|
الفتى المدلل، يقف عارياً
إلى نهلة/ ضحكت بصدق عندما أخبرتها أن الطفل المدلل أكمل حرف
الياء في قصيدته الاحتفالية.
حسن بوسيف
الفتى الذي ولد مدللاً ليس فقط من قبل أسرته بل أستطاع أن يجعل
كل من يتعامل معه يجب عليه أن يدللــه.
العينان العسليتان، البشرة البيضاء، الشعر الأصفر، هذه الصفات
في مجتمع أسمر تجعله يشعر بأن من حقه أن يدلل، والدلال يمنح
الشعور بالأهمية والإبداع وأنه مميز عن الآخرين، لهذا أصبح
الفتى المدلل شاعراً، شاعراً وجد جمهوره المحب لشعره قبل أن
يقول الشعر.!
ظل شاعراً في أطار العائلة إلى أن أخذه خاله إلى صديقه الشاعر
الذي أعجب بما كتب وأوصاه أن يتعلم بحور الشعر/ اسر الشعر
العربي لفترة طويلة لستة عشر بحر.. وفي الحقيقة ليست بحاراً بل
هي أحواض سباحة للأطفال ليست خطرة.. وليست عميقة.. البحر
مغامرة..مجهول.. لكن في هذه البحور.. كل ما عليك هو حفظها
والتمكن منها وأن يعمل عقلك كأداة لتخزين مفردات اللغة لتوضع
في هذه البحور...
لأنه تعلم الشعر.. أصبح عليه أن يهتم بشكله، رفض مبكراً
بنطلونات الجينز التي تحرمه من الهيبة.. الهيبة مهمة لشاعر ولد
مهماً قبل أن يولد/ على السباح أن يكون أنيقاً في حوض السباحة
المخصص للأطفال.. وأن يختار بعناية ملابس السباحة وتكون
متناسقة وان يصفف شعره بطريقة جميلة لأنه بطبيعة الحال لن
يبتل.
وقف الفتي المدلل كثيراً أمام المرآة ليتعلم كيف يصافح الناس
وهو مظهر التواضع.. أن ينحني قليلاً ويبتسم ثم يضع يده اليسار
على يد من يصافحه/ هنا يستخدم الفتى المدلل أسلوب جديد
للدعاية.. أنا متواضع أنظروا.. في هذا تفوق على أستاذه.
عندما دخل مرحلة الشباب خلت له الساحة لأن أستاذه ترك الشعر
ودخل في حالة تصوف/ في مسابقات السباحة الحرة والقصيرة يرى
السباح النهاية ولهذه عندما يصل يرفع يديه عالٍ ويتمسك بالحبل
الذي يفصله عن السباح المجاور له.. وهو منهك.. كانت المسافة
قصيرة ومعلومة النهاية ويستنزف فيها الجانب البدني أكثر من
الذهني وبعبارة أخرى يتعب العقل من حفظ المفردات.. لهذا يحتاج
السباح إلى راحة وهذا ما وصل إليه أستاذه الشاعر.. الذي تعب من
الحفظ ومن اليقين الممسوس به.!
وفي جلسة يريد أن يثبت فيها الفتى المدلل ولاءه لأستاذه امسك
بالصحيفة التي نشرت قصيدة نثر.. وقرأها بشيء من السخرية.. وبعد
أن أكمل قال رصف الحجر هذا سهل/ دخلت القصيدة النثر الحقل
الأدبي العربي وتم الاحتفاء بها غير أنها تلوثت على يد بعض
منظريها عندما طرحوها كقصيدة بديلة لكل المنجز الشعري العربي
لكن مع مرور الوقت ظهر المنظرون الذين اعتبروها بعداً آخر
للقصيدة العربية.. بعبارة أخرى بعض السباحين خرجوا من الأحواض
إلى البحر حيث الاتساع والمغامرة.
الفتى المدلل المدعو في تظاهرة حماسية بخصوص الطفل الذي مات في
حضن أبيه.. أخرج القميص المناسب والبنطلون المناسب.. ووضع
النظارة الطبية التي لم يكن يحتاجها في جيبه.
لم يكن يجلس بين المدعوين بل فضل أن يجلس بين طلاب الجامعة..
وعندما قدموه خرج من وسطهم.. بعد أن تأخر قليلاً لكي يبحثوا
عنه.. صعد للمنصة بحث عن النظارة ثم بحث عن القصيدة.. وبدأ
يلقي قصيدته الحماسية بطريقة عصبية.. ومادامت القصيدة حماسية
عن الأبطال السابقين يجب أن يستحضر الماضي/ عندما يستدعي
الشاعر الماضي يكون أمر بإلباس الجميع النظارة المثالية
للماضي.. ولهذا يعيش الجميع في حالة من الغياب والسعادة لأنهم
يرون المنجزات المواكبة في ذلك الوقت.
أكمل قصيدته ونزع نظارته عن الحضور الذين بدءوا يرونه جزءاً من
الماضي الجميل لهذا تم التصفيق بطريقة مستمرة إلى أن نزل عن
المنصة.
كان الكل يصفق إلا فتاة نحيلة ترتدي نظارات طبية.. لم تكن
تصفق.. لهذا استغرب الطفل المدلل.. ولهذا تقرب منها أثناء
استراحة الشاي..
- هل أعجبكِ الشعر ؟
- يعني / تفيد هذه المفردة الاحتمالين لهذا تفاجأ منها لأنه
يعتبرها محظوظة بوقفته معها.. وأنها الآن محط أنظار الجميع
وغيرة كل البنات.. لهذه سألها من جديد ربما تغير أجابتها.
- لم أفهم ؟
- لا أحب الشعر الذي أعرف مفرداته مسبقاً..هذه النوع من الشعر
لم يعد مبهراً الا للمراهقات.. / الفتى المدلل يقف لأول مرة
عارياً أمام المرآة لهذا أنحنى الى الامام قليلاً ليداري
عورته.
- لكن هذا هو الشعر
- هل الشعر ثابت ؟
- لا أعرف ؟
- هل هناك أمكانية لخلق الحرف التاسع والعشرين للغة.
- آه.. فهمت أنتِ من محبي قصيدة النثر.
- أنا لا أحب.. أنا أعرف أن نظارتي الطبية لبستها بعد دخولي
الجامعة لأن نظري ضعف من القراءة والتعب في المعمل.. ولست
أرتديها من باب الترف.
/ الفتى المدلل الذي أنحنى إلى الأمام ليداري عورته أكتشف بان
خلفه توجد مرآة.. لهذا أغمض عينيه
صعد للمنصة من جديد بحث عن الفتاة لم يجدها البس الجميع نظارات
الماضي وغاص بهم بكل سكينة في الغياب. |