مـخـتـارات

 

أخـلاط الوحـشة

 

إنتصار بوراوي

 

 

صدر الديوان الثاني للشاعرة سميرة البوزيدي (أخلاط الوحشة)، الذي تبدو فيه الشاعرة كما عرفها قارئها، مختلفة بلون وطعم نصوصها الشعرية التي لا تمنح مفاتيحها للقارئ بسهولة؛ فعلى قارئها أن يتجهز ذهنياً لكي يسافر في عالم شعرها الممتلئ ببراكين الأسئلة المبصرة للعالم بنور القلب الذي يقودها في طريق الرؤيا الشعرية العميقة، فتدعو منادية جلال الدين الرومي، لأن يبعث الضوء في عمق مريدي الوهم بمختلف أشكاله وصوره، كما تقول في قصيدتها "الآخرون":

مولانا يا جلال الدين الرومي

مددك لمريدي الوهم

المرتجفين المتأخرين

عن بهجة العمق

 

وبعيون الشاعرة التي ترى الزمن القادم كما كانت ترى "زرقاء اليمامة" من على مسافة، أيام تبصر الشاعرة في قصيدة "زمن ضخم"، الزمن الآتي الذي يعد بتلوث الروح في الفراغ الذي يلي الآن زمن ضخم/ يقبع محفوفا بضجة مفتعلة/ يغطي خضرة الروح بسناج وتلوث.

 

الشاعرة بهدوء وبنظرة عميقة تنظر لهدير الزمن القادم الذي سيحمل معه اختفاء ما تبقى من جمال، ويعلن راية التلوث.

 

في قصيدتها "لا أدرك ضفة"، تبدو الشاعرة في حالة تأمل لذاتها التي ما وجدت ضفة لترسو عليها، هي العصية على التفسير، والتي ذابت وانهارت كل صور تأويلها لعدم القدرة على الولوج للعمق، وتسخر الشاعرة من التأويلات والتفاسير التي تحاول أن تضع نصوصها، وربما روحها وذاتها في قفص المعنى الواحد في قصيدتها المعنونة" خطوة في الماء".

خلف قصيدتي

أجر ضحكتي

أقبض على أذن الكلمة الهاربة

أعلقها على باب نص جديد

 

في مشهد شعري جميل تعمد فيه الشاعرة إلى تصوير الحالة الشعرية لها، وهي تقبض على الكلمات الهاربة، وتجرها جراً من مكمنها المختفي في بئر عميق، ليخرج النص الشعري الجديد، المختلف عن السائد، والمتداول. ولأن الشعر هو مليكها الأثير، فهي تعلن عشقها له، أمام الجميع في نصوصها أحياناً، وأحياناً أخرى تلعنه، وتتبرم منه، كما هي علاقة الحب تماماً بين كائنين؛ لذا فأكثر نصوص الديوان هي إعلان عن عشق الشعر والكتابة، ومع الحالة الشعرية المرتسمة في كل قصيدة ونص من الديوان بصورة مختلفة عن الأخرى، والتي تعمد أحيانا إلى طلسمتها بوعي، كما تقول في نصها المعنون بأرجوحة التناص:

هل أطلسم قصيدتي بالمزيد

بمراوغة لا تعني سواي

 

فهي تصرح في هذا النص بأن الشعر هو عرشها الذي تتناص فيه مع ذاتها، مخرجة النار من تحت رماد المعنى العصي على التأويل:

البياض شراسة تقتفي هدوئي

تستفز أظافر المعنى، لتستقر مستوية تماماً على رأسها.

 

تتغزل الشاعرة في الكتابة الشعرية، وفي نصوصها التي تتحضر لها، وتنسجها من عمق الروح، كما لو أن عنوان الديوان "أخلاط الوحشة"، هو الشعر والشعر والشعر، الذي تهجس أغلب نصوصها بعشق أخاذ جميل له.

 

وعن الشعراء تفرد نص بعنوان "شعراء":

حولهم كانت الطقوس مستعارة

حد الرتابة

أهملوا كل شيء

وشرعوا يمزقون الفهم

 

فهي في هذا النص تحتفي بالشعراء المختلفين عن السائد، معلنة انضمامها لشعر آخر، بعيد عن طقوس أساليب القافية، والاستعارات التقليدية، والتصنيفات الاعتيادية، فهي مع مريدي الشعر الحديث، الذي يلمس آفاقاً جديدة، دون برواز ولا قيود.

 

في قصيدتها هواء مشنوق، تترصد الشاعرة الأحلام التي حلقت بعيداً، بغية الوصول، وتناجيها بالقول:

ربما الوسادة أوطأ مما ينبغي

ربما الأحلام أعلى مما ينبغي

الأحلام وهي تتسور رئة الوصول

 

ويظل الشعر يطارد الشاعرة، وفي معظم قصائدها تحتفي به، وتنام في محرابه، وأحيانا أخرى تلعنه، كما في قصيدتها "فلتسامحني الكتابة":

هذه القصائد الكئيبة من أدرانها

يفوح تاريخ مزعج أهملته عيونى

فلتسامحني الكتابة أزج بها في كون تعس

 

نصها الذي عنونت به الديوان "أخلاط الوحشة"، زاخر بالصور الثرية، والمشهدية العالية، والمعاني المختلفة، والمختزلة في قصيدة ناضجة، ممتلئة بالأسئلة:

حين سيجتك بي وأرسلتك في دمي

كانت الأحزان تقتفي رائحتي

وتغرس عيونها في جسمي

وكان أبي يعلو على الوقت القديم

يشرع أصابيع التسابيح

 

في صور متلاحقة مؤثرة، تشيد الشاعرة وطن الشعر، برؤية عميقة للذات، المتدفقة شعراً، تمسح به وحشة قبح الحياة.

 

ديوان "أخلاط الوحشة" يحمل نفس شعري هادئ، دافئ، يشد قارئه، ويدخل به في متعة، تدفئ صقيع الروح الموحشة، وهذه المقالة هي مجرد عرض بسيط لكتاب جدير بالقراءة، لشاعرة مختلفة، ومتميزة بقصائد ونصوص، تدخل الدفء في قلوب قرائها.

 

أخلاط الوحشة

الناشر: مجلس الثقافة العام

سنة النشر: 2006

 

* عن موقع ليبيا جيل

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة