مـخـتـارات

 

الأغنية الشعبية في هون

 

محمود حمّادي

 

 

 

هل كان قائل أو كاتب الأغنية الشعبية التي تغنى في أعراس الواحات (الجفرة مثلا) شخصاً دارساً ؟ قطعاً لا.. إذ أن بعض أغاني الشعبية فيها يتجاوز عمرها 200 سنة، حسب ما أقره العارفون في هذا المجال، ولكن لا تخالجني أدنى شك في من كان يمتلك مهارة قول وكتابة الأغنية، كان شخصاً مثقفاً عالي الثقافة ولديه أسس يرتكز عليها، فليس كل من (هب ودب) كان يقول الأغنية الشعبية وإنما ارتبطت في الغالب بعدد من الأشخاص الذين تميزوا بالحفظ وسرعة البديهة وجمال الأداء والسيطرة على الإيقاعات الخاصة بهذا الفن وكانوا يسمون " جماعة العرس " بل أن ميزة بعض منهم أنه يغني على البديهة.. فعندما تتصاعد وتيرة العرس يبدأ أحدهم في الغناء.. الذي قد يكون تأليفه وقتياً.. ويقولون "فلان يقطع من راسه" ولعلنا نسأل في هذا المقال الرجاء والأمل في الأغنية الشعبية القديمة.. والرجاء والأمل موضوع تدور حوله كثيراً من الأغاني الشعبية، فلا تكاد تجد واحدة إلا وفيها أبيات تطرق ذات الموضوع، ولعلي وجدت أن قائل الأغنية الشعبية في واحة الجفرة يربط بين البيئة المحلية وطبيعة المنطقة التي يعيش فيها وهي قاسية في الأغلب الأعم، وبين حالة الانتظار التي حاطته بأملٍ يكاد أن ينطفئ، وسأختار لكم أغنية شعبية تسمى (النخيخة) من أجمل ما قيل في هذا الموضوع، والتي يقول مطلعها:

الأرض الماحلة ترجى في السحابة

ونا مرجاي في صقال نابه

 

فالأرض الممحلة الجدباء تنتظر المطر.. ومثل انتظارها انتظاره لمن يحب، وسأترك لك عزيزي القارئ مهمة عقد هذه المقارنة، وتخيل كيف هي درجة انتظار الإنسان للماءِ مطراً كان أو أي شيء آخر، والدليل على ذلك أنه يقول في بيت آخر:

في ناير خدوده شهير

الزول مولاي العين سوده

يا مولاي قرب لي وروده 

عالنقار نمشي ولا نهابه

 

فوصوله للحبيب المنتظر هو الورود.. والورود لا يكون ألا على بئر أو مصدر ماء غزير.. ولا يرد الإنسان إلا على مكان معلوم يعرفه بعلاماته، ومثل هذه الحالة بالنسبة للحبيب الذي هو (ناير الخد) ومشهور وقل مثيله في جمال العينين السوداوين الكحيلتين، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالأمل والانتظار يدفعانه للتعلق بخيط دخان وبقشة في بحر، فليس كل السحاب ممطر، ولأن الغمام علامة لقدوم مطر قد لا يأتي فأنه ينتظره أيضاً، وهو بهذا يشير إلى المطر صراحة وللحبيب ضمناً إذ يقول:

ترجا في الغمام يسيل

الأرض يحييها تمام

ونا مرجاى في سمح اللبسام

ربيعي فيه وجدابي غيابه

 

وكلمة الغمام هي جمع لجمع يفيد الكثرة غيرا لمحدودة.. يقول تبارك وعلا مكانه علواً كبيراً [فسقناه إلى بلدة ميتا فأحييناها كذلك النشور]، وهذه حال كاتب النخيخة الذي ينتظر (سمح اللبسام) جميل البسمة.. فربيعه يزهر حين الحضور ويحمل إليه الغياب عكس ذلك من الجدب والامحال وضياع الأموال، ويصل به الأمل ليس لانتظار سحابة أو غمامة تكون عابرة بل أنه ينتظر حتى (بارقة) واحدة وليس برقاً، ويأمل أن تتحول إلى بوارق يعقبها مطر يحي البلاد والعباد كما يقولون، فأن حدث ذلك ستسيل الوديان الصغيرة وتغرق في المياه التي تبشر بربيع زاهرً تعيش عليه الأغنام والإبل، وتتكاثر إلى حد البيع وتزيد الأرزاق وتنشُط التجارة ويسدد كل مدان ما عليه من ديون ويعيش من الحياة رغداً ورفاهية بفضل البارقة التي تعد ولا تجي، فيقول:

ترجا في البوارق  تملى وين فيه صغير غارق

تربي السعي بعد أن كان شارق

والمدايان يسلك من طلابه

 

صغير غارق:- الوادي الصغير، السعي: كلمة يقصد بها كل حيوان يُسعى به وغالباً ما يكون من الضأن والماعز، - المديان: من يقوم بإقراض الآخرين على أن يسددوا ما عليهم بعد مجي المطر وبيع ( السعي ) وذلك أمر كان متداولاً في سنين مضت، وقائل هذه النخيخة.. يصًرح في نهايتها بأنه:

يرجى في الرحايم ونا مرجاى في حلو النغايم

إن شاء لله قسمهم فيا ايتلايم بشي صحيح واثق في كتابه

 

فهو ينتظر رحمة من لا يرجى سواه لينال حظاً من حبيب طال انتظاره بشيء يكون موثقاً في كتابه، علا مكانه وجل شأنه... وهو اشد صراحةً، حين يقول:

ترجى في الاطلال ونا مرجاي في عوم الاجيال

هنى من حازها بجيزة حلال ويروى بعد عطشه من شرابه

 

هكذا يكون الارتواء حقيقة واقعة بعد أن كان سراباً بقيعة يحسبه الظمآن ماءً بوصوله من أحب وانتظر، لأنه كما قال:

نا مرجاي طول  في قلبي شب سامر مايحول

دبر كيف ياريدي نعول  عزمك زاد وتعدل حسابه

 

ترى هل أعتدل حساب قائل هذه النخيخة أم عكس ذلك كان.. عل كل حال تجاوز عدد أبيات هذه النخيخة الثماني عشر بيتاً، ولعلي أكون قد اخترتُ من بينها ما يناسب الموضوع.. الأمل والرجاء في النخيخة.أخيراً...

 

يجي وقت موزون مافيه بله مسخر من الله

وكل ما اصاعب علي يحله ذبل خاطري حب فايق الخلة

افكاري غلاها ولا لي هنا كان ساعة لقاها

 

 

عن مدونة القاص: محمد فياض

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة