مـخـتـارات

 

علي الرقيعي.. في ذكراه (صورة ونصوص نادرة جدا)

[من الأربعاء إلى الأربعاء.. نصوص مجهولة.. وقصيدة لم تكتمل]

 

الباحث/ سالم الكبتي

 

 

 

الشاعر "علي الرقيعي" الأول من اليمين مع أصدقائه في صورة نادرة

 

 

ما بين الأربعاء 23 /11/1966، والأربعاء 23/11/2005 تواصلت فترة زمنية مدتها تسعة وثلاثون عاماً على رحيل الشاعر الليبي علي الرقيعي.. ابن حي الظهرة في طرابلس والمولود بها سنة 1934 والمتوفي عقب حادث شكله بسيارته الصغير آخر الليل في الطريق المؤدي من سيدي المصري إلى المدينة.

اثنان وثلاثون عاماً عاشها الرقيعي وانطفأ مبكراً ليضاف إلى عديد الشعراء العرب الذين رحلوا بسرعة [فائقة !] بدءً من طرفة والمتنبي وأبي تمام وأبي القاسم الشابي والتيجاني يوسف بشير وعبد السلام عيون السود وعبد الباسط الصوفي وهاشم الرفاعي.. وغيرهم.. اعوام قصيرة.. لكنها ساخنة وملتهبة في كل أحوالها الشخصية والعامة !

وفي بلد خرجت من [المولد بلا حمص].. فقيرة وبائسة وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.. وآراء المراقبين ونهضت من رماد الحرب العالمية الثانية لتسير في عرج وتمسح بقايا أدخنة القصف والقنابل من على وجهها، ازدهرت الأحلام، وأشرقت الكلمات – وان كانت تحاكي غيرها – وازداد انتشار الصحف، وأقبل الجيل الفقير بكسرة خبز مغموسة في الزيت على التعليم والثقافة وظل يحمل في أعماقه بذور الانتماء والبحث عن مكان وسط زحام الآخرين. كان هناك شوق للمعرفة.. وظمأ شديد للقراءة والتطلع خلف الأسوار البعيدة، ومن هذا الجيل المولود أغلبه في سنوات الثلاثينات من القـرن العشرين، وكان من بينـه علي الرقيعي، تشكّل جيل البدايات الثقافية والارهاصات الفكرية في ليبيا [العجوز التي تغسل حصرانها على شاطئ البحر.. كما وصفت ذات يوم !] مع مطلع خمسينيات ذلك القرن الذي تولى أعباء الرسالة من الجيل الأب والمؤسس – في تواضع وبساطة – خلال العهدين التركي والإيطالي رغم الظروف الصعبة وقلة الامكانات والافتقار – إلى وجود المؤسسات الثقافية بمعناها المعروف.. إلا نادراً.

كان التراث الشعبي يمثل أساساً للثقافة في البلاد، طغا صوت الملاحم والقصص والسير الشعبية وظل حضور القصيدة الشعبية ودور الشاعر الشعبي واضحاً وقوياً. وكان دور الكلمة المكتوبة ضعيفاً ويلاحظ بين حين وآخر، وكانت القصيدة الفصحى – تبعاً لذلك – لا تتعدى النظم التقليدي، وتحاول أن تؤدي دورها وفقاً للظروف المتاحة.. والمعاشة، ومع مرور الأيام نهض رفيق وجيله من الرواد الشعراء بمحاولات لتحسين الأداء، وليطالب في الثلاثينات، شعراً ونثراً، بالتحديد والتحرر من [ربقة القافية] لكن الطريق في الواقع , كان أمام ذلك التجديد وقصيدة التفعيلة ما يزال طويلاً.. وشاقاً في بلد تقل فيه الأصوات الشعرية الكثيرة.. والمدارس الأدبية والنقدية المتنوعة.. ومصادر الثقافة المختلفة !

جيل الرقيعي فتح عينيه على قصائد شوقي , وجبران , والشابي , والزهاوي , والرصافي , وبن زكري , والشارف , ورفيق , إضافة إلى مخزون الشعر العربي القديم مما توافر في المناهج الدراسية أو في القراءات الخاصة , وكتابات مجلة الرسالة , وتداعيات النشاط الوطني في ليبيا مرحلة الإربعينيات , ثم في سنوات تالية خارجها عربياً وعالمياً , وتلقفت أياديه مجلة الآداب فتناهت إلى أسماعه التجارب الشعرية [المشرقية] المنبعثة من نزار قباني وعبد الوهاب البياتي و بدر السياب , وصلاح عبد الصبور ومحمد الفيتوري ونازك الملائكة وفدوى طوقان.. وغيرهم. وبدى التأثر واضحاً بهذه الأحداث، لكن الرقيعي وجيله في البدايات يظل النزوع إلى القديم واضحاً في شعرهم، والمحاولات للانطلاق تتحفز في صدورهم، وتساوق هذا التأثر والنزوع القديمين في شعره الأول ومقالاته النقدية الأدبية ومضى في طريقه [يرعاه] تشجيع واحتضان الأصدقاء : على مصطفى المصراتي، وخليفة التليسي، وكامل المقهور الذين رأوا فيه بذرة تتخلّق للنمو. فنشر شعره ونقده في مجلة [هنا طرابلس الغرب] وصحيفة [طرابلس الغرب]، وصدر [الحنين الظامئ] ديوانه الأول سنة 1957، بتقديم من التليسي والمقهور،و إضافة إلى عضويته لاعباً في فريق الأهلي بطرابلس لكرة القدم، فقد التقى فيه الشعر والرياضة... وكلاهما فن !

 

في جانب آخر..

بدأت المحاولات لكتابة القصيدة الجديدة – ولم تكن مقصودة – وكانت أولى الخطوات نحو [الحداثة] في ذلك الزمن، بالمفهوم المعاصر،.. حاول هنا.. فرج الشويهدي، وان كانت المحاولة مشوشة وغائمة وأخذت شكل النثر في ثوب من الشعر من خلال قصيدته [نعمة الأبطال] في ديسمبر 1951، ثم في قصيدة [القومية العربية] سنة 1956، غير أنه لم يستمر واهتم رسالته التعليمية والتربوية، وقد تكون معها-منه وغيره- محاولات أخرى تعثرت ولعل قادم الأيام يفصح عنها !

ثم اتضحت في قصيدة [مواكب الجفاف] التي كتبها رجب الماجري في نوفمبر 1953 أثناء دراسته في القاهرة، ثم لدى عبد السلام قادربوه – الذي أخذته الأغنية الشعبية لاحقاً – في قصيدته [صلاة استسقاء] سنة 1956، وعبر ذلك بدأ الرقيعي في محاولاته سنة 1954، وانضم آخرون إلى القافلة : كانوا أصحاب موهبة، حملوا في أعماقهم أحاسيس لما يدور حولهم وتأثروا به، لكنهم في أغلب نتاجهم الأول مع زميلهم الرقيعي لم يتخلصوا من أسر البياتي، وكاظم جواد، والسياب، ونزار، وأشار إلى ذلك الناقد مفتاح السيد الشريف في تلمسه لخطوط دراسة الشعر الليبي في أواخر سنة 1957، عندما أمل في أن [تتحرر شخصياتهم من هذه الظلال التي ترين عليهم]. كانوا فرساناً للمرحلة مع علي الرقيعي وهم، حسن صالح وخالد زغبية ومحمد المطماطي ومحمد السباعي. كانت قصائدهم جميلة، وان شابها ضعف من الناحية الفنية أحياناً، لكنها ظلت تبحث عن الطريق.. أو هي بدايته لتأسيس [شعر ليبي جديد] !

 

نصوص مجهولة للرقيعي :

كان لدى الرقيعي مشروع قصيدة [لم تكتمل]، وتشاء الصدف أن تنشر يوم وفاته في عدد الحقيقة الصادر يوم 23 / 11 / 1966، وقد نشر هذا النص عبد الكريم الدناع في بابه الأسبوعي [وراء العناوين] الذي كان يحرره بالصحيفة، والنص يقول:

 

[ سبع ليال.. لطخت قلبي بالأدران

سبع ليال.. كان

العقم في العيون..

والخواء في الدنان

كيف ارتميت في مهب الريح

.. هكذا

وفي دوائر الدخان..

مستسلماً !!

وكيف أنت هكذا، مزيفة الأردان

يجدع أنفك الهوان !

صديقتي..

الليل في مدينتي أسيان

الليل أفعوان..

يأكل من نهارنا

يسرق شمس عمرنا..

المترع بالأحزان

الليل داء القلب.. يا صديقتي

الليل عارنا.. خواؤنا

موقفنا الجبان !! ]

ونصان آخران :

قام بنشرهما في مجلة [الثقافة الوطنية] التي كانت تصدر في بيروت، الأول بعنوان [تحية إلى جمال] في عددها العاشر، من السنة السادسة، اكتوبر 1957، والثاني [سوريانا] في عددها الثاني، من السنة السابعة، فبراير 1958، ويعلو فيهما عليه صوت الحماس.. ويهدر تأثراً بالأجواء السائدة في المنطقة العربية، ذلك الحين، وهذه النصوص لم تضمها مجموعتيه الشعريتين [الحنين الظامىء] و [أشواق صغيرة]. وربما في نشرهما الآن بعض الفائدة للمهتمين بحركة الشعر الليبي المعاصر.. وتاريخه.. وتطوره!.

 

تحية إلى جمال

شعر : علي محمد الرقيعي

 

ألف باقة

لك من ورد وريحان بلادي

لك من أبناء شعبي

ألف أشراقة حب

ألف أبريق وداد

وتحية

لك يا حامي بلادي العربية

يا جمال

دمت للشرق انعتاقة

وانطلاقة

دمت للشرق أكاليل انتصار

لك من أطفالنا قوس فخار

من عيون حلوة البشر وضيئة

وبرئية

في بلادي

لك... للنيل... لرايات عرابي

لك... للأبطال في وقفة سينا المجيدة

ولأطفال ضحايا بور سعيد

غصن زيتون سلام وحمامة

من أماني شعبي الطيب مليون ابتسامة

لك يا صانع أحلام بلادي

ألف أبريق وداد

وتحية

لك يا صانع آمال بلادي العربية

يا جمال

لك... للأحرار في كل بلاد

صانعي الثورات في بيكين... في أرض الجزائر

في دمشق الصاعدة

في "ديان" الصامدة

لك... للأبطال في عمان من حر وثائر

للبطولات التي تبدع حباً وسلاماً

لكفاح الشعب في قبرص... في أرض اليمن

للفراشات التي تسكب أفراح الطفولة

لأغاني الأمهات

للمحبين... لأحلام العذارى

ولأعراس الشباب

لك... للنيل... لرايات عرابي

لك... للشغيلة الأحرار... للأرض التي

 تمنحنا خبزاً وشهدا

والتي توهبنا عطراً ووردا

ألف سلة

ملؤها مليون فلَّة

من أزاهير بلادي

 

سوريانا

شعر : علي محمد الرقيعي

 

الوجوه الحلوة السمراء في أرض القنال

والتي شبت على حب القنال

والتي تمرح في شط القنال

والتي تبني وتبني... وتشيد

لم تزل تنبض حباً واخاء

اقبلت تحمل رايات عرابي الثائرة

اقبلت ترحف ناصر

أثر ناصر

كلها هتفة ثائر

الف لبيك اتينا سوريانا

فافتحي للقاهرة

يا دمشق الساحرة

وافتحي بوابة الشرق لاحفاد صلاح الدين جاءوا

الملايين العيون العسلية

الملايين التي تصنع للتاريخ مجدا

من أقاصي الموطن الواحد جاءوا

سوَّروا الليل خنادق

وبنادق

وحشودا، وميادين بطولة

واستحالوا صيحة تهتف عاشت سوريانا

وافتحي يا حلم الشرق لانصار الأخوة

أنه مجد الشعوب الثائرة

شعب بيكين وقبرص

مجد نهر النيل يروي القاهرة

مجد ذكرى الهانئ الدامي وذكرى دنشواي

مجد حسناء الجزائر

وغداً يزحف ثوار بيكين الظافرة

يحملون اللعب الكثر الوفيرة

والهدايا

وسلال الفل والحلوى لأطفال حلب

وافتحي للموصل

مات يا أختاه نيرون العراق

وتدلَّى رأسه الدامي على أنقاض حلفه

وهوى في الطين ينزف

وهو يرعف

دمه الملعون قيحاً وصديداً

وتوارى وجهه الجلف... وعيناه اللئيمة

فقأتها ألف لعنة

كل ليلة

من ليالي صيف بغداد الجميلة

يلتقي الأطفال والنجم على ضفة دجلة

يتغنون بأشعار "البياتي" الخالدة

ويعيدون حكايا ألف ليلة

مات نيرون وأعداء الطفولة

فافتحي يا قلعة الشرق لاحرار العراق

من سجون النفي والتشريد جاءوا

يملأ الشرق "عاشت سوريانا"

وغداً يا أخت حطين لنا مليون لقيا

بين أدواح مغانيك الحسان

حيث تغدين ابتداء الزحف... ملقى الشرفاء

حيث يغدو اسمك الحلو نشيد الكبرياء

للملايين التي تصنع للتاريخ مجدا

فازهري يا ضفة العاصي... ويا خضر الروابي

وانثري الورد لرايات عرابي

لقوانا الظافرة

دمت للشرق دمشق الساحرة

 

ليبيا اليوم / الثلاثاء 22 نوفمبر 2005

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة