|
عزلة الأدب الليبي بالخروج من المشافهة يربح الكتّاب

خالد درويش
أقف عاجزا عن تقديم تفسير للعنوان الذي اقترحته لهذا النص،
الذي يحاول أن يجيب عن سؤال تطرحه غالبية الكتاب الليبيين،
ويطرحه أيضا عدد كبير من كتّاب العالم العربي. فرغم ألوف الكتب
ومئات اللوحات وعشرات المسرحيات التي ننتجها كل سنة، ورغم
جبروت النفط والغاز الطبيعي ووزارات الإعلام والإنفاق الباهظ
والأطباق الفضائية وشبكة الانترنت، لم يزل الأدب الليبي في حال
من العزلة، كما لو أنه أدغال غامضة تنتظر من يستكشفها.
ليبيا التي تغزّل فيها الأثينيون وهبطوا على سواحلها وأنشأوا
حضارة عظيمة فوق ربوع الجبل الأخضر وحول برقة، والتي مرّ بها
الفينيقيون معجبين فأسسوا حضارة أويا (طرابلس) وصبراتة ولبدة
فكانت موانئ لازدهار تجارتهم. ليبيا التي يقول عنها هوميروس في
"الأوديسة" إنها "حيث تلد النعاج خرافها ناضجة بقرونها مرتين
أو ثلاث مرات في العام، وحيث لا يخلو بيت ملك ولا راع من
الزبدة والحليب"، والتي صرخ هيرودوت في تاريخه العظيم قائلا
عنها: "من ليبيا يأتي دائما شيء جديد"، ليبيا هذه لم تزل أسيرة
جهل شبه كامل بثقافتها، وخصوصا بآدابها. الخروج من الكهف
الخروج من الكهف
يربط الناقد المسرحي والكاتب منصور أبو شناف بين هذه العزلة
والبيئة الصحراوية التي أثرت في طبيعة السكّان، فعلى غرار
الرمال التي تنتقل من مكان إلى مكان، وعلى غرار البدو الذين
يقوّضون خيامهم ليرتحلوا خلف الماء والعشب، لا آثار تبقى ولا
تأسيس يتحقق: السيّد الوحيد هنا هو المشافهة، أي بلا ذاكرة ولا
استقرار.
لكن بعيدا عن التبريرات، أكانت منطقية أم مفتعلة، السؤال
المطروح حقا هو: هل سعى الليبيون إلى كسر عزلتهم وإبراز
ثقافتهم وآدابهم؟ يكاد يكون المثال الوحيد الناجح على كسر هذه
العزلة هو إبراهيم الكوني، هذا البدوي الذي نزع لثامه في معهد
غوركي في روسيا وعلى ضفاف الفولغا، واختار أن يكتب عن موطنه
وصحرائه وعادات قبيلته. خرج الكوني من قوقعتنا الليبية إلى
الكون الأوسع، غادر كهفه وترك حليب الناقة ليغمس قلمه في محبرة
الخارج، استقر هناك فوق صخرة الألب وانكبّ يفرغ براعته
الروائية حتى التفت إليه العالم وكرّمه واعترف به. لكن ما
توافر للكوني، ابن زعيم القبيلة، هل توافر لكاتب أو لشاعر آخر؟
المثال الثاني الذي كسر العزلة هو صادق النيهوم، الكاتب الذي
أثار جدالاً كبيرا حتى وهو داخل البلد، والذي ظلت كتاباته مثار
خلاف بعد وفاته. النيهوم الذي أسس "الناقد" مع رياض الريس وكان
من أبرز كتابها، وكتب "الإسلام في الأسر" و"إسلام ضد الإسلام"
و"محنة ثقافة مزورة"، توافرت له هو الآخر شروط "انفلات" لم
تتوافر لكاتب ليبي غيره. لا أنكر طبعا الموهبة الأصيلة لكل من
الكوني والنيهوم، ودأبهما على الكتابة والنشر، لكن بمعزل عنهما
لا يزال الأدب الليبي مجهولا للكثيرين.
دعونا لا نوجه أصابع اللوم إلى الآخر في شكل اعتباطي: فالسبب
الرئيسي وراء هذا الانغلاق يكمن في الليبيين أنفسهم، إدارة
وأفرادا. فالليبيون، وأعني الكتّاب في شكل خاص، لا يتقنون فن
التواصل مع الآخرين، ولم يتوصلوا إلى صيغة ناجحة للتعريف بهم
حتى في دول الجوار. يقع أيضا جزء مهم من المسؤولية على الإعلام
الذي لم يواكب نمو هذه الغابة الثقافية، حيث نبتت كل شجرة
وحدها، من دون مجموعة تندمج فيها وتكوّن في إطارها نسيجا
جماعيا مميزا. الماكينة الإعلامية قصّرت كثيرا في دورها على
مستوى التعريف بالأدب والأدباء، فهي اتجهت صوب معارك أخرى،
معارك سياسية خرج منها الأدب خاسرا ومنزويا وخافتا. دور النشر
بدورها مسئولة، فهي، وإن أصدرت الكثير من الكتب، إلا أن هذه
الإصدارات من دواوين وروايات لم تتجاوز الحديقة الخارجية
للدور، وعانت سوء التوزيع والانتشار.
شرع الأدباء الليبيون يحسّون أخيرا في شكل متزايد بوطأة هذه
العزلة، خصوصا في زمن التواصل والتبادل والانفتاح والعولمة، في
غياب المشاركات الخارجية والتبادل الثقافي بينهم وبين أدباء
البلدان الأخرى. وقد ضاعف من عزلتنا الأدبية ضعف المراكز
الثقافية في الخارج، التي تقتصر نشاطاتها غالبا على الاحتفالات
الوطنية. ليست هذه المراكز، التي يفترض فيها المساهمة في نشر
الأدب الليبي و"تسويقه" - بالمعنى الايجابي للكلمة _، بالرسول
الجيد، فضلا عن آفة سوء اختيار مديريها الذين تنظر غالبيتهم
إلى مسألة تعيينهم كنوع من الاستثمار: أربع سنوات في الخارج
يقبضون ثمنها بالعملة الصعبة، وكفى.
عثرة أخرى تمثلت في توقف "الدار الجماهيرية" عن النشر، مما أدى
إلى تعفن المخطوطات وتراكمها في أدراج الكتاب الليبيين. هكذا
اتجه هؤلاء إلى الصحف اليومية، على بساطتها ومحدودية توزيعها
وفقرها، فأصبحت ملاحقها الملاذ الوحيد. وكانت صحف "الجماهيرية"
و"الشمس" و"الزحف الأخضر" الأبرز في استيعاب هذا الكم من
المركون، رغم الحسرة الكامنة في أن هذه الصحف حكومية وتنطق
باسم الدولة.
خشبة خلاص
في بداية التسعينات اشتدت الأزمة كثيرا بفرض الحصار الأميركي
على ليبيا، فكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير. الحصار كان
مؤلما وفادحا من جميع الجوانب، ازدادت فيه حدة غياب الكتّاب أو
تغييبهم. ثم جاءت الفترة التي انفرجت فيها هذه الأزمة في أواخر
التسعينات، حيث ظهر جيل الشباب، أو ما سمّي "التسعينيون"، شباب
تحمس لهويته الأدبية فكان هذا السؤال هو هاجسه، وساعده في كسر
العزلة استخدامه شبكة الانترنت، فشرع يستثمر خشبة الخلاص هذه
في التعريف بنصوصه ونشر إنتاجه من خلالها. هكذا أنشاء أول موقع
للأدب الليبي على يد الشاعر رامز النويصري، وقد سماه موقع "بلد
الطيوب". و"بلد الطيوب" قصيدة للشاعر الكبير علي صدقي عبد
القادر، الذي شكل علامة فارقة في الشعر الليبي، وأُطلق عليه
لقب "جاك بريفير العرب"، وهو من أوائل الذين كتبوا قصيدة النثر
في البلاد ولا يزال مخلصا لها حتى اليوم، ولعله الليبي الوحيد
الذي سافر إلى لبنان مرة لأجل أن يحضر خميس مجلة "شعر"، مثلما
أسرّ لي ذات يوم.
لعلنا نشهد اليوم سقوط الأسباب الكامنة وراء عزلة الأدب
الليبي، مع الإقبال المتزايد للنشر على الانترنت وبروز أسماء
هم سفراء مشرّفون للبلاد، على غرار إبراهيم الكوني والجائزتين
السويسرية والألمانية اللتين حازهما أخيرا، أو أحمد إبراهيم
الفقيه الذي نالت ثلاثيته الرائعة الصادرة عن "دار رياض الريس"
نجاحا لافتا، على أمل تكاثر الأسماء والأمثلة، كي يخرج أدبنا
من قوقعته، لأن لا حياة وديمومة له داخلها أولا، ولأنه يستحق
أن يُعرف ثانيا وخصوصا.
صحيفة النهار/ الجمعة 10 آذار 2006 |