بنتُ السلـطان تموتُ جـوعاً
حواء القـمـودي
العينان غارقتان
في تفاصيل الجسد، جدران بيض، كتب كثيرة، هنا.. هناك، خليل حاوي،
غسان كنفاني.. والعينان غارقتان، الجسد يطل من مرآة، المرآة
كبيرة.. كبيرة جداً.
بنت تلهو بشعرها تصعد عالياً كي تصل المرآة، المرآة كأنها أرض
مدحوة هناك سترى شعرها، عينيها، تتلمس أنفها شفتيها.. لكن الشعر
يسكرها، غارقة في انسيابه على وجهها، تتأمل قسماتها وراء غيمه
المتناثر.. مرآة كبيرة.. كبيرة.. المرآة تصغر، الجسد يعلن حضوره
البهي، الحجرة واسعة، جدرانٌ ليست بيض، الضوء غامر، ضوء شمس
غامر.
المرآة ترى.. كيف تحكي المرآة عن الجسد.. جسد يغمره الضوء، ضوء
شمس يتجلى في كونها الفسيح غارقاً في بهائه، عينان ترقبان الجسد،
يدان تتلمسان، نهدان.. كيف لليد أن تحكي عن النهد.. خصر، ردف،
قدمان.. قدمان تتلمسان الجسد على مرآة.. المرآة تشهد تولع البنت
بجسدها، حنان يتسرب من جسد إلى مرآة.. كيف تحكي المرآة عن ذاك
الحنان؟.. كيف تحكي تولعها بالجسد المغمور في ضوء شمس؟.
ثمة ليال.. لابد من ليال.
بنت تتولع بجسد مغمور في ضوء شمس، بنت تتولع بجسد مغمور بالقمر..
ما أدراك ما القمر.. المرآة قصية ترقب ضوء البنت المتولعة
بالجسد، الجسد المغمور في ضوء القمر، البنت تتوحد جسدها تتجلى به
في ضوء القمر، قمر يطل من نافذتها، نافذة بلا شباك حديد، نافذة
مشرعة للريح، لليل، للشمس والقمر، للنخل والزيتون، للسحاب
والمطر.
البنت تتلمس تفاصيل الجسد، الجسد المغمور بالقمر، القمر الذي
يغمر البنت.. هل رأيت جسداً مغموراً في ضوء القمر؟.. هل تلمست
تضاريسه؟.. البنت رأت جسدها مغموراً بضوء القمر المرآة كانت
قصية، والبنت تتلمس الجسد.
غمر البنت زمن.. المرآة تاهت، الجدران بيض، كيف اهتدت المرآة إلى
البنت، البنت عينان غارقتان في تفاصيل الجسد، كتب كثيرة، هنا
وهناك، جدران بيض أربعة، أجساد، سجادة كون مثير من الأجساد غارق
في نوم.. كتب هنا وهناك، خليل حاوي، غسان كنفاني، العينان
غارقتان.. الجسد يطل من مرآة، المرآة ترقب البنت..
(نشرب كاسي ونموت بين ناسي ... وما يقولوا عبد ناسي)
أصاب جوع إحدى البلاد، غاب المطر، مات الزرع، جف الضرع، ترامت
أجساد الناس في الدور والقصور.. كان للبلاد سلطان، كان للسلطان
رعية، غاب المطر،، ما أعجز أن ننتظر الموت.. سلطان ورعية، سلطان
وحاشية، سلطان وكل أهله.
تساقوا كؤوس من السم، بنت السلطان وضعت كأسها، خرجت تجوب بلاداً
ميتة، أخذتها المسافة حيث حطت مرهقة مكدودة على باب أحد البلاد..
ظلت هناك، حتى تعافت خرجوا بها إلى أسواق المدينة يتفاخرون بها
ويحاولون معرفة من هي.
لن تأبه للمعان الذهب والجوهر.. لم تلمس نعومة الحرير.. وحين شمت
رائحة الخبز، هرعت مسرعة، رفعت الرغيف، تتشمم عبقه، حانت منها
التفاتة، رأت غمزاً في العيون، هيا ‘إلى حيث أكون.
دخلوا بلاداً عامرة بالدور والقصور، دخلت إلى حيث كأسها، إلى حيث
ناسها، رفعت كأس السم إلى شفتيها (نشرب كاسي ونموت بين ناسي ...
وما يقولوا عبد ساسي) |