مـخـتـارات

 

تركض في دمي، اللبوة

إلى المارقة الكاذبة.. الكاذب المارق.. وحسب

 

أحمد الفيتوري


 

1

أخال مرام تتبسط معي أو أنها تتعقب خطاي، مرام فجيعة شاعر ضجر مثلي من ليل ليس له آخر، مرام المسكوبة في كأسي تسكن هواجسي وتترعه، هي ليست المرأة التي أعرف، هذه الكمشة الكذبة التي يعشق صديقي من خلالها ذاته، هذه القطة التي يكرهها كل من يحبها التي يحبها كل من يكرهها، مرام التي ليست مرموزا، الكائن الذي يعرى رغباتنا في أن تكون حبيبتنا.


هكذا مرام هكذا كما نحب ونخشى جميعا، مرام أضأل مما نحب، مرام نهد ضئيل ضال من كفي،
مرام قصيرة القامة طويلة التيلة، مرام فصيحة في كشفنا؛ لمن لا يفهم، بليغة في تعريتنا، جميعا نحب مرام التي نكره؛ هل حقا لا نحب ما نرى في المرآة؟ مرام عقيدة الخفاء وتجلي فضيحتنا، هي الزواج الجمعي وأكذوبة التفرد، كل امرأة تعشقنا فردا فردا ونحن نحب النساء، زوجاتنا جمعا مرام وصلاتنا حين لا نكون معا، مرام كلنا عيسى وعليه الغضب، كل ما نكتب مكرور، مرام المرأة التي تنجبنا دون أن يمسها أحدنا – من تهتكنا، لا أحد يصدق ذلك فكل امرأة كذوب وكل أم أكذب، هي قطتي الصغيرة من سميتها مرام التي تركض مع الذئاب التي تركض في دمي تلغه وتتف.



2

دوخنني النسوة.. وحرف الثاء والمكان الذي لا يعول عليه، في كل مرة تسلم أيها الفتى من سكرة البارحة، وكل مرة في السلامة الندامة.

تنادمني فاطمة وتشرب دمى وتعجن خبزها منى، من حليبي تعجن شوكلاطتها، هي امرأة ميكياتا كما أحب وأشتهي، وريم تشكل من صلصال فنجان المكياتا المذكور وجهها الضاحك. في عين الغزالة مقهى ميدان الشجرة التي تخضر وتورف، أوراقها في قبرها: أشرب الفنجان وفي دمي تركض المكياتا مرشومة حيث تتمكن، عين الغزالة مكان لا يعول عليه وتلك البضة البدينة إلى حد ما تستعير بيضها مني كما استعارت بياضها من ورقتي أو كما استعارت أمها – قبل – من التين خمريتها، آه.. وتكتب فضائحي في جرائد الصباح التي لم تصدر منذ تأميم الصحافة في البلاد المؤممة.

حليب المكياتا جسدها، يسوس نهداها ساحتي وتجفل طيورها عني، المكياتا التي تختزل النساء.



3

كل شيء مباح في مدينة الليل إلا أن تكون .

كمشة عبث: يجذبها تحت خصرها عجز.. كأنه من فراقها وجل؛ شجرة ياسمين مبددة وكلمات مبعثرة، نشوة طريدة غرقت في مخيالي غزالة شاردة؛ تغطى جسدها من مرآة عينيها اللتين يؤججان رغبتها، كثيرا ما تحسس نظري حريرها،  البدن ثوب يشف شبق الروح، الروح لا يعول عليها أحد حتى ظبية خميس التي تشدها من شعرها وتطوح بها في خلاء الشعراء الموبوئين بها مثلي.

لا شيء يا جميلة النساء يكتب في مدينة الشيخ زائد: جمال القصاص من يتخذ من وحدته سبحة حباتها من حلمات النساء التي قضمنا في مخيالنا السادي، هذا الناسك حشو مخدته من جلودكن الناعمة أيتها القطط السيامية،  يا أم فاطمة وأم البلاد تركض في دمي.. اللبوة، والملاذ، لا عاصم اليوم. قاب قوس أو أدنى تطوح بك البلاد ولا عاصم،  بددت في عاداتك السرية ما تشتهي النساء وشابت سوالفك.. فلا نامت أعين لا ترى ما يرى.

هي اليوم خالدة في حلمها تطرز من أشواك الطريق فستان الفرح الليلكي، كل شيء قابع في مكانه خاصة هذه النظم التي لا تتزحزح، كلت البلاد وشحب الثدي دما وكذا خداها حين تفصح لساني بلغة رغائبي.

ما أكثر ما سفحت من زجاجات البيترصودا كي أخفف وطئتك، وطن الماء وأحلام السفهاء مثلي من يحبك كل ليلة كي تبددك الشمس أيتها الغامضة حتى الوضوح البليد، ترددنا كثيرا وأكثر وكتبنا ما كتبنا واتخذ عاشور الطويبي من عرصات صبراته مدفنا أو مدفئة أو لا شيء، كلما تحلقنا بحلقنا فيك ودارت كؤوس الكلام، من قاموس المحيط حتى خليج حربستان؛ عقل يبحث عن مأوى ونهد لا يشفي من غليل، أعصر البرتقالة وأغربلها في سرير مخيالي، هذا الفستان البرتقالي حيك من خيباتي المطردة ومأتم سالم العوكلي الشعري.



4

تدس جسدها بين ثنايا الخجل والحجاب؛  تتفجر في عينيها الفاجرتين أفعى الفردوس الأول وتتلوى الشهوة فيها، تتحلى بالفلفل الحارق وتكتب بحبر مشبوق أسرارها بين النحر والفخذين يتسلل عرقها؛ كريم شغفها المنحور؛ حنة المدسوس؛ عطر النزوة الماكنة؛ بودرة التوله وحدي الشفرة الدامية، تنز المسام أحمر قان.

لم يصدقني أحد حين أشرت إلى فجورك الذي يتنزه تحت الفستان القرمزي ويطال كل ذي بصر، لم يبصر أحد الكمان، من يتخذ من قماشة الفستان أوتار هذا اللحن الصاخب؟ العازف عيناي والمعزوف طراوة جسدك، من يستطيع تصديقي وهذه السمفونية تعزفها آلة، أحد؟.. أنامل العازف ترتعش في تضاريس معجونة من لبن ولوبان ولوز وتمر حنة ومن أحلام كاردان التي لم يقدر له تحققها كما حق لك ذلك؛ كلك زائد عن حاجاتي خاصة هذا الأنف الأرنب الجافل من أصابعي، أصابعي تجسك وتندس بين طراوة..، وليونة العظم، طائشة عن مخيلة الله – تا الله وثاقبة صدري أنت، أنت الوتر المضاف للكمان؛ في مخيال العازف المنهمك أنت الوتر الذي لا يرى ويسمع، يتخلل صمتك الدو.. ري.. مي.. فا.. فيراه العازف المشدود بأوتاره في صلابة اللحن المنساب: بدن من بخور، بدن من شطح صوفي، بدن الطفولة التي تداعب أعضائها. العازف يضع فاصلة بين استرسال أوتار الكمان وبين انسياب بدنك، والرب يتكئ مستريحا بعد تجليه، وأنا أدوس على زر القاطعة في الكومبيوتر وأستريح منك: تصفيق حار لي.



5

لعدت أسباب سوف أصب جام غضبي عليك ولا الضالين؛ أنت خالدة في حلمك تطرزين من أشواك الطريق فستان الفرح الليلكي كفنا. كلك كآبة؛ مستقبلها شاهد قبر وغدها ما انتهى أمس دون موكب جنائزي، وقائمة الانتظار مملؤة حتى الثمالة. اغترفي الخيبة فليس لك أن تطالي السكر وإن امتلأت الجرة خمرا؛ بدنك غير مطواع، وقد أظلت أصابع العازف الوتر بعد أن كلت. لا شيء يحدث فلا تنتظرين أحدا، هذا التصفيق الحار لي فلا تتنصت.

ما يدق الخواء والطريق خلاء عتمة ولا طير غير طير الموت يثقب عيون الفضاء، وذئب متربص.  تمزق فستان البرتقال عن بستان مهجور عطن، تدثري بثوب الغموض كل الأشباح غامضة، ودود الأرض فاغر أفواه، وقد حرقت السفن.

سأتخذ من الخليل وزنا أقيس به ترددك، ومن النثر سبيلا كي أبددك في وجه الريح الجنوبي؛ كي تكوني الملعونة في المرآة، في كل عين، في أحلام المحرومين في حكايات جدتي، في كل ما يسرد وما يسر، في المدسوس بين نغمة ونغمة، في هذا المسكوت عنه، في نظرات التماثيل الثاقبة وخزرة الطيور الجارحة والعصافير الطليقة، في تنهدات المحبوسين في تأملات العانس البليدة، في جفاف النهد، في ضمور الخصر وعجف الحوض وتيبس الأنامل، تغضن الكف، العين، الفخذ، الساق المسلولة: فيما حفرت انقبري حيث لا أشواق، حيث لا برد ولا سلام، حيث تبكين، تبخر من المآقي كل رطب. فلا تهزين ولا تهتزي، لا مأوى، لا جبل، في سرير صحرائك اللاشيء اللامتناهي أنت.

لا عود اليوم والكمان ملك، وجع مسكوب في وتر والكأس فارغة وأنت بين بين لا سكر ولا سكن. كل شيء تقليدي في النص وفي المشهد حداثة من مملكة الحشاشين، فكيف تفلتين من جسمك المثقل بحساسين من رغبة محمومة كي تهصر ومن عجينها يقطر خمر التوق لحرية تطعن قلب صباحك، وتخلب فراش ليل. مطعونة في سرك والدم ظاهر يتحسس الأعمى سخونته عن بعد. لا شيء يدس؛ فالكذوب أكثر الكافة صدقا؛ أليس مفضوحا بأنه كذب؟ لهذا أرى الخليل في مرقده الأبدي فرحا، فالكذب من القدم وكل كذب جديد جدة الحلم، انزعي ثوبك وانفضحي ما ستر غير منفضح.



6

للكمان وتد كما للعود خيمة، ها الوتد يضرب أوتار بدن، يدوزن العازف مفاتيح ينتصب العزف، من صندوق أجوف، تجفل ثعابين الخوف عن جسد راقص يتلوى مخمورا من ضرب الوتر، كأني وتر مشدود شدة مطعون خبل، انتصب تنسدل جفون ويسري وسن خدر وحجاب ينهتك.. في عينيها بريق الذهول ومواء القطط وعند حافة شفتها السفلى غابة الفراولة الجذلانة، ضحكة حديقة يدغدغها النحل تفلق الوجه المستريب في الخلود؛ ظل الزوال، وجه يتشكل من خوف مستطاب، أن لا ترى ما ترى، أن ترى ما لا ترى، يخالجني شك في وجودها هذه التي تخربش حائط صدري المتداعي، لم يبق شيء كي أودع المشهد المزدحم بالخواء، لو سمحت اتركي ذرة من أكسجين كي أطلق النفس الأخير.

ازدهي في عرس الآخرين وأعدي نفسك جيدا لمأتمي، إني أسكر السكرة الأكثر كي أهيئ جثتي لهذه البلاد الجبانة، تبرجي ليس في الوقت متسع لزغاريد الموت، موسيقى الجنازة تنهدات حسرات تنبثق من حنجرتي المبحوحة لجسدك اليتيم، ضاقت البلاد عن سراويلنا وقمصاننا المشجرة منذ تزغبت لحانا وضقت ذرعا. ضغط دم وسكري وخمر محلي مغشوش وعادات سيئة أخر؛ عاشق الزوال، لا شيء يستحق الرثاء.

أيتها البهية اخرجي على شعبك الميت، تيتم العشق بعدي تيتم البكاء، في المآقي غصة دمعة، محرومة حتى من الفجيعة أيتها البهية. أيتها اللبوة تركضين في دمي منذ أمد. مزق، مزق، وليس لي من تجمعني من وهاد.

 

أفـق: الخميس 23 مارس 2006

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة