مـخـتـارات

 

اللغـة الليبيـة

 

سيفاو الجادوي

 

 

عند الحديث عن الهوية يجب النظر في مكوناتها الثلاث الرئيسية " حسب وجهة نظري (اللغة، العرق، الثقافة)، وأبدأ معكم مجموعة من المقالات تتحدث عن جزء هوياتي محدد، وهو اللغة (اللغة الليبية) حسب تسمية أسميها بها، فاللغة المنطوقة في ليبيا، لغة مزجية، وليست لهجة مزجية، وأرجو من الجميع الإنتظار حتى إنتهاء عرض أجزاء البحث الهوياتي الخمسة قبل الرد أوالتعليق، وهنا نسال هل لغة الهوية لسانها أم عمودها الفقري ؟

 

نعم تتجاوز اللغة مجرد كونها أداة للتواصل. فهي تشمل مجموع الإطار الاجتماعي بضغوطه ومتطلباته. ولذلك يمكن اعتبارها والثقافة متكافئتين فهما معا تشكلان القوانين والقيم التي على الفرد أن يقبلهما كي يدمج في المجتمع ولا يتعرض للنبذ والتهميش، ويُعْتبَر بالتالي غير سوي.

 

إذا ما من شك أن اللغة تعد احد أهم مكونات الوحدة الشاملة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فلدى دراسة وظيفة أي لغة من اللغات، يمكن الانطلاق من جانبين.

 

الأول يتمثل في اعتبارها أداة للتواصل تمكن الناس من تبادل معلومات فيما بينهم. وهذا المظهر واقعي، ويمكن إدراكه بكيفية مباشرة جدا، غير أنه يعد المظهر الأكثر سطحية في اللغة. ومن شأن الاهتمام به في المقام الأول أن يقودنا إلى الحديث عن الجماعات اللغوية باعتبارها جماعات بينها تفاهم لغوي يمكن ربطه بعناصر اجتماعية أخرى كمستوى العيش والسكن والنشاط المهني، فمن خلال هذا المنظور نرى كيف تتعامل الأنا مع ذاتها وتعرف خصوصيتها وحدود الآخر في فهمها .

 

والثاني يشير إلى أن اللغة هي ما بِه وعبره تتحقق التنشئة الاجتماعية للفرد وهيكلة وجوده الاجتماعي. هذه اللغة التي تدخل الفرد في علاقة مع المجتمع تدرجه في عملية مزودجة حيث يُعترَفُ له بهوية - هوية عضو داخل المجتمع - ويحصُلُ على اعتراف مقابلَ قبول قانون الجماعة. بهذا المعنى، فاللغة تحدد البنية الرمزية للجماعة، أي أنها مقياس انتماء الفرد لهوية الجماعة .

 

إن اللغة هي العمود الفقري للهوية، من هنا نرى أن الأنا ترى نفسها من خلال مرآة اللغة بوضوح، فالأمازيغي الناطق بالأمازيغية لا يرى مشكلة الهوية مشكلة عويصة لأنه يراها بوضوح في لغته، فهو أمازيغي الهوية، أما الناطقين بالعربية فإنهم أمام خيارات هوياتية أكثر، يقول صديق لي، أو لعله قول متداول لا أعرف، عموما، يقول: ما دمت ترتدي الجرد وتأكل البازين والكسكسي فأنت أمازيغي حتى لو لم تكن كذلك (لغويا)، (يقصد إذا كنت لا تنطق الامازيغية).

 

هنا مسألة تعريف الأنا للآخر، فلقد جزم هذا بأن العلامات الثقافية الموروثة دليل على هوية الآخر، ودليل كبير على أن هذا الآخر ما هو إلا أنا بلسان مختلف، هنا أعترض رغم احتمالية صحة النظرية، اعتراضي لحظي، وهو التالي، بما أن الأنا قد رأى نفسه من خلال مرآة اللغة "كجزء" ووضع تعريفا "جزئيا" لذاته من خلال هذه الجزئية إلا وهي لسان الهوية "كجزء"، وجعل من هذا الجزء كلاً يحتويه، إلا يحق للآخر أن يتخذ نفس المسار ؟ .

 

إن اللغة هي كلام البشر المنطوق أو المكتوب، وهي نظام الاتصال الأكثر شيوعا بين البشر، يقول الباري عز وجل، بسم الله الرحمن الرحيم (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان).

 

وتوجد اللغة أينما تواجد المجتمع البشري، ولم يختلف العلماء في مسألة كمقدار اختلافهم في مسألة نشأة اللغة وتداخل اللغات، وتأتي المسألة الأمازيغية في قمة الاختلافات لما لها من أبعاد سياسية واقتصادية وعرقية، وتراكمات تاريخية، إلا أننا سنحاول وضع مسار مبدأي في محاولة منا لرسم إجابة للسؤال، كيف نشأت اللغة بصفة عامة، والأمازيغية خصوصا ؟.

 

في البداية لا احد يعرف كيف ومتى بدأ اللغة كوسيلة تخاطب بشري، لكن الدليل الفعلي الوحيد كان الكتابة رغم تأخر ظهورها كما يبدوا عن بروز اللغة المنطوقة، وأقدم الكتابات كانت.

 

1 : الكتابة الصورية السومرية 3500 ق م

2 : الهيروغليفية المصرية 3000 ق م

3: الصينية المكتوبة 1500 ق م

4 : التيفيناغ الامازيغية 1000 ق م " وهنالك أبحاث تضعها أقدم من ذلك بكثير "

5 : الإغريقية 1400 ق م

 

هنالك نظريتان حول نشأة اللغة لسنا بصدد دراستهما لكن وجدنا انه من المفيد الإشارة اليهما، الأولى تقول أن اللغة توقيفية أي أنها هبة من الله والأخرى تقول أنها اصطلاحية أي مكتسبة، ويميل الرأي إلى النظرية الأولى، قال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها).

 

كما أخذت النظريات أبعادا أخرى من ناحية التوافق بين اللغات والالتقاء في نقاط لغوية نذكر منها:

 

نظرية: المحاكاة، وهذه النظرية تقول بان اللغة نتجت عن محاكاة اللسان للطبيعة أو كما يصطلح عليها paw wow theory وقد أشار لها ابن جني الذي قال (وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما الأصوات المسموعة، كذوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، ونحو ذلك وثم ولدت اللغات عن ذلك) وكان الفلاسفة الأبيقوريون في اليونان في القرن الرابع هم أول من آمن بهذه النظرية وأيدها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو والألماني ماكس موللر والفرنسي أرنست رينان.

نظرية التنفيس عن النفس: والتي تقول أن أصل اللغة غريزة إنسانية تحمله على التعبير عن مشاعره بطريقة صوتية، وعللوا هذا بأدلة أنماط التفاعل البشري كالتأفف عند الإزعاج والشهيق عند الفزع وقد لاقت هذه النظرية قبولا لدى علماء بارزون مثل جسبرسين ود عبد الواحد وافي ود إبراهيم أنيس.

 

هنا نصل لنظرية التطور اللغوي والتي يبدو أن معظم هؤلاء ينتمي الى مدرستها، في محاولة إثبات إن الأمازيغية ليست إلا تطورا للعربية، فلنأت الآن لسرد مبادئ وأساسيات هذه النظرية.

 

نظرية التطور اللغوي: تأثر واضعوا هذه النظرية بنظرية الإلحاد (التطور العام لداروين) والتي حاول إن يبرهن على أثرها في جميع النواحي عامة، وفي حياة الفرد والنوع الإنساني خاصة.، بان الإنسان عندما اشتد وسار على قائمتيه تغير تركيب خلايا مخه بدرجة مكنته من استخدام الخلايا المخية التي تتحكم في أعضاء الكلام استعمالا كاملا !! .

 

هنا نقفز عن الأسس الثلاثة لدراسة هذه النظرية والتي أسسها جسبرسين وهي مراحل التعلم اللغوي لدى الطفل، لنصل إلى الدراسة التاريخية للتطور اللغوي حسب من اعتقدوا بصحة النظرية، حيث وجه الباحثون جهدهم في الدراسة التاريخية بطريقة عكسية، حيث يبدأون بدراسة لغات العصر ثم يعودون جيلا جيلا إلى الوراء وقرنا بعد قرن مستخدمين معلومات عن حال اللغات في العصور الماضية من النصوص اللغوية والمستندات التاريخية ليقوموا بمقارنات يستنبطوا منها قوانين وقواعد التطور !!

 

فمثلا (وقد اخترت هذا المثال بعيدا عن الأمثلة ذات العلاقة بالقضية الامازيغية التي هي مركز بحثي، هذا ولكم الحكم والمقارنة)، تقارن اللغة الإنجليزية الحالية بذات اللغة في زمن شكسبير تم تأول الكلمات المتفقة مع لغة عصر جيفري شويسر ثم بالألمانية القديمة، مثال أخر هو في مقارنتهم اللغة الهندية الحديثة بالنصوص التي أثرت عن اللغة السنسكريتية ويقارنون اللهجات العربية الحديثة بالقديمة فإذا تجمعت لديهم عن طريق المقارنات التاريخية قاعد عامة للتطور اللغوي، أمكن تطبيق تلك القواعد على عصور ما قبل التاريخ ونشأت العائلات اللغوية.

 

إن استناد النظرية على مبدأ التطور دليل على بطلانها، بسم الله الرحمن الرحيم (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، يقول الإمام جلال الدين الأسيوطي في كتاب المزهر في علوم اللغة وأنواعها (إن بحثها في الأصول فضول) أي زيادة عن المطلوب، كما إن الجمعية اللغوية في باريس قررت عدم مناقشة الموضوع نهائيا وعدم عرضه في جلساتها.

 

 

2

بعد المقدمة التوضيحية الأولى، فرغم اتفاقنا على مبدأ تطور اللغة نتيجة للصراعات البشرية والتداخل اللغوي، إلا أن هذا لا يجعل مسار النظرية المسبوقة سليما، فاللغات تتطور بالاحتكاك المباشر أو الاندماج البشري والحضاري، كنتيجة تكيفية لهجرة الشعوب وتزاوجها وحروبها، فنتيجة البحث العلمي التاريخي لمعطيات التاريخ والانتروبولوجيا وضعت مبادئ أساسية لملامح لغات المجتمعات الأولى.

 

1: اللغات لا تعرف مراحل الولادة والنضج والازدهار ثم الشيخوخة كما هو حال الأشكال الحياتية .

2: لا يحدث في تاريخ اللغات أي نوع من الإنفجارات أو الظهور المفاجئ للغات جديدة .

3: إن تطور اللغة، والتحولات التي تطرأ عليها، تتم دون إن يحدث انقطاع في ديمومة اللغة، بالإضافة إلى وثائر هذه التحولات تتغير في العصور المختلفة فقد تمر فترة تظل فيها بنائات اللغة تابثة خلال ألف سنة تم تطرأ تغييرات كبير في هذا البناء في مائتي سنة كتغيير نظام الأفعال في اللغة الروسية بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، أو تبدل النظام اللفظي للصوتيات في اللغة الإنجليزية بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

4: أن المفردات تتغير حتى مع بقاء القواعد الرئيسية كما هي ومن أمثلة ذلك أن البناء القواعدي للغة الامازيغية لا يزال كما هو بينما تغيرت المفردات المعربة التي عجز المجتمع المدني الذي غمر بموجة التعريب عن إيجاد بدائل أمازيغية لها، كما هو الحال مع العربية الفصيحة التي اجتاحتها موجة العامية.

5: أن هنالك تزاوجا وصراعا بين اللغات لا يمكن إنكار أثاره وتجاهل قيمته وأسبابه.

 

هنا نأتي لنقطة صراع اللغة، ومرة أخرى نرى بطلان النظرية الخشيمية التي تقول بتعريب الكون، قال الباري عز وجل (ولولا دفع الناس بعضهم لفسدت الأرض)، هذا دليل الاهي على أن سنة الحياة جرت على التشابك البشري والاختلاط، وان العلاقات الإنسانية والاقتصادية والثقافية بين بني البشر هي في تدافع مستمر.

 

ويأخذ التدافع صوراً متعددة منها: التعاون، السلام، والعداء والحروب، كل هذا يشمل تأثيرا في اللغة، ويجب أن نعلم أن وجود لغة واحدة في الكون لا يمنع الصراع فقد كان قابيل وهابيل ابنا آدم يتكلمان لغة واحدة لا ريب، وقتل أحدهما الآخر، إذا كثرة اللغات رحمة بقدر ما هي نعمة الاهية.

 

فكما كان التصارع بين أبناء اللغة الواحدة، فقد تصارع قادة روما ماريوس وسولا وانطونيوس واوكتافيوس وقيصر وكانوا جميعا يتكلمون لغة واحدة ومن ناحية أخرى كانت التفاهم اللغوي قائما بين دعاة الوحدة والانفصال إبان الحرب الأهلية الأمريكية والبلشفيين والقيصريين في روسيا وبين الملكيين والجمهوريين في أسبانيا.

إذا نرى أن المسألة الوجودية تتخطى حدود الإخلاف اللغوي الذي ليس الحاجز الوحيد أمام التفاهم الإنساني.

هنا تجدر الإشارة إلى تأثر اللغة بمسارات التاريخ والهجرات والحروب، ونضع مثالين الأول، فتوح الرومان في وسط وجنوب أوروبا حيث تغلبت اللاتينية على اللغات الأصلية في إيطاليا وبلاد الغال أسبانيا.

 

والمثال الثاني، الفتوح العربية لمصر والشمال الإفريقي، حيث لم تتم السيطرة اللغة للعربية لا على القبطية ولا على الامازيغية إلا في وقت متأخر بل أن الأمازيغية تعدت القبطية وبقيت لغة متداولة إلى يومنا هذا رغم مساحة السيطرة العربية الموجودة، فقد ظل انتشار العربية بطيئاً في مصر طوال القرن الأول الهجري إلى حدود سنة 87 هجري في ولاية عبد الله بن عبد الملك الذي أمر الدواوين فنسخت بالعربية بدلا عن اليونانية فبقيت القبطية لغة محادثة حتى اختفت في حدود القرن الرابع، على عكس الامازيغية التي ظلت حتى يومنا هذا متداولة كلغة تحادث بعد أن اتخذ المجتمع الامازيغي سبل حماية اللغة باتخاذ سياسات لسنا بصدد طرحها في سردنا البحثي هذا، كمسالة عدم التزويج، أو الإنطواء تحت عامل ديني أباضي يحمي الثقافة الامازيغية داخله داخل الإطار الديني المسلم، وهذه أمثلة صغيرة لسنا بصدد الخوض فيها .

 

نعود لموضوعنا الحثي عن اللغة، فلدى دراسة وظيفة أي لغة من اللغات، يمكن الانطلاق من جانبين، الأول يتمثل في اعتبارها أداة للتواصل تمكن الناس من تبادل معلومات فيما بينهم. وهذا المظهر واقعي، ويمكن إدراكه بكيفية مباشرة جدا، غير أنه يعد المظهر الأكثر سطحية في اللغة. ومن شأن الاهتمام به في المقام الأول أن يقودنا إلى الحديث عن الجماعات اللغوية باعتبارها جماعات بينها تفاهم لغوي يمكن ربطه بعناصر اجتماعية أخرى كمستوى العيش والسكـن والنشاط المهني، والثاني يشير إلى أن اللغة هي ما بِه وعبره تتحقق التنشئة الاجتماعية للفرد وهيكلة وجوده الاجتماعي. هذه اللغة التي تدخل الفرد في علاقة مع المجتمع تدرجه في عملية مزدوجة حيث يُعترَفُ له بهوية - هوية عضو داخل المجتمع - ويحصُلُ على اعتراف مقابلَ قبول قانون الجماعة. بهذا المعنى، فاللغة تحدد البنية الرمزية للجماعة، هنا سؤال، أوليست اللغة الامازيغية هي المصدر الإثرائي الأول للهوية الأمازيغية ؟، من هنا يمكننا إدراك البعد الرئيسي لحملة القومجية العروبية، وهي التطهير اللغوي في إطار مسح الهوية، فمنطقة شمال أفريقيا كانت وما تزال الموطن الأصلي والأساسي للأمازيغ عبر عشرات القرون، في حين جاء إليها العرب مع الفتح الإسلامي وفي موجات لاحقة وخاصة بعد انهيار آخر دولة إسلامية في أسبانيا.

 

لقد واجه الأمازيغ القدامى قدوم موجات بشرية كبيرة ابتداءاً من الفينيقيين والإغريق والرومان ثم العرب منذ الفتح الإسلامي للمنطقة، وانتهاء ًبحملات الإستعمار الأوربية منذ القرن التاسع عشر، وكان المحتلون المتعاقبون يبذلون أقصى الجهود لاحتواء سكان البلاد الأصليين وصهرهم في لغتهم وثقافتهم وديانتهم وحضارتهم. ولم ينجح في ذلك إلا العرب نسبيا، بسبب تبني سكان هذه المنطقة الدين الإسلامي والمشاركة فيما بعد في الدفاع عنه واعتباره جزءاً من هويتهم الثقافية ذات الأوجه المتعددة. ومع أن الأمازيغ قد تبنوا في مختلف مراحل التاريخ لغة وثقافة وأحيانا ديانة الشعوب القادمة إلى مناطقهم أو التي اجتاحتهم، فأنهم حافظوا على عدد كبير من المسائل الأساسية التي ما تزال تميز عادات وتقاليد وطقوس الأمازيغ في البلدان التواجد الامازيغي، ونعني بها ما يلي:

 

1. استمرار وجودهم كمجموعة بشرية تنحدر من قبائل أمازيغية ضاربة بالقدم تقطن هذه المنطقة؛ واستقرارهم ضمن مساحات مقفلة ترفض الانصهار في بوتقة الفوج القادم .

 

2. المحافظة على اللغة الأمازيغية كتابة وقراءة، رغم ضعف العناية بها خلال عهود عديدة وعدم تطورها المناسب وفق التطور الجاري في اللغات الأخرى؛ إلا أن اللغة بقيت لغة الحوار في المجتمع الامازيغي .

 

3. استمرار وجود وتطور الثقافة الأمازيغية، بما فيها العادات والتقاليد والأعياد والتراث المشترك المتراكم عبر تاريخ مشترك، علماً بأن الكثير من هذا التراث غير مكتوب، بل كان وما يزال يتم تناقله شفاها وهو محفوظ في الصدر وعبر ممارسته العملية من قبل الأجيال المتتابعة

 

وإذا كان الأمازيغ قد حافظوا بهذا القدر أو ذاك وبشكل متباين ومن منطقة إلى أخرى في الشمال الأفريقي، على وجودهم ولغتهم وثقافتهم، فأنهم عجزوا في واقع الأمر عن المشاركة الفعالة في تطوير لغتهم وثقافتهم الأمازيغية المكتوبة، إذ استمرت ولفترة طويلة، وهي ما تزال تعاني من ضعف كبير في التعبير عن الحداثة الراهنة والتكيف معها. ولا يتحمل الأمازيغ تبعات أو مسؤولية ذلك، بل تتحملها حركات المد القومجي التي تعاقبت على حكم المناطق المختلفة من شمال أفريقيا على امتداد قرون طويلة والتي مارست سياسات مناهضة ومعرقلة لتطوير وإغناء اللغة والثقافة الأمازيغية، بما فيها سياسات التعريب، وفي فترة الهيمنة الفرنسية مورست سياسة الفرنسة أيضاً في مناطق الاستعمار الفرنسي .

 

لم يواجه الأمازيغ في دول تواجدهم عقدة اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية طيلة قرون خلت، إذ أنهم كانوا يتعاملون معها من خلال الدين الإسلامي الذي تبنوه وساهموا بفعالية مشهودة في تكريسه وترسيخه في المنطقة، كما شاركوا بشكل متميز في النضالات المناهضة للاحتلال لبلادهم. ولكنهم وبمرور الزمن واجهوا حالتين ملموستين أولا محاولات جادة ومتواصلة لتعريبهم وفرض العروبة عليهم وكأن. أي أنهم واجهوا محاولات غير منقطعة لصهرهم في المجتمع والحضارة أو الثقافة العربية، ومحاولة الدمج بين الإسلام والقومية العربية وكأنهما شيء واحد، وهما ليس كذلك، رغم كون لغة القرآن هي العربية، إذ أن القوميين العرب سعوا إلى تكريس شعار محدد رفع على امتداد عقود عديدة هو "العروبة والإسلام" معا، وأهمل كلية موضوع الأمازيغية أو موضوع العرب من غير المسلمين في بلدان أخرى؛ وثانيا واجهت الجماهير الأمازيغية جحودا من مجموعات من القوميين العرب المتسمين بالتعصب القومي والعنصرية، وفي عدم تقدير أهمية مشاركتها في النضال وفي دعم الإسلام، وكذلك في إنكار دور القادة الأمازيغ الذين شاركوا في الدعوة والفتوحات الإسلامية، إذ أن العرب دأبوا على تسمية القادة العسكريين من أصل أمازيغي في الإسلام على أنهم قادة عرب بدلا من القول بكونهم من القادة المسلمين الأمازيغ كما هو واقع أو حقيقة هؤلاء القادة.

 

من هنا يطرح سؤال آخر هل للغة تأثير على مسارات التاريخ وتكوين اللبنة التكوينية للدولة والأمة حتى تأخذ مسألة التطهير اللغوي كل هذه المساحة ؟ .

 

 

3

نعود لمسألة تعريف اللغة من هذا البحث وما تفضي إليه اللغة كما أسلفنا الذكر في الجزء الأول، فاللغة تتمثل في اعتراف الجماعة بالفرد باعتباره أحد أعضائها، الأمر الذي يُمَكِّنُه من معرفة أنه فرد، فالفرد لا ينال هذا الاعتراف إلا مقابل قبوله لغة الجماعة، أي قبول ما يُمنَح له من كلمات بأصواتها، ومعانيها، وقواعدها. وكل هذا يمثل في الواقع قانونا وإطارا وتصورا - للعالم المحيط بالفرد - مفروضا ومحددا مسبقا. ورغم أن هذا القانون المفروض على الناشئ اللغوي يبدو طبيعيا، فإنه في الواقع تخطيط في منتهى الدقة تفرضه اللغة على تلقائيته، وتفرضه الثقافة فيما وراء ذلك. ونقصد هنا بالثقافة مجموع القيود التي تفرضها الحياة الاجتماعية.

 

يتضح مما سبق أن اللغة تتجاوز مجرد أداة للتواصل. فهي تشمل مجموع الإطار الاجتماعي بضغوطه ومتطلباته. ولذلك يمكن اعتبارها والثقافة متكافئتين فهما معا تشكلان القوانين والقيم التي على الفرد أن يقبلهما كي يدمج في المجتمع ولا يتعرض للنبذ والتهميش، ويُعْتبَر بالتالي غير سوي. إذا ما من شك أن اللغة تعد احد أهم مكونات الوحدة الشاملة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وفي هذا الصدد نعرض نماذج من المدنيات الأخرى والدول الحديثة للتدليل على العامل اللغوي في البناء المدني بعيد عن التقييم الأخلاقي والحضاري ومسالة التعريب وأزمة الهوية والامازيغية، ومنها يمكننا معرفة مدى أهمية العامل اللغوي في التركيبة الأساسية للهوية .

 

ففي طريق تحقيق الاتحاد السوفييتي عملت الحكومة على فرض اللغة بالقوة بما سمي بالتطيهر اللغوي في موازاة التطهير الديني والعرقي للوصول الى الوحدة الاجتماعية والسياسية وفي كوريا كان أول مرسوم بعد انتهاء احتلال اليابان لها حظر تداول لغة المحتل .وفي الصين كان أول قرار بعد نجاح (ماوتسي تونغ) في عام 1949م التوحيد اللغوي وقد اختاروا اللغة الخانية لغة بكين، وفي فرنسا فرضت الحكومة الفرنسية اللغة بالقوة ـ في المدارس ـ وكانوا يسخرون بل يطردون الذي يتكلم باللهجة المحلية، حتى في الأراضي المحتلة استطاع الصهاينة في مشروعهم إحياء اللغة العبرية الميتة منذ إلف سنة من خلال ثلاثة عوامل عامل التخاطب والعامل السياسي (القومي) والعامل الديني (التربوي) .

 

نصل الآن الى دراسة ما يعرف باللسانيات ونتخصص في بحثنا في اللغة الأمازيغية ولنبدأ كبداية بإجابة الأسئلة التالية ٠ ما هو علم اللسانيات ؟

 

اللسانيات علم بقي يتخبط في اعتبارات منهجية لا تمت إلى العلم بصلة، مثل أصل اللغة، وتاريخ الأسر اللغوية والمقارنة بين اللغات ٠ هذا هو الحال عندنا على الأقل لكن لو قورن الأمر بالغرب فإننا حين نرى حال اللسانيات العامة في أغلب الدول المتطورة، نجد أنها أصبحت تدْرَس بأحدث الوسائل الفيزيائية والإلكترونية والمعلوماتية، وأصبحت نتائجها تستغل في مجالات تكنولوجية عدة، مثل البحث في هندسة اللغة، والتركيب الاصطناعي للكلام والاستكشاف الآلي له بتنطيق الأجهزة وخاصة الحاسوب ٠

 

الفضل للتقدم والتغير في مسار دراسة علوم اللسانيات يعود للعالم فرديناند دو سوسير المسمى بأبي اللسانيات في نهايات القرن التاسع عشر ٠

 

حيث قام بتحديد المنهج الذي يجب أن يسود الدراسة اللسانية التي يدعو إليها من خلال تمييزه بين اللسانيات القارة واللسانيات التطورية linguistique statique et linguistique évolutive ٠

 

حيث يمثل الأول الدراسات الآنية التي يجب أن تنصب على الظواهر الوصفية المطلقة ٠

 

أما الثانية فهي التي تتبع تطور الظواهر اللسانية عبر الزمان، والبحث عن العوامل المؤثرة فيها٠

 

وبذلك "فقد صاغ وأوضح ما اعتبره اللغويون السابقون أمراً مفروغاً منه أو تجاهلوه، وهو البعدان الأساسيان الضروريان للدراسة اللغوية ٠

 

البعد الأول هو الدراسة التزامنية synchronis التي تعالج فيها اللغات بوصفها أنظمة اتصال تامة في ذاتها في أي زمن بعيد٠

 

والبعد الثاني هو الدراسة التعاقبية [التاريخية] diachronic التي تعالج فيها تاريخياً عوامل التغيير التي تخضع لها اللغات في مسيرة الزمن.

 

ولقد كان إنجازاً لسوسير أن يميز بين هذين البعدين أو المحورين لعلم اللغة,٠ البعد التزامني الوصفي والبعد التعاقبي التاريخي، وكل منهما يستخدم مناهجه ومبادئه الخاصة به وأساسياته في أي مقرر تعليمي ملائم للدراسة اللغوية أو التدريس اللغوي.

 

تمثل اللغة وسيلة هامة لتصنيف شعوب أفريقيا. فهي تؤلف معياراً له مغزى أساسي على شعور الفرد بالهوية والانتماء إلى مجموعة.

 

إلى جانب ذلك فان لها صلاحية تاريخية طالما أننا نحصل على معرفتنا بلغتنا الأولى من الأعضاء الآخرين لتلك المجموعة التي تنتمي لها بالميلاد أو التنشئة.

 

يوجد اتفاق إلى حد بعيد بين علماء اللسانيات بشأن عائلات اللغات الأساسية في أفريقيا حيث تنتمي اللغات المتحدث بها اليوم في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية للقارة إلى العائلة الرئيسة المعروفة عموماً باسم "الآفرو-آسيوية" أو "الاريترية". وتضم هذه العائلة لغات الأمازيغ في شمال أفريقيا، واللهجات الكوشية المتمركزة في إثيوبيا والصومال، وكذلك اللغات السامية واسعة الانتشار التي تنضم إلى عضويتها الحالية اللغات العربية والامهرية والعبرية.

 

إلى الجنوب تبرز منطقة غير منتظمة التشكل تغطي جزءاً كبيراً من وسط الصحراء وجنوبها بالإضافة إلى جنوب سودان وادي النيل، وجزءاً من السافانا المحيطة الممتدة إلى أجزاء من شرق أفريقيا حيث تصنف اللغات الحالية في غالبها بحسبانها نيلية-صحراوية، مع تفرعاتها الرئيسة النيلية والسودانية. ويعتقد بعض علماء اللسانيات أن السونجهاي، التي تشكل لغة التحدث حول منحنى النيجر، تنتمي بصلة قرابة للمجموعة النيلية-الصحراوية. يمكن أن يكون التوزيع الشظوي الحالي للغات النيلية - الصحراوية مؤشراً على كون تلك اللغات كانت منتشرة في السابق على امتداد منطقة أكثر اتساعاً.

 

تنتمي معظم اللغات الحالية في غرب أفريقيا لعائلة لغات النيجر-الكونغو التي يمكن تمديدها لتشمل اللغات الكردفانية المتحدث بها في غرب سودان وادي النيل. طورت تلك اللغات امتداداً معلوماً في غرب أفريقيا. من جانب ثان فان توزع مجموعة فرعية واحدة من لغات النيجر - الكونغو يمتد ليشمل أجزاء أكبر من وسط أفريقيا وجنوبها باستثناء أقصى الجنوب الغربي الذي تسود فيه لغات البانتو. ويلاحظ انه رغم كبر منطقة انتشار لغات البانتو فانها تظهر درجة شبه قوية نسبياً بعضها بالأخرى. يقارب الحد الجنوبي للغات البانتو التخوم الشمالية للقطاع الغابي الاستوائي. وفي القطاع الغابى للسافانا تنتمي لغات اواماوا والاوبانجي إلى عائلة النيجر-الكونغو.

 

 

4

بعد هذا السرد التحليلي عن اللغة عامة – في اجزاء البحث الثلاثة السابقة -، نتخصص في الحديث عن اللغة الليبية، أو ما أسميه إصطلاحا "اللغة العامية" المتداولة بين الناس .

 

هنا نسأل أين يأتي التعريف اللغوي لهذه الهوية و كم من الحجم ينال هذا التعريف اللغوي ؟ ونسأل هل هذه التعريفات اللغوية تلحقها تباعا ومنطقيا تعريفات عرقية قومية ؟

 

كما أسبقنا الذكر، إن اللغة أداة للتواصل تمكن الناس من تبادل معلومات فيما بينهم. وهذا المظهر واقعي، ويمكن إدراكه بكيفية مباشرة جدا، غير أنه يعد المظهر الأكثر سطحية في اللغة. ومن شأن الاهتمام به في المقام الأول أن يقودنا إلى الحديث عن الجماعات اللغوية باعتبارها جماعات بينها تفاهم لغوي يمكن ربطه بعناصر اجتماعية أخرى كمستوى العيش والسكـن والنشاط المهني، والثاني يشير إلى أن اللغة هي ما بِه وعبره تتحقق التنشئة الاجتماعية للفرد وهيكلة وجوده الاجتماعي. هذه اللغة التي تدخل الفرد في علاقة مع المجتمع تدرجه في عملية مزدوجة حيث يُعترَفُ له بهوية - هوية عضو داخل المجتمع - ويحصل على اعتراف مقابل قبول قانون الجماعة .

 

إذا اللغة لدى الإنسان هي طريقة التعبير التي يلفظها ويتفاهم بها مع أبناء جنسه من البشر، أي أنها تعتبر نوعا من أنواع التفاهم القومي الواحد، ويمكن إطلاق صفة القومية الواحدة للمتحدثين بذات اللغة، أي أن الناطق بلغة ينسب لذات قومية اللغة، وهذا منطقي لكنه ليس واقعيا، فاللغة حسب وجه نظري أمر مكتسب، يكتسبه المواطن وفق المكان والزمان الذي يعيش فيه، لا وفق عرقه، فالهندي الأحمر يتكلم الآن الإنجليزية ويمكن اعتبار اللغة الهندية القديمة لغة ميتة، لكن هذا لا يجعله إطلاقا منتمي للقومية الأنجلوسكسونية، يقول الله تعالى :(قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيبَ السموات والأرض وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون) . (آية 33، البقرة) .

 

فاللغة إذن، خُلقت للإنسان ليتكلم بها، ولا شأن له في كيفية خلقها، أو في سنة وجودها، فهي ليست من صنعه، وليست وليدة اختراعه، هذا من الناحية الفلسفية الدينية، ومن هذا المنظور نرى أن الإنسان مخلوق عرقي مكتسب للغة من يعيش معهم وليس بخالق لها، بل هو مكتسب لمخلوق، إذا اللغة علامة هوياتية وليست كل الهوية فاللغة مصنوعة مكتسبة جزئيا، وموروثة لا دخل لقدرة الإنسان على الخلق من جهة أخرى .

 

لنتحدث الآن عن اللغة والتشابك اللغوي ومدى تأثير هذه اللغة على الهوية ومحاولات إلباس البعض زي القومية اللغوي للهوية كبديل للزي القومي الحقيقي والذي هو أيضا لا يجب إلباسه للهوية كزي وحيد، فالناطق بالأسبانية ليس أسبانيا على سبيل المثال، ولا يمكن أن نطالب دول الجنوب الأمريكي – أمريكا اللاتينية – لا يمكن أن نطالبها بأن تخضع بالطاعة للتاج الملكي الأسباني فقط لأنها تتكلم هذه اللغة، فقوميتها ليست أسبانية إطلاقا رغم كونها ناطقة باللسان الأسباني وبطلاقة. ولنتحدث بالتفصيل عن الدولة الليبية الآن، اللغة الرسمية في ليبيا هي العربية – اللغة المدرسة على الأقل في النظام التعليمي والمستخدمة في وسائل الإعلام الموجهة -، لكنها ليست اللغة المنطوق بها إطلاقا، بل هنالك ما يعرف – حسب وجهة نظري - باللغة العامية وهي ليست لهجة بل لغة خلقت ليعبر بواسطتها الشعب الليبي عن هويته، فاللغة الإنجليزية مثلا لا ينطبق عليها هذا الحياد في القواعد الحاصل في العربية، فالإنجليزية هي ذاتها بقواعدها الثابتة سواء في إنجلترا أو اسكتلندا أو أيرلندا أو الولايات المتحدة وكندا، فهنالك لهجات إنجليزية، كاللهجة الاسكتلندية أو الأيرلندية، وذات الشيء ينطبق على الأسبانية، فلا وجود لفرق بين اللغة المتحدث بها في بوليفيا أو الأرجنتين أو أسبانيا، أما في لغة المحادثة الليبية فإن الحياد الكبير عن قواعد العربية يجعل اللغة العامية المنطوقة لغة لا لهجة، لها قواعدها المزجية بين اللغات الأصلية المكونة لكل الهوية المختلف، فاللغة العامية الليبية مزيج بين ثلاث لغات بنسب متفاوتة، العربية ولها نصيب كبير لأسباب لسنا بصدد الخوض فيها لكن نذكر منها السبب الأهم وهو الديني وبنسبة أقل السبب السياسي التعريبي، ثم الأمازيغية بنسبة كبيرة وخاصة عند الحديث عن قواعد النحو والصرف العامي والمصطلحات العامية أيضا - أي اللغة المتداولة -، الإيطالية بنسبة ضئيلة لا يجب إهمالها على الرغم من ضآلتها حيث تقتصر على بعض المرادفات والمصطلحات المستخدمة للتعبير في بعض النشاطات الحياتية .

 

وأسرد هنا أمثلة حول تركيبة هذه اللغة، "ساعدني في تجميعها صديق لي"، فمثلا نقول في العامية "فلوس متاع محمد" (متاع = أداة إضافة) ولا نقول إطلاقا "أموال محمد" وتنطبق تماما على صيغة الإضافة في الأمازيغية "ئدريم ن موحمد" (نـ = أداة وهذا مساو لـ إضافة = متاع)، وأيضا النفي في العامية هو نفسه في الأمازيغية، ينفي الفعل بوضعه بين وحدتين "أور" أو "ول" ... مثل "أور سويغ ش" أو "ول سويغ ش" في الأمازيغية، (ما شربت ش) في العامية بينما ينفي في العربية بأدوات تسبق الفعل (لم، لا، لن، حسب الحالات) وفي حال هذا المثال الجملة العربية يجب أن تكون (لم أشرب) وهذا لا نجده في اللغة العامية، والملاحظ أيضا أن شبه الجملة في اللغة العامية تنفي مثل الفعل لأن في الأمازيغية الفعل وشبه الجملة ينفيان بنفس الطريقة مثل "ول غري ش" "ما عندي ش"بينما في العربية الفصحى تنفي بالأداة "ليس" "ليس لدي" .

 

كما لا يوجد مثنى في اللغة العامية مثل الأمازيغية تماما مثل "أشربوا = ئسوت" لإثنين أو أكثر بينما في الفصحى يفرق بين المثنى والجمع "أشربا" للإثنين و"أشربوا" لأكثر بينما في المثنى تأتي كلمة "لسنين" الإثنين أو "تسنتين" الإثنتين كما هو حال اللغة الإنجليزية "the tow of you" ففي العامية نقول "إشربو أنتم الزوز" وهي ترجمة حرفية لجملة "ئسوت شكون اللسنين".

 

أيضا البداية بالساكن، فنحن لا نقول مطر، بل نقول ئمطر، ولا نقول ماء، بل نقول "ئمية" أي البداية بحرف ساكن تتبعه مجموعة من الأحرف الساكنة، وهي قاعدة نطقية أمازيغية صرفة، ففي العربية تجب البداية بحرف متحرك. كما يمكننا أن نشير إلى أن كثيرا من دلالات الدارجة مقتبسة من الأمازيغية مثل "غيل" (الذراع) الذي يدل في كل من الأمازيغية والعامية على القوة " نقول بالعامية "دار عليك الذراع" = "ييكَو فلاك غيل" أي إستعمل القوة، وهنالك أمثلة عديدة على ذلك فمثلا "روح ألعب على روحك"، "يضرب لي التيليفون"، "يضرب هذي بهذي"، "أوقف على روحك"، "أجري على روحك"، "ما مشيتلاش"، إلى غير ذلك من التركيبات العديدة. فلو قمنا بتحويل هذه الجمل لوجدناها ذات بنية وتركيب أمازيغي. فالجملة الأولى ترجمة حرفية للجملة الأمازيغية "وكَر أورار أ ف ئمنانك" وفي الجملة الثانية يقال بالعربية "يهتف لي" وليس "يضرب لي"، وفي الثالثة "يضرب هدي بهذي" تدل على الحكمة وحسن التصرف وهي ترجمة حرفية للجملة الآمازيغية "يوكَات توها دي تيها"، وكذا الحال مع "أوقف على روحك" فإنها تدل على الاستعداد للعمل والتغلب على المشاكل ومواجهة الأخطار وهي ترجمة حرفية (ؤدد أف يمانك) و"اجري على روحك" لها دلالة ألاهتمام بالذات وتجنب ما لا تحمد عقباه والتخطيط للمستقبل وهي أيضا ترجمة حرفية (ازل أف ئيمانك).

 

نجد إن بعض من كلمات الامازيغية بقيت فى اللغة العامية الليبية وشكلت أساس فى تكوين تعابير المحادثة اليومية، وهذا يدل على إنه فى الماضى كانت المحادث بالامازيغية بين الليبين فكيف نفسر كون الليبى فى الشرق يتحدث بنفس قواعد وأسلوب مثل الليبيى فى الغرب والجنوب، مع علم إنه قد حدثت كثير من تغيرات بأسباب التعريب فى التعليم وسيطرة الثقافة الشرقانية فى الحياة اليومية الليبية. فمثلا جملة "غير وين ماشي يا فلان " ليست إلا ترجمة حرفية لجملة "غر ماني هاتوكورد" فحرف غر أمازيغي يعني إلى أو عند، وجملة "بعد ئن نكتبو هكي" هي ترجمة حرفية لجملة "بعدين أناري ساه" وكذلك جملة "تعالى نفرن لك" "آسد أك فرنغ" أمازيغية فكلمة فرن تعمي الإختيار، وأيضا جملة "سا كّر ضي" هي ترجمة حرفية لجملة "سكل تافويت" فساكّر = فى الاصل (سكل) التي تعنى بالامازيغية تحول أو تغير، حيث نجد كلمة (اسمّسكل) تعنى التبديل مركبة من كلمة (اس) التي تعنى اداة و (ام) فعل (سكل) التحول اى مجتمع معا التبديل، وارى إن هذا تعبير هو صحيح للمتحدثين بالامازيغية يقولون ئكيل تافويت، خاصة عند غلق الاضاءة يحدث تحول من حالة فتح الى حالة الغلق كما نجد هذا تعبير فى الإنجليزية حيث يقال switch off the light وليس close the light. وأيضا جملة "ييوري فيا في حاجت" هي ليست إلا ترجمة لجملة "ئتسكن ديد دي تغوساوين" حيث وجب القول بالعربية " يريني أشياء " فلا مكان للحرف " في " في الجملة، وجملة "سولتك بالله" هي ترجمة لجملة "سويل غاك سـ الله". كما اننا نعلم إنه فى العربية للتعبير عن نهاية شئ او أشياء يقال مثلا انتهت من الأكل، لكنّنا نرى أن اللغة العامية متاثرة ومقيدة بقواعد الامازيغية لتعبير عن مثل هذا الشئ، فمثلا نقول "كملت الفلوس" "تسميدد ئدريم" أو "كملت الماكلة" "تسميدد ؤتشو".

 

أيضا نرى أن الحرف "فى" يدخل فى تعابير فى حالة جملة تبدأ بفعل الحاضر، وهذا فى قواعد اللغة العربية غير صحيح إطلاقا، فمثلا نقول "يشرب في ميا" ولا نقول "يشرب الماء" وهي ترجمة لجملة "يساو دي آمن"، مثال آخر نقول "يعطي في حاجات" "ئيفك دي تغوساوين" ولا نقول "يعطي أشياء". نرى أيضا قاعدة المشار إليه الذي يسبق أداة إشارة فأسماء الإشارة غالبا تلحق المشار إليه، على خلاف اللغة العربية حيث أداة الاشارة تسبق المشار إليه مثلا "هذا الرجل"، لكن فى اللغة العامية نراها تتبع نفس قواعد الامازيغية وهذا يخالف العربية. "ئراجل هذا وين جي" "أركاز ؤها ماني يوسد"، مثال آخر حيث نقول "وين ئراجل هذا" وهذا ترجمة لجملة "ماني أركَاز ؤها" فلا نقول "أين هذا الرجل" بل أن حرف الإشارة يأتي بعد المشار أليه لا قبله كما هو الوضع الصحيح في قواعد اللغة العربية .

 

إن الترجمة الحرفية لتعابير من اللغة الأمازيغية إلى اللغة العامية الليبية يتعدى الأمثلة السابقة الذكر، حيث نرى أن لها تأثير واضح يمكن ملاحظته في الأمثلة آلاتية والسابقة. "ﮔـاعد فى فم لـ حوش" "يلا دي ئيمي نـ تادارات"، "توا تشبح" "تيرو أتزرد"، "شن جابك" "ماي يوغاك"، "شنو ما زال" "ماي وليوش"، "شنو طلعلك" "ماي يفغاك"، "شنو فيه" "ماي ديس"، "ضربلا يبرا في يدا" "يوتاس تاسكَنيت دي ؤفس ئنس"، "كَاعد اللحم أخضر ما يبسش" "وليوش ئيسان ؤرغ ول يقرش"، "مني شدك ئتكلم" "مامو يطفاك ئتوتلا"، "أعطيني فم خبزة" "ئفكيد ئمي نـ ؤغروم"، "نكّول لليبيين وين قاعدين عيد سعيد" "أدملغ نـ ئليبيين ماني ئلان تفاسكا تامكَازت"، "آه وا" "أكـ تو"، "ئيدره في الكبد" "ئدره دي توسا"، "كيف جيت" "مامك ؤسيغ"، "هرب الضي" "ترول تافويت".

 

هنا نلاحظ شىء ما فى كلمة ضربلا لو كتبنا كلمة باللاتينى الامازيغي تعطى ethrebla،نجد الحرف ilem بادء فى أول كلمة واذا ماقرنا بكلمة ewwet نفس شى تبدأ بحرف ilem،ولكن فى قواعد كتابة لا تكتب ilem فى بداية كلمة ولكن تنطقة ilem،وهى واضحة عند نطق الكلمة (ئـ) . كما أن كلمة أوراغ تعنى (اصفر) وليس (اخضر) ولكن هذا خطاء شائع عند اغلب ناطقين بالامازيغية فى ليبيا ونجد أن تعبير اللحم أخضر يعتبر تعبيرا غريبا فى اللغة العربية، فلون اللحم كما هو معلوم احمر لكن هنا تعبير يقصد به إن لحم غير مطبوخ وني،لكن فى اللغة الامازيغية يعبر عن اى شىء لم يطبخ أو ثمرة لم تقطف من شجرة بـ أوراغ أي صفراء .

 

نعلم إن كلمة (متى) فى الامازيغية "لمي" وكلمة (عندما) نفس شى بالامازيغية "لمي"، لكن السؤال؟ هل يجوز قول ..متى انتهيت من قراءة؟ وإستبدالها بـ "عندما انتهيت من قراءة"؟ الاجابة لا، لكن اذا راينا الامثلة فى اسفل نجدها تخالف قواعد اللغة العربية،لكنها صحيحة فى قواعد اللغة الامازيغية، وهذا دليل على إن اللغة العامية ليست إلا ترجمة حرفية للامازيغية. فمثلا نقول "أمتا كملت ليكَرايا" وهي ليست سوى ترجمة حرفية لجملة "لمي تسيمدد تيغري"، وأيضا جملة " أمتا جيت للحوش " " لمي ؤسيغ نـ تادارت ". سـ أو (s) تعنى بالامازيغية (من) وأيضا (عن) حسب موقعها في جملة، وهذا التأثير موجود في اللغة العامية الليبية حيث ترى بوضوح كيف كلمة إن (عن) يعبر عنها بـ (من) نقول " إفصل التراب من الرشاد" "زوكَر ئبيبان أف جيدي " ونقول أيضا "قسم الخرفان من النعجات" "زون ئزومارن سـ تيتين". أيضا نرى الحرف ف أو (f) تعنى بالامازيغية (على) وايضا (عن) حسب موقعها في جملة، وهذا موجود نجده في اللغة العامية الليبية بوضوح، حيث نقول "يتكلم على الفلوس" "ئيتوتلا أف ئدريم" ولا نقول "يتكلم عن المال"، "ينشد على الحوش" "ئتسستن أف تادارت" ولا نقول "يسأل عن البيت".

 

بعد أن سردنا علامات ومميزات اللغة الليبية القواعدية الأمازيغية، يتضح أن الهوية الليبية لو كانت حقا لغوية، وجب القول بأنها هوية مزجية عربية أمازيغية، لكن الأمر يحتاج الى بحث أكبر من مجرد بحث لغوي بسيط لإثبات نوع الهوية، ومن جهة أخرى لا يمكن إختزال الهوية في اللغة فقط، فالعربية لغة دين، فلذلك لا يمكن أن تكون لغة قومية، بل هي لغة دينية، وحتى عند البحث الدقيق في اللغة العربية نجد أنها هي أيضا تقتبس العديد من مفرداتها من اللغة الأمازيغية " والأستاذ ماصر الجادوي مدرسة في هذ الخصوص لكني أسرد جزأ من بحث املكه يتحدث عن هذه الجزئية "، فمثلا القراءة بالأمازيغية - وهذا مثال بسيط نستدل به - تعنى (تيغري) والكتابة (يوري) أو (تيرا) والنداء (تاغوري) وأشتعلت بمعنى (ترغ) والعرس بمعنى (تامغرا) أي ننادي على الناس، وكلمة عرس تعني أيضا (ئسلان) وقد تكون مشتقة من المصدر (ئسلاي) أي إسماع الناس وهذا أمر نتركه لخبراء اللغة ليخبرونا عنه .

 

إذن في الأمازيغية بالإضافة إلى معنى النداء تتكون (تغري) من مقطعين (تاغ – ؤري) الثاني من الكتابة والأول من الإشتعال أو الإرتماء حيث نقول تاغ أو ترغ، وبذلك يكون معناها إشتعال الكتابة، أي ظهور المكتوب وتجليه تماما كما يظهر الاشتعال النار، الجميع يعلم أنه لا يمكن القراءة بدون الكتابة، فالقراءة فعل لاحق للكتابة، وعليه لا بد أن تكون القراءة فعلا يتضمن المقروء، وهو ما نراه في الأمازيغية بوضوح. (اقرأ) العربية هي (ئغر) الأمازيغية، وإذا استبدلنا الغين بالقاف أصبحت (إقرأ) ويظهر هنا التشابه، ففي الأمازيغية وكما سردنا تميز الكلمة نفسها بنفسها، بينما في العربية لا تفسر ذاتها، مما يجعل احتمال أن تكون مستوردة أمر كبير، هذا التبادل اللغوي لا يعني وجود نقص في هذه اللغة أو تلك، فحتى لغات أخرى إقتبست من الأمازيغية بعض كلمات بطريقة أو بأخرى فمثلا، (fuss) الألمانية تعني القدم، بينما (فوس) الأمازيغية تعني اليد، و (we) الإنجليزية تعني نحن بينما (وي) الأمازيغية تعني هؤلاء، كقولنا (ويها) ذاك أو ؤلائك، و(نيتا) الأمازيغية تعني هو بينما تعني أنت بالعربية (أنت)، و(serrure) الفرنسية تعني القفل، بينما (تاسوروت) الأمازيغية تعني المفتاح وكلمة (pourt ) تعني الباب بالفرنسية وهي ذات الكلمة بالأمازيغية (تابورت)، فالإقتباس بين اللغات دليل على كونها مخلوقا قابلا لكونه ناقصا لبعض من مفرداته فيضطر الى الإستعانة بغيره من القواميس لملأ فراغه الخلقي وهذا ما حصل مع معظم اللغات المتوسطية التي إستفادت من غنى المعجم اللغوي الأمازيغي .

 

إذا لا يمكن اختصار الهوية في بعدها اللغوية فاللغة ذاتها – المحكية – تحتمل التأويل والنسب لأكثر من مصدر .

 

هنا ينتهي سردي البحثي الهوياتي وأسال، هل حقا هي لغة ليبية ؟ .

 

 

عن موقع: ليبيا جيل/ 18/04/2005

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة