضاء التي كانت سانية جدي؟
كما أن اللائحة التنفيذية لهذا القانون تزيدنا تفاصيل للآثار
العقارية: المِسَلاَّت والنصب التذكارية، أي أن حتى النصب
التذكارية الحديثة يعتبرها قانون الآثار الليبي آثار وجب
حمايتها من الإزالة أسوة بأي نوع أثري آخر، حيث تفرد لنا لائحة
هذا القانون التنفيذية تعريف مدهش للنصب التذكارية:
... أية مباني أقيمت لتخليد ذكرى حدث محدد، ديني أو حربي أو
سياسي أو اجتماعي أو ثقافي ... متنوعة ومتميزة من حيث الشكل
والحجم والمكونات والمفردات المعمارية والطرازية والزخرفية،
وقد تأخذ شكلاً بنائياً يمثل عودة ومحاكاة للمباني التاريخية
والأثرية

هل كنت تعرف قبل قراءتك لتعريف الآثار العقارية أن حتى الكهوف
الطبيعية سواء كانت في باطن الأرض أو على سطحها أو تحت المياه
الإقليمية والتي من البديهي أن عمرها أكثر من 100 سنة بآلاف
السنين هي أيضاً آثار ليبية بقوة قانون الآثار الليبي؟
لاحظ أن كل كلامي إلى الآن محصور في مجرد نوع واحد فقط من
الآثار الليبية من المفترض أن يكون أكثر الآثار الليبية شهرة
هو الآثار العقارية، ثاني أنواع الآثار الليبية يسميه قانون
الآثار الليبي بالآثار المنقولة، وهو أيضاً معروف إلى حد كبير
لليبيين لكن إلى أي مدى؟ إجابة هذا السؤال في لقائنا المقبل>
* عن موقع ليبيا اليوم. |