|
غـارة وحـضارة
محـمد الأصـفر
حتى هذه اللحظة لم تدخل أمريكا حربا متكافئة فدائما لديها الغلبة
ولديها الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا والتي لم تتردد لحظة في
استخدامها سرا أو علانية ففي الحرب العالمية الثانية ضربت
اليابان بالقنبلة الذرية لأن اليابان لديها انتحاريين يعشقون
وطنهم ويدافعون عنه حتى الموت ولم يسأل أحد لماذا لا يكون
لأمريكا انتحاريين وفي فيتنام جربت أمريكا كافة الأسلحة على
أجساد العزل.. في العراق أيضا استخدمت أسلحة متطورة وتحالفت مع
عدة دول مع توفر نقود كثيرة وبترول خليجي متاح لها لتغطية كافة
المصاريف.. حاربت بهذه الإمكانيات الجبارة وغير المتكافئة جيشا
منهكا يعيش تحت الحصار لسنوات ولم تمض سنوات قليلة على خروجه من
حرب خاسرة منهكة مع جارته إيران.. في كل مكان تحارب فيه أمريكا
تكون لها الغلبة وكل هذه الغلبة التي تحققها بين الحين والآخر
تحققها الآلة والنار وكلما حاولت أي دولة خاصة من دول العالم
الثالث أن تكون قوية قليلا وقفت في وجهها أمريكا ومنعتها من
تحقيق طموحاتها مستخدمة القوة الغاشمة والمؤامرات الدولية التي
تجيد حياكتها.. لم تقم حرب بين أمريكا وروسيا قبل أن يتفكك
الاتحاد السوفيتي لنرى من المنتصر وماذا تفعل أمريكا مع ند لها
يمتلك الأسلحة النووية والصواريخ والغواصات والطائرات.. شاهدنا
عدة أفلام تصور معارك لم تحدث حتى في الخيال ويظهر فيها رامبو أو
السوبرمان في مظهر البطل الذي لا يقهر.. ورغم قوة أمريكا الجبارة
وتفوقها العسكري والمالي والاستخباراتي إلا إنها تعرضت لهزائم
كثيرة ولقنت دروسا كثيرة خاصة في فيتنام و كوريا وخليج الخنازير
بكوبا والصومال ولبنان والآن في العراق وربما غدا في إيران
وسوريا وفنزويلا وليس معنى ذلك أن أمريكا كلها قبيحة وليس لها
أشياء إيجابية ففي إحدى مقالات الأستاذ محمود البوسيفي رئيس
تحرير مجلة المؤتمر جاء العنوان كالتالي أمريكا التي نحب وعدد
عدة أشياء صنعتها أمريكا مثل الطائرات وعدد عدة شخصيات مثل محمد
علي كلاي وتحدث في مقالته عن عدة أشياء أمريكية بها فائدة وعدد
أيضا السلبيات والتجاوزات والجرائم التي اقترفتها في حق
الإنسانية ولم تحاكم حتى الآن ولن تحاكم أبدا ما دامت بنفس قوتها
الآن.. واحترم رأي البوسيفي لكن احب أن أقول له أن حتى الأمريكان
الذين تحبهم ملوثين بدم الضحايا في كافة أنحاء العالم.. معلوم
جدا إن ثروة أمريكا كلها تكونت عن طريق الدم والاستعمار والنهب
وكل هذه الشخصيات استفادت من هذا المال بطريقة أو بأخرى.. الصيف
الفائت كانت كاتبة ليبية تحضر دورة تدريب على الإبداع أو ورشة
عمل إبداعية في إحدى الجامعات الأمريكية لمدة ثلاثة اشهر من
ضمنها شهر رمضان الكريم بعدها عادت بشهادة علقتها في مكتبها..
ونشرتها في عدة صحف ومجلات.. هذه الشهادة بنية اللون لكنني كلما
ادخل المكتب أراها حمراء فاقعة.. أرى حروفها من دم الضحايا في
العراق وفيتنام وحتى ثمن ورقها وطباعتها من بترول العراق الذي
يسرق يوميا بنهم.. ومن وجهة نظري أن مثل هذه الشهادات لا يجب أن
تعلق أو يفتخر بها لكن أي شيء من أمريكا في العقلية المتكونة
الآن جيد ومتميز ودليل على التفوق والنجاح يجب علينا أن نصونه
وندسه في الأحداق.. وأستطيع القول انه لو كانت هذه الشهادة من
مدرسة الفنون والصنائع الليبية أو من منتدى اكاكوس ما نالت هذا
الاهتمام والاحتفاء.. والمتتبع للتاريخ يستطيع أن يلخص تاريخ
أمريكا في مجموعة أوروبيين مغامرين اغلبهم محكوم عليهم بالسجن
سافروا عبر المحيط الأطلسي ووصلوا إلى أمريكا الآن.. قتلوا
السكان الأصليين حتى الإبادة وجلبوا عبيدا بالقوة من أفريقيا
وبالحديد والنار سخروا العبيد وما تبقى من هنود حمر لتدوير
زراعتهم وصناعتهم ومع الأيام تكونت دولتهم واتسعت وصاروا يبحثون
عن المال والمجد في أماكن متفرقة من العالم والويل لكل من لا
يرضخ لهم ويسلمهم ثروة البلاد.. لا أدرى ماذا تريد أمريكا..
البترول تستطيع أن تبقى في بلادها ويأتيها مبرما مختوما بالشمع
الأحمر.. تريد أن تنشر الحرية والديمقراطية حسب مفهومها.. تستطيع
أن تفعل ذلك لو كانت تهمها حرية الشعوب الأخرى.. لكن أمريكا لا
تؤمن بالديمقراطية إلا لها فقط.. فكل من ينجح في الانتخابات أن
لم يكن ليبراليا أو موافقا لسياسات أمريكا أسقطوه واتهموه
بالإرهاب بل وسرقوا إرادته كما حدث في عدة بلدان فإن كان الناجح
غير موال لأمريكا أشاعوا أن هناك تزوير وأسلحة دمار شامل وإرهاب
وشيوعية الخ الملفقات الجاهزة لديها دائما.. وان كان الناجح صاحب
اتجاه إسلامي وسم بالإرهاب وحورب.. الأمر جد محير والقوة لا
يمكنك التعامل معها بصوت العقل.. الأعمار تنقضي في فهم هذا اللغز
ومحاولة مقاومته.. أن احتلوا بلدك لا يمكنك أن تدافع عنها لأن
ذلك إرهاب وإن سرقوا ثروتك لا يمكنك الاحتجاج لأن تلك عولمة
والحل ضاع وتاه وكيف نجده وكيف نجعله ينظر إلينا.. الحق يملكه
القوي والقوي الآن أمريكا.. قوة ليست عادلة.. قوة غاشمة تمارس
أشياء غير آدمية كالتي حدثت في سجن أبي غريب ومعتقل غوانتانامو..
أمريكا لا تؤمن بالحضارة أو الأخلاق أو أي شيء به نبل وسلام..
تؤمن بالقوة فقط.. والقوة سرقتها من الشعوب على مر تاريخها رغم
قصره.. في ليلة 14-4-1986م كنت نائما هانئ البال وفجأة سمعت
أصوات مفرقعات وزجاج يتحطم وشقف من السقف تتهاوى استيقظت منزعجا
ومن خلال النافذة رأيت السماء بيضاء كالفضة المجلية.. أمريكا..
أمريكا.. لقد قضت مضجعي.. واغتالت حلمي.. قطعته إربا.. كنت احلم
بكتابة قصيدة جميلة أرتب حروفها في اللاوعي.. صوت الحديد شتتها
ورائحة البارود والنار أحرقت عطرها.. لقد اعتدت عليْ أمريكا وأنا
لم اعتد عليها.. كنت نائما.. أحلم.. وابتسم.. وأكشر.. وأقهقه حسب
مزاجي الشعري في جوانيتي.. من يعوضني ضياع هذا الإلهام.. وكيف..
لقد تمزقت كتاباتي.. وانهمرت في سرد روائي ترابطه يكاد يكون
معدوما.. أين تماسكي.. كنت نائما.. هانئا.. لماذا أيقظتموني
بتربيتكم الماكرة الحارقة التي أبادت الكثير من مفرداتي الكبيرة
والغضة ومن كل الأعمار الزمانية الممكنة.. أمريكا تضربنا
بالقنابل الآن في بنغازي.. قنابل عنقودية.. صواريخ تنفجر في عدة
أماكن.. ماذا فعلنا.. قنبلة انفجرت في إحدى مراقص برلين اتهموني
بها.. أنا ليبيا الآن.. لا اعتقد أنني قمت أو سأقوم بمثل هذا
العمل.. ألمانيا صديقة ولاعبوها احبهم كثيرا.. بيكنباور..
رومونيقا.. مولر.. برايتنر.. ماير.. شتيفي جراف.. وحتى عارضة
الأزياء كلوديا شيفر تأملها يفتح النفس.. لقد زرت ألمانيا عام
1979 م لسبب سأحكيه مرة أخرى.. كانت بلاد رائعة نظيفة.. لا يوجد
غبار.. حذائي لم ألمعه هناك أبدا.. أتجول في ميادين بون وكولن
ودوزلدورف وتعلمت القليل من الألمانية في مدرسة خاصة وفي الحانات
أيضا.. أعجبتني جملة أش ليبا دش (أنا احبك).. كلمة ليبا وهي الحب
قريبة من كلمة ليبيا.. إذن ليبيا رمز الحب.. أش ليبا دش أحلى من
أي لاف يو.. وصلت هناك في أواخر شهر رمضان.. كنا نتناول الفطور
في مطعم صربي.. أكله حار مثل أكلنا.. وكان يجلس معنا إلى المائدة
شايب ليبي.. بعد الإفطار يبدأ في تناول الخمر ثم يصرخ فينا يا
محمد أمتك ضاعت.. إنجليزيتي ركيكة جدا وبعدما تعلمت قليلا من
الألمانية سلك الجو.. مشت الأمور.. وجدت متسولة تعزف على
الجيتار.. وصندوق الجيتار يضع فيه المستمعون الفلوس.. أعجبتني
هذه الشحاتة شعرها أسود وعيناها خضراوين ونهداها ليس كبيرين
وتلبس جونيلة طويلة موردة وكنزة صوف.. لها مكان قريب من محطة
القطارات المسماة بانهوف.. كان الجو باردا وكنت استمع إلى عزفها
بليبا أي بحب واحفظ اللحن الوحيد الذي تعزفه عن ظهر قلب وعندما
أرى أسنانها تصطك أقول في نفسي تصطك روحي ولا أسنانك العاجية
المصفرة من التبغ واركض نحو مقهى كازا كافيه القريب واحضر لها
شطيرة بيتزا ساخنة على حسابي وصرت أساعدها في تسولها الموسيقي
فبعد انتهاء الوصلة احمل صندوق الجيتار وأمر به على حلقة
المستمعين فيضعون النقود وهناك عرب تحاول أن تتملص فأعترضهم
وافنص فيهم صارخا خافوا ربكم حرام عليكم ادفعوا حتى القليل خلوكم
جدعان فضحتم بينا أمام الألمان أنتم مش عارفين قصة الشحاتة هذه
لو كان تعرفوا تتبرعوا حتى بملابسكم لها.. وأرغم أكثرهم على وضع
مارك أو مركين بعدها أضع الصندوق أمامها فتجمع النقود تضعهن في
جيبها وقبل أن تغادر تشير إلى النقود بما معنى هل تريد فأقول لها
لا أريد نقود.. لكن.. لكن اش ليبا دش.. فتبتسم وتضمني وتقبلني
أمام الناس.. أول مرة شعرت بالخجل.. بعدها أخذت الأمور عادي..
جبهتي لم تعد تتعرق.. صارتا وجنتي تحمران فقط وصرت ادفأ كثيرا..
ما عاد يؤثر فيّ أي ثلج أو زمهرير.. لأن هذه الشحاتة تقبلني بعمق
ولا تستعجل وقبل أن تتركني تراقصني وفمها يحاذي أذني ويهمس
باستمرار ليبا دش.. ليبا دش.. ليبا ليبا دش دش.. فاهمس لها
بالعربي.. يا ريت اتخليه ايخش.. بعد الانفكاك نغادر معا إلى
المطعم الصربي نتناول حساء وأرز ولحم مشوي وسلطة بها بصل وثوم
وكرنب وشرائح بيض مسلوق.. الطعام نتناوله على حساب الشايب الكريم
الذي يصرخ بعد السكر يا محمد أمتك ضاعت.. كان كريما وميسور الحال
ويتعالج من مرض لا أذكره.. لم اسأله مم يعاني.. دائما أقول له
أنت صحتك زي البمب واغني له أغنيتي مع الشحاتة.. ليبا دش ليبا
دش.. يا ريت اتخليه ايخش.. فينبسط و يحلف لي بطلاق أن أتناول هذه
الكأس ويقدم لي كأس نبيذ ابيض بعد الكأس الثالثة استأذنه.. طول
إلى الشحاتة الحبيبة.. قلت للشحاتة هذا جدي جراند فاذر فأحبته
كثيرا وفي إحدى الليالي غنى لنا أغنية سافر مازال قلبي ايريده
وصاحبته الشحاتة بالجيتار وغنى بانفعال شديد حتى بكى.
بعد العشاء نركب في الحافلة في آخر كرسي نتضامم ونتماطر بالقبلات
وانزل في محطة سكناي باد قود زبيرج وتواصل شحاتتي طريقها.. مرة
نزلت معي إلى فندقي وباتت لكن أنا لم اصحبها إلى بيتها أبدا.. لم
اشعر انه لها بيت سوى قلبي.. مازلت أتذكرها وفي الليل عندما أنام
احلم بها غصبن عني.. أه اشعر إنني خرجت عن موضوع النص.. لكن فعلا
كنت في هذه الأجواء مع شحاتتي وبالضبط في تلك الليلة التي صحبتني
إلى غرفتي في الفندق ووهبتني نفسها أو بالأحرى أنا من وهبتها
نفسي.. كنا في عالم آخر.. كنا قد جمعنا ملايين من صناديق
الجيتارات مملوءة بالذهب.. وأطنان من أوتار الموسيقى المشدودة
كطراوات.. كنا قد بنينا كوخا طازجا في غابة افريقية خضراء كنا
ملتحمين جيدا لا شيء في بالنا غير السعادة والسلام والأخوة والحب
وفجأة أغارت علينا طائرات اف 16 وغيرها وأمطرت مدينتي بقنابلها
العنقودية.. ليش يا أمريكا هكي.. لماذا يا أمريكا تقطعين لذتي
قطعك الله من جنة الجغرافيا.. ما السبب.. يقولون إن قنبلة انفجرت
في مرقص ببرلين يرتاده الأمريكيون اتهموا بها ليبيا.. أوف وآشيت
وشنو هذا الزنديمور.. أي شيء يحدث في العالم لأمريكا تتوجه
بأصابع الاتهام إلى ليبيا.. وكأن ليبيا قد خلقها الله متهمة..
أين الأدلة.. لا أدلة.. دائما أمريكا تبحث عن كبش فداء.. وكبش
الفداء لابد أن يكون دولة عربية أو إسلامية أو من العالم الثالث
بشرط أن يكون لديه ثروة.. خاصة البترول اللعين.. لقد استشهد في
هذه الغارة بمدينة بنغازي الكثير من المدنيين رجال ونساء وأطفال
وشيوخ وعصافير وأغنام وتشوه الكثير من الليبيين وتصدعت وهدمت
أجزاء من المدارس والمؤسسات المدنية.. هؤلاء الضحايا ما ذنبهم..
ومن يعوّضهم.. من يعيد إليهم حياتهم وطبيعة أجسادهم وممتلكاتهم
المحترقة وذكرياتهم وأحلامهم.. هل تعلمون أن حلمي المقطوع مع
الشحاتة لا يقدر بثمن ولا يمكن تعويضه أبدا أبدا.. وماذا لو كان
الذين ماتوا جراء الغارة أمريكان أو إنجليز أو أي بيض ممن على
رأسهم ريشة الصليب.. وفي طرابلس كان الدمار و الشهداء أيضا.. ولا
أحد سينسى استشهاد ابنة العقيد معمر القذافي بالتبني ولا بيته
المدمر والذي اصبح مزارا وشاهدا على الإرهاب الدولي الذي تمارسه
أمريكا على كل العالم الناشد للحرية.. والصراع والمجابهات بين
ليبيا وأمريكا لها تاريخ طويل ابتدأته أمريكا بحضورها من أقصى
الغرب إلى البحر المتوسط تستعرض عضلاتها فمنيت بهزيمة بحرية
كبيرة أدت إلى اسر سفينتها الحربية فيلادلفيا ببحارتها البالغ
عددهم ثلاثمائة ونيف وإجبارها على دفع ضريبة الحماية والمرور في
حوض المتوسط ونحن بالطبع إن أبحرنا في المحيط الأطلسي سندفع لها
وهذا عرف دولي قديم تطور الآن عبر مفهوم المياه الإقليمية
والتعاريف الجمركية.. وحتى ذاك الحين كانت أمريكا قوية بمالها
وأسلحتها لا تعترف إلا بالقوة وبواسطتها تسلب من تريد وتقتل من
تريد ولكي تقارع أمريكا أو تهزمها لابد لك أن تكون قويا مثلها..
تملك الأسلحة والمال والجيش المدرب جيدا والجرار.. على الدول ان
تتحايل كي تبني قوتها لتحفظ كيانها وخصوصيتها.. أمريكا الآن تخطط
لابتلاع كل العالم دون استثناء وحتى الفضاء ان قدرت على ذلك.. لا
تعرف شيء سوى البلع.. الاستهلاك.. تبدأ بالضعيف لتتقوى به اكثر
وتنتهي بمن يقاربها قوة بعد خداعه والغدر به.. حكاية ان هذه
الدولة لها تاريخ وأدب وفن وفكر وفلسفة والى آخر العلوم والفنون
والآداب الإنسانية حكاية لا تسمن ولا تغني من جوع.. هذه القيم
دون قوة تساندها تصبح لا قيمة لها.. قد ترفع المعنويات فيندفع
الناس للحرب والتضحية.. لكن لنكن واقعيين.. أين السلاح القوي
الذي يضاهي أسلحة أمريكا ويتفوق عليها.. لو كان القتال مع فلاسفة
أو بشر تؤمن بالحق والعدالة فمن الممكن ان تبتسم له أو تقول له
ليبا دش أو تنشد له بيت شعر أو تعزف له لحنا شجيا يدعو للسلام
فيتأثر ويمد يده ويصافح.. لكن مع أمريكا هذه الأشياء غير مؤثرة..
لا شيء تحترمه سوى القوة.. ان كنت قويا ستفاوضك وتتركك وشأنك وان
كنت ضعيفا فعدي نيّك.. ستلتهمك دون مقبلات.. تاريخك لن ينقذك
منها.. ومن وجهة نظري ان التاريخ الذي لا يجلب لنا القوة علينا
ان نتركه ونكفر به.. علينا ان نبني تاريخ حاضرنا.. فالوقت الذي
نستهلكه متغنين فيه بالماضي كثير جدا.. ربما معظم حياتنا.. نتقدم
خطوة ونلتفت عشر مرات.. اذكر جدي وهو ينصح حاصد زرع شاب.. احصدْ
ولا تنظرْ إلى ما كومت وراءك من سنابل.. احصد مادام أمامك زرع..
احصد وغني.. لكن تغني ولا تحصد فتلك هي الهروكة (تضييع الوقت)..
وها انذا لا احصد ولا اغني.. لكنني ارقص للمستقبل.. فالرقص افضل
من الغناء.. الغناء حركة لسان.. الرقص حركة جسد بما فيه.. جسد
ليبي روحه ولدت حيّة وستظل.. نستطيع القول ان ليبيا لم تولد من
فراغ وهي بلد له تاريخ عظيم يغوص في بضع آلاف من السنين قبل
الميلاد ولقد أثبتت الكثير من الحفريات واللقى الأثرية والنقوش
عراقة هذا البلد.. مع العلم ان هذه الأبحاث التاريخية حول هذه
الأمور ما زالت تحتاج إلى عناية أكثر ورصد إمكانيات مادية
ومعنوية ملائمة لتحقيق نتائج ملموسة.. أكثر الآثار الليبية
مدفونة تحت الأرض ولم تكتشف بعد.. وأذكر الأستاذ الباحث داود
حلاق بإمكانيات بسيطة قد نصفها بالبدائية استطاع أن يكتشف مركز
عبادة كامل بكل مرافقه للقديس الليبي مرقص الإنجيلي.. تاريخ
ليبيا القديم والمعاصر مادة جيدة للكتابة والإبداع بشكل عام..
فبلادنا تمتلك الكثير من الأحداث التي عاشتها.. فقد شهدت الفتح
الإسلامي ومن قبله حلّ بها الفينيقيون والإغريق واحتلها البطالمة
ثم الرومان والأسبان وفرسان القديس يوحنا والأتراك والطليان
ودارت على أرضها رحى الحرب العالمية الثانية وعاشت فيها منذ
القدم عدة قبائل قديمة جرمنت ليبو تحنو مشواش وغيرهم وبها نقوشات
تاسيلي التي يزيد عمرها على سبع آلاف عام قبل الميلاد وهى من
اكبر واعظم المتاحف الصخرية في العالم ومن ليبيا ظهر الملك شيشنق
الذي صار فرعونا يحكم مصر مكونا الأسرة 22 الفرعونية وما بعدها
من اسر ليبية حتى 26 وفي هذه العجالة لا يمكننا تحديد أو تعديد
ما تمتلكه ليبيا من ارث حضاري وثقافي ممتد حتى الآن العصر
الحديث.. بيد إنني في هذا الأعجوبة سأتناول جزئية بسيطة من هذا
التاريخ الضخم ألا وهي الحملة الأمريكية على ليبيا إبان فترة
الحكم القره مانلي مع بعض تداعياتها وبما إنني اكتب الرواية فعلي
ألا أعيد إنتاج التاريخ كما حدث بالضبط لكن سأضع عليه لمسة من
خيالي وأدونه كما استدعاه لي الإلهام سأترك الشحاتة الألمانية
وأتأمل كوندليزا رايس وهي تعزف على البيانو.. سمراء جميلة فيما
عدا رأسها.. سأزيل رأسها لأرتشف تغريد الأنامل.. داخل صندوق
البيانو أسياخ حديدية.. تتعايش في الظلام.. تـُطرَق من الخارج
فتـتطارق من الداخل.. الآذان تسمع ما تـنـقشه الأنامل.. الأنامل
تضغط الألواح البيضاء والسمراء.. الرأس هي الأمّارة.. والآن..
الآن أزلتُ الرأس من منصّـتها.
أذناي يا أحبائي في قلبي.. سأضع قلب
كوندليزا رايس مكان رأسها وأسمع دقـّـات حنون مُـدمّـاة.. أنا
أحبُّ السمراوات من دون رأس.. الشفة الغليظة ترهقني في
التـقـبـيل.. الأسنان الضخمة تـخـدش شاعرية لساني.. أما الشَّـعر
الأكرد فكاشط نعاسي لا محالة.. أحبُّ الحنجرة المرتعـشة
بالأنين.. أحبُّ الصدر القائم بذاته.. والسُّـرة المُـنـجَّـمـة
الغاطسة في جُـبِّـها.. أحبُّ الساقين المتـيـنـتـين الناعمتين
المنتهيتين بقدمين صغيرتين في مداس طري.. أحبُّ كل شيء في
السمراء عدا رأسها الناضخ بالبارود الذي لو شمَّ نار هـمِّي لضاع
العالم أكثر مما هو ضائع.
ماذا ستـفعل كوندليزا رايس بي ؟!..
ستعـتـقـلني أو بالأحرى أعْـتـَـقلُ لها.. جميل جميل.. ستعذبني
أو بالأحرى أعذبُ لها.. جميل جميل.. ماذا ستـفعل كوندليزا رايس
بي ؟! ستـُـقفـّصُني برتقاليا في معتقل غوانتانامو.. جميل جميل..
ماذا ستفعل بي؟!.
ستعلمني بقلبها العزف على البيانو..
ستدفـئـني بحنانها في أمسيات الصقيع.. اضغط هذا الإصبع يا ولد..
صول.. ري.. مي.. فا.. اضغط هنا.. هنا علشان خاطري.. أنا لا أحبّ
الضغط.. أخاف من مرض الضغط.. سأرفض الضغط على أي زناد أو زر أو
إصبع..سأتمرّد وأضغط على جبينها الوضاء.. النقي من البثور
والغضون وعقد الرجف.. أغضـّـنه بيباسي المستجد.. أموّجه لتتعالى
أمواج الود.. أقلع له الشمس بطريقة أجدادنا الليبيين الطيبين..
أفصده بظفري الأغـر لأخرج الغم.. الدم.. الصديد.. والدمع إن وجد.
أطهّره بأناملي النازة بالزيتون.. وأغني له بنور الشمس ودفء
القمر: سيكون العالم سعيدا جميلا من دون رؤوس.. سنزرع الأرض..
ونكتب.. نقرأ.. نرسم.. نعزف.. نرقص نغني..
سنعيش كما الآن بالضبط.. الحضارة كفيلة بمنحنا كل شيء..
الإلكترون وصلنا إليه وتجاوزناه إلى الأدق.. إلى الأفق..
سنـتـضاجع يا حبيبتي من دون قبلات.. السُّرة تـُـقـبّـل السرّة..
وحبلها يلتوي على حبلها باصقا فيه بلل القطع وأحلام الصراخ..
وكالعادة بعد كل حول تقريبا نـتـنـاجـب.. وكل مـنـجب جديد لابد
أن نـمـنـحه بـيانو يعزف عليه كما كوندليزا رايس.. نحبه كما
كوندليزا رايس.. نـحـز رأسه دونما تردد.. آهٍ لو فلتـت إحدى
الرؤوس.. آهٍ لو كبرت واستحالت جردلا.. آهٍ.. ثم آهٍ.. ستعيد لنا
الرؤوس.. وآهٍ من الرؤوس العائدة كم هي وقحة ولا تختشي.
ستعزف لنا كوندليزا رايس على البيانو نوبة
مألوف أندلسية لنتواشح معا رائعة أبي الحسن الششتري:
طابت أوقاتي.. واجتمع شملي بذاتي
وأنا مجموع
وفي مرآتي.. نظرت عيني صفاتي
والحجاب مرفوع
وبإثباتي.. صرت فاني في حياتي
ليش نكون ممنوع
زارني بدري.. ورسخ حبّه في صدري
يا أهيل الحي
وعرف قدري.. حين عرفتو صرت بدري
ما يفوتني شي
وبدا فجري.. وانطوى شفعي في وتري
يا له من طيْ
ويضع العازفون أعوادهم وبناديرهم ومزاميرهم
وأصرف شيخ النوبة إلى الخارج.. أمدد أصابعي لكوندليزا رايس..
تتأملهن.. تمررهن بمسحة خفيفة على الأصابع السوداء والبيضاء..
القصيرة منها والطويلة.. تجرهن بسرعة فيحدث البيانو صوتا سريعا
متدرج النغمات يرحل به الصدى لا أعرف إلى أين.. لن ألاحقه في هذه
المداسة.. حتما سيرجع لي.. أتأمل وجه كوندليزتي.. تبتسم عيناها..
وتبوح أسنانها.. أنت فزّانية.. أجدادك هُجِّروا إلى أمريكا
واحتفظوا بدمائهم السوداء.. حملوا طبول ومزامير أفريقيا إلى
العالم الجديد أو المغتصب حسب الأيديولوجية السائدة وغرسوها في
أرض سمعك ورنين ذكراك المهتـز.. ها أنت تعزفين لحننا الأندلسي
المتمايل نصفه العلوي في اتجاهين فقط.. غناء شرقي.. موسيقا
غربية.. قلب إنساني.. لا نشاز.. حتى أن شيخ الفرقة انتابته
الديمقراطية الموسيقية فصار يعصّد الفرقة بآلة العود.. وأحيانا
آخر يقفز ويتناول الجيتار رادحا بكسوته العربية كما إلفيس بن
برسلي ومايكل بن جاكسون.. كوندليزا تعزف على البيانو الكهربائي..
خيطه غاطس في بئر طاقة مباشرة.. يحول دفقات النفط إلى موسيقا
تشتعل.. يصخب مغيبا البزق والعود وحتى القانون.. الكل يبتسم لها
فتبتسم وتتأمل الوجود وتغـني معنا من اليسار إلى اليمين:
Taabt .. Aowkaty
Wagtamaa ..
shamly be thate
Wa ana magmooa
ويتجدد المالوف ونحن نترك لهجتنا الليبية
ونواكب لسانها مبتلع الحروف والكلمات.. فيعيش الموشح لحنا آخر..
في تاريخه ما عاشه قط.. زرياب يطل ويبتسم.. وإبراهيم الموصلي
يقهقه.. نحن سعداء.. مزجنا الغرب بالشرق في سلام فني.. نغـني
معا.. أنا أحب كوندليزا رايس.. فتاة لطيفة ظريفة.. سمراء رشيقة..
تعزف على البيانو وليس على النكد.. كل المستحيلات تلاشت..
والذائقة في داخلها لعبت فيها الموسيقا.. ودوزنـتها جيدا على
سلالم الحبّ والوجع الإنساني المشترك.. لقد كرهت حبيبات بلادي
الناقلات شارداتي ووارداتي إلى القوّادين الشفشيـين.. أحبُّ
كوندليزا رايس.. السمراء الصادقة.. التي دفأت أصابعي على جمر
البيانو.. وخلخلت روحي من مكانها الميت إلى مكان حي.. أزعم أنني
ارتحت فيه.. قلت لها هاتِ كفيك أيتها السميراء.. فناولتنيهما..
وضعتهما على لطوم خدي وبكيت.
قالت لي: هكذا حـنـّـيْـتَـنِي بالدمع..
قلت لها: دمعي طاهر دافئ، وحملتها إلى أمي
فنقشت لها في كل كفٍّ أيقونة تانيت.
***
تقول كوندليزا غنِ لي يا حبيبي أغاني الجدود.. ففي درنة لي بواق
من بقاياي.. جدّي الكبير هبط من الأسطول لجلب عرجون موز
للقبطان.. فتمّ أسره من السكان المحليين.. الذين كبلوه بحبال
الحلفا وسجنوه في بئر جافة لأيام.. وذات صباح أخرِِجَ وعُرِِضَ
على فقيه الجامع ليقول فيه كلمته وفق شريعة الإسلام.. ظنوه عبدا
آبقا.. لكن جدي يعرف الهوسا والسواحلية وعدة لهجات افريقية فهم
بعضها الفقيه الأندلسي الحاج بوعزّوز.. استحلف جدّي الفقيه
بالمسيح وذكـّره بالملك الحبشي المتسامح النجاشي الذي لا يظلم
عنده أحد.. وأبرز له صليبا صغيرا فضيا.. فخيّره بين اعتناق
الإسلام أو البقاء على دين المسيح ودفع الجزية.. فاختار دين
المسيح ودفع الجزية.. قادوه إلى إحدى كهوف حي بومنصور.. كهف كان
به رهبان في زمن الإنجيلي مرقس وما بعده.. الصلبان المنقوشة على
جدران الكهف مازالت تطل.. أمام الكهف شجرة تين ظليلة.. عاش جدي
في الكهف سنوات.. يعمل طباخا ومترجما في الميناء والسوق.. في
النهار يعمل وفي الليل يتعبّد في كهفه.. عرفه كل سكان حي بومنصور
خاصة الزنوج.. شاركهم أفراحهم وأحزانهم.. ألفته محلات درنة
كلها.. يعرفه الكبير والصغير.. الكل يناديه أبوسمرة.. الكل يحبه
ويساعده.. وفي الأربعين من عمره اقتنع أن الإسلام والمسيحية
واحد.. وأن الإسلام هو الدين الجديد.. نقاشه الديني الطويل مع
الفقيه بوعزّوز والشيخ الديباني وانخراطه في متابعة الدروس في
فناء مسجد الصحابة وحضوره لحلقات الذكر الصوفية ومشاركته في
أعياد المسلمين كلها أسهمت في تغيير وجهة نظره لصالح الإسلام..
والشيء المؤثر جدا الذي كان سببا مباشرا في دخوله الإسلام هو
معايشته لشهر رمضان بكافة آدابه وطقوسه.. أحب آذان المغرب..
وانتشى كثيرا بآذان الفجر المنعش بشطراته النيّرة..
الله أكبر.. الله أكبر..
أشهد أن لا إله إلا الله..
أشهد أن محمد رسول الله..
حيَّ على الصلاة..
حيَّ على الفلاح..
الصلاة خير من النوم..
الله أكبر.. الله أكبر..
لا إله إلا الله.
كان لا يأكل في النهار.. وعند آذان المغرب
يتناول طعامه في فناء الجامع مع المسلمين.. وفي السحور يتسحّر
معهم في قصعة واحدة ويشهد الفجر ثم ينام.. دفن الصليب تحت شجرة
التين النابتة أمام الكهف وسار إلى أعلى الدرب قاصدا الاغتسال..
عند الشلال التقاها.. تسقي قطيعها الصغير.. عشرة رؤوس ماعز وعشرة
رؤوس ضأن وتيس وكبش وكلب صغير وحمار هرم.. زوجها حوّات غرق في
بحر خليج البمبة.. لم تنجب منه.. بقت وحيدة.. رفضت كل أبناء
عمومتها من البدو الطامعين في ميراثها البسيط.. كثيرا ما زارت
مقبرة الصحابة للترحم على روح زوجها ورأت أبا سمرة وهو يقدم جرار
الماء للزوّار.. وفي مرّة حرس لها قطيعها حتى تمسّحت بقبور
الصحابة زهير البلوي والزوّام والفارسي رضي الله عنهم.. هي بدوية
من قبيلة العبيدات.. وهو فزّاني هُجّر أجداده إلى أمريكا وها هو
يعود إلى أرض الوطن كطبّاخ مارينز.. استلطفها واستلطفته.. سيكلم
عنها الفقيه بوعزوز والشيخ الديباني.. علها تقبل به.. دخل
الإسلام.. وتسمّى ببلال وختنه فقيه الجامع العتيق.. وبعد شفاء
الجرح زفـّت له.. قالت لنساء قبيلتها.. هذا فارس أتى لنصرتنا
ودخل ديننا.. منحنا دمه فلماذا لا نمنحه دمنا.. وعاشا سعداء..
وأنجبا البنين والبنات الخلاسيين اللطفاء.. الكهف حوّره إلى بيت
صغير دافئ.. نحت في داخله سدّة للنوم.. تحتها خزانة بباب خشبي
صغير.. وجعل للكهف بابا من جذوع النخل.. وفرش الكهف بجلود الصوف
والماعز ,, جعل ركنه الغربي للنوم والجلوس والطبخ وركنه الشرقي
مصلى.. كان زواجا مباركا.. ومصاهرة مفيدة خالطته بشيوخ الجبل
وبرقة والواحات و مكنته من تتبع جذوره القديمة الغائصة في طين
مرزق وأوباري والقطرون.
عاد الأسطول إلى أمريكا من دونه.. انقطعت أخباره.. حتى جاء يوم
في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين وطرق باب شقتنا كهل يهودي
ملتح في أذنه قرط طوبي اللون على هيأة حلقة ويرتدي اللباس الليبي
التقليدي المسمى كَاطْ مَلْفْ.. قال لأبي إنه يهودي ليبي ومعي
أمانة إليه من شيخ فزاني يسكن كهفا في درنة.. وسلمه مظروفا به
مخطوط مهترئ.. قرأ فيه أبي ما سردته لك سابقا أيها الحبيب.. آه
ليتني ما كنت مستشارة ووزيرة ولكان كنا معا الآن أكتب معك وتعزف
معي على البيانو.. وننام في فراش الفراشات.. لكن لا تزعل.. قريبا
سأستقيل وأكون مثلك رقماً عادياً في روزنامة التاريخ.. لكن
آسفة.. أنت غير عادي.. أنت تكتبني وتجترني إليك بجدارة.. نهدا
نهدا ودمعة دمعة..
آه كم أحبك أيها الظريف.. يا ملح حياتي وبهار معناها.
كنت يا محمد آنذاك صغيرة.. عمري أربع سنوات تقريبا.. على ظهر
المخطوط رسم باهت لشجرة عائلة تبيّن منه أبي أنَّ جدي من فزان
وجدتي من الحبشة.. فصار كل عام يجمعنا في غرفة الجلوس.. يفرد
أمامنا خريطة أفريقيا ويحكي لنا عن فزان.. عن بلادنا.. يقدم لنا
تمراً ولبن ناقة يجلبه خصيصا بواسطة البريد السريع من الصحراء
الليبية الكبرى.. التمر في طبق سعف نخيل واللبن في وعاء فخـّار..
نأكل ونشرب.. وأبي يحكي لنا عن صحراء ليبيا.. عن مرزق وتازربو
وزويلة.. عن غات والقطرون وأوباري وغدامس.. يحكي ويدمع ويطلب منا
الرقص على موسيقا أغنيته الأثيرة:
Ana boy
men fazzan wa amy khadem)
أنا
بوي من فزان وأمي خادم)
) Wally garaly
ma graa leb nadam)
واللي جرالي ما جرى لبنادم)
غنِ لي يا محمد عن درنة.. ففيها جدي وأحفاده
الذين بالضرورة أن يكونوا هذا الزمان موجودين.. سأجد الكهف.. و
الذريّة.. و الذكريات.. سأجد أسطورتي القديمة في مياه الجغبوب
المالحة وأجد حبيبي الذي هو أنت.. وأجد الصليب الفضي الذي دفنه
جدّي تحت شجرة تين أمام الكهف.. وأجد جدتي الأصيلة عروس النيل في
بر الحبش.. وأجد السعادة التي أريد.. وأجد الوجود الذي أبحث
عنه.. الذي ليس تحته أرض.. ولا فوقه سماء.. أنا ريشة سوداء..
فحمة خصب تكتب النماء.. على ورق لم أجده بعد.. آه يا سيدي
بومنصور.. يا مبارك.. يا نور واحة جدي وجنته وملاذه.
كوندليزا تريدني أن أغني لها عن درنة..
وعندما أبحث وأغني أجد وعندما أبحث في خرس لا أجد.. أنا الوتر
الصاخب الملموس الممسوس بريح الجنون.. كوندليزا رايس تحب درنة..
تحب شلال الماء عازف موسيقا الهدير.. هذا الشلال العذب الذي
التقى عنده جدها بوسمرة وحبيبته البدوية رقيّة.. عند الشلال أوان
الأصيل وزقزقة العصافير العائدة إلى أعشاشها في أوج صخبها قرر
بوسمرة أنْ يبُوحْ فقطف وردة قرنفل قدّمها لرقيّة العبيدية
محيياً حضورها بطريقة البدو الليبيين الرائعين:
asslam ala bant
lajwad
(السلام على بنت الاجواد) أجابت رقيّة:
سلامك أوصلْ..
وعقلك حصل..
وهات ستين غنّاوة علم..
على صوب العزيز تشل.
وقال لها بوسمرة منيلي يا حسرة ستين غناوة
علم.. لدي ثلاث كلمات بس ورد اغطاهن.. فأومأت له رقيّة أن يغني
كلماته الثلاث.. فقال بوسمرة ببعض الخجل:
Ya
na aly mennk
)
يا نا عليْ منـّكْ
).. ويا ناعلي كلمة من الدارجة الليبية تعني الإعجاب وفي سياق
آخر تعني الألم.. وهنا تعني الإعجاب بجمالها والتألم من حبها إن
رفضته..
وحدث بعدها ما حدث من دخوله الإسلام
والتسمّي ببلال وزواجه منها وإنجابه ذريّة انتشرت في كل بقاع
الجبل الأخضر وطبرق وبنغازي.. حدث هذا الزواج بعد حملة إيتون
وأحمد باشا على مدينة درنة بخمس سنوات تقريبا أي حوالي عام
1810م..
أبوسمرة هو طبّاخ إسحق هول قائد السفينة
أرغوس المشاركة في الحملة على مدينة درنة.. بعد احتلال المدينة
وهرب والي درنة مصطفى باشا القره مانلي وأسر زعيم المقاومين
الليبيين الشيخ محمد ليّاس الكبير أرسله ربّان أرغوس إسحق هول
لجلب بعض الموز من جنان الهنيد القريب من الشاطئ فتمّ أسره
والصعود به إلى منطقة بومنصور من قبل أحد الجيوب المتبقيّة
وسردنا بعدها ما كان من أمره.. لم يقدمه شيوخ الجبل للسلطات
القره مانلية حتى بعد أن أبرمت أمريكا معاهدة صلح مع يوسف
القرمانلي باشا طرابلس كان من ضمن بنودها تبادل الأسرى فورا..
فاستلمت أمريكا بموجبها الثلاثمائة وسبعة بحارا أسرى الفرقاطة
فيلادلفيا.. واستلم الباشا أسراه القليلين عند أمريكا.. من ضمن
هؤلاء الأسرى كان الشيخ محمد لياس الكبير وهو أحد المقاومين
للغزو الأمريكي لمدينة درنة.. حارب إيتون وحليفه أحمد باشا حتى
أسر وسجن في السفينة أرجوس.. لم تعبأ أمريكا بطبّاخ زنجي.. لم
تطالب به الباشا.. و سُجّل مفقوداً.
كان أبوسمرة طباخا ماهرا مُدبِّرا.. من قليل
زاد يشبع أفواها كثيرة.. عندما أسّر الشيخ محمد ليّاس الكبير وضع
في زنزانة قذرة مظلمة في قاع السفينة.. أبوسمرة هو من يجلب له
الطعام.. لا يتبادل معه أي كلمات حسب الأوامر الصارمة من إيتون
نفسه.. يمنحه رغيف الخبز وصحن الحساء.. يشير له الحاج بما معناه
أريد ماءً.. يقوم أمامه بتمسيح راحتيه وتخليل أصابعه في بعضها
كمن يغسل يديه.. يغرف بيديه من وعاء خيالي ويرش على وجهه.. فهم
أبوسمرة الأمر وصار يتسلل له في أواخر الليل محضرا له جردل ماء
دافئ وبعض ثمار الفاكهة والتمر وعرجون يكنس له به الزنزانة.. ذات
ليلة مقمرة زاخرة بالنجوم وجده واقفا يصلي حِذاء نافذة القمرة
الدائرية ويقرأ:
بسم الله الرحمن الرحيم.. والنجم إذا هوى.. ما ضلَّ صاحبكم وما
غوى.. وما ينطق عن الهوى.. إن هو إلا وحي يوحى.. علّمه شديد
القوى....................
حتى آخر السورة.
فانبهر بالصوت والكلمات العميقة هذه.. لو
أنه يفهم العربية لفهم معانيها.. هكذا تمنّى.. بيد أنَّ الآيات
استدعت لنفسه المواعظ والحكم التي يروونها عن المسيح.. والتراتيل
التي يسمعها في الكنيسة ويقرأها في الإنجيل.. شعر بأن هذا الشيخ
قديس صالح.. شيخ مبارك.. يدافع عن أرضه وحريته.. يرفض أنْ يؤخذ
رقيقا يباع في أسواق النخاسة.. صار كل ليلة يحضر إليه.. يهرّب له
ما تيسّـر من مؤن وماء ويجلس أمام زنزانته يستمع تلاوته للقرآن..
كان لا يشعر بأي ضيق.. بل نفسه تنشرح ويكتنفها الاطمئنان.. الموج
يهدهد السفينة فيميل معها كما يميل الشيخ أثناء القراءة للأمام
والخلف والنجوم والقمر على صفحة ماء البحر الشاسعة تفعل مثلهما
الشيء نفسه.. الموج أيضا يجرف نفسه دفقات ودفقات لا تعرفه إن كان
يبتعد أم يقترب.. الشيخ يقرأ من رأسه عن ظهر قلب.. وعندما يريد
الصلاة يفرش حاشية جرده ويصلي.. الكلمات التي حفظها بوسمرة
تلقائيا من كثرة تكرارها أمامه هي:
السلام عليكم.. بسم الله الرحمن الرحيم..
الحمد لله.. حسبنا الله ونعم الوكيل.. أستغفر الله.. الخناس
الوسواس.. الله أكبر..
عندما ربط قاربه الصغير في نتوء صخري بالشاطئ وتسلل في غبشة
الفجر إلى جنان الهنيّد ليقطف بعض عراجين الموز قفز عليه شابان
قويّان أسقطا منه السكين وخنقاه بحبل فاستسلم لهما وشدّا وثاقه..
كانا يريدان قتله.. لكن الذي أوقفهما عن فعل ذلك هو ترديده
لكلمات..
salam alikm.. basm allh alrrahman.. alrahim.. alhamdo lallh..
وعندما نطق بكلمة
alkannas alwaswas..
صاح أحد الشابين في صاحبه العن الشيطان يا شليمبو.. رانا ناخذوا
رقبته.. بلكي الشويشين مسلم ولا يفهم لغتنا.. ناخذوه للشيخ
الديباني يفتي لنا فيه.. خلينا نطمروه في بير ونشيّط النار في
الفلوكة.
وهُزمت الحملة وانسحبت السفن إلى البحر وعاد
الشيخ محمد ليّاس الكبير من الأسر البحري واستقبل بالأناشيد
والزمير والتهليل وضرب الدف.. وغنت الناس فرحة بعودته ورداً على
غناء الأعداء التهكمي ومن الأغاني الطريفة المغناة ذاك الزمن
غنّاوة غنتها مغنية أحمد باشا وحليفه الأمريكي ايتون تقول:
بندقهم
امغير امحاش.. لا تخاف يا باشا حمد.
أي أن سلاحهم عبارة عن مناجل صغيرة حقيرة
فلا تخاف منها أيها الباشا أحمد وهاجمهم.. وترد عليها مغنية
الفريق المقاوم للغزو:
امحاش يقلعن من الجذر.. شيل شيل يا كافر
حمد.
أي أن هذه المحاش قوية ماضية تقلع الأعداء
من جذورهم فارحل واحمل أمتعتك يا كافر حمد وتقصد أحمد باشا الذي
اعتبر كافرا لأنه تحالف مع الأمريكان ضد أبناء وطنه ودينه..
وعندما تمَّ أسر الشيخ محمد ليّاس من قبل جيش أحمد باشا وإيتون
وتمّ سجنه في السفينة أرغوس في عرض البحر غنّت مغنية أحمد باشا
وحليفه إيتون قائلة:
اللي بيه اتكاموبا.. يا هو خذاه ديموم البحر.
أي البطل الذي تتغنون به وتعتمدون وتتكئون
علي قوته وهيبته ها هو أسير في عرض البحر.. وعندما تمَّ الإفراج
عن الشيخ محمد لياس الكبير واستقبل على الشاطئ بكل مظاهر الفرح
من رقص وغناء وزمير غنت مغنية المقاومين:
عليه يضربن نوبات.. اللي خذاه ديموم البحر.
أي الشيخ الذي أخذ أسيرا إلى السفينة أرغوس
في عرض البحر عاد إلى اليابسة معززا مكرما منصورا مستقبلا
بالزغاريد والغناء والزمير والرقص من قبل كل الليبيين الوطنيين
الشرفاء.
كان بوسمرة يشاهد موكب النصر هذا.. ويذرف
الدمع.. الشيخ محمد لياس لم يره من الزحام وهو لم يتطفل ويقترب
أكثر.. لكن بعد عدة أيام التقيا مصادفة قرب مقبرة الصحابة وجها
لوجه.. صافحه الشيخ وعرفه ودعاه إلى الطعام في مربوعته وأخبر
الجمع كيف كان يحضر له الماء الزلال الدافئ ليتوضأ ويصلي أثناء
أسره في الباخرة أرغوس وكيف كان يكنس له الزنزانة بعرجون نظيف..
ومذ تلك اللحظة ارتفع قدره عن ذي قبل وصار كل سكان المدينة
يحترمونه ويقدرونه ويتوددون له ويدعونه لأفراحهم وولائمهم.. صار
واحدا من المدينة.. والمدينة صارت متوحدة في حبّه.. كوندليزا
رايس جدها من ليبيا من فزان من درنة.. درنة المتواجد سيفها
القديم في أمريكا.. والمنقوش الآن شعارا لجنود المارنز.. درنة
التاريخ المجيد.. حاملة القيم الإنسانية الراقية.. درنة التي
تحبها كوندليزا كما تحبني بالضبط وكما أحب درنة بالضبط.. درنة
التي لا نمل الحديث عنها كما لا نمل من شمّ أزهارها وارتشاف
مائها الرقراق أبدا.. درنة.. دارنس.. إيراسا.. درنة.. |