|
تهمة تتـقـدم زجّال
صلاح عجينة

منذ البداية أُعرب عن تضامني مع فكرة الشعر المحكي كمنفذ للتعبير
الشعري ولا أجدني أتعاطي أفكارا تقول بأن الشعر باللهجة العاميّة
إفساد للعربية والذوق ومحاولة للاغتراب بالثقافة العربية
والمواطن العربي عن جذوره العربية الأصيلة -.
إنني علي نحو ما أشعر باحتياج الثقافة إلي وسائط التعبير الشعبي
التي يمثل هذا الجنس الأدبي شكلا من أشكالها، وفي مقابل هذا
الارتياح للشعر المحكي كنت ممن احتفي بالشاعر الصيد الرقيعي في
ديوانه [عيون سالمة] كشاعر صاحب رؤية.. وكنت من المتحمسين لجمع
أهم ثلاثة شعراء في هذا اللون – أهم تعني هنا الأكثر حضورا
ونشاطا- وهم الصيد الرقيعي ومحمد الدنقلي وسالم العالم في أمسية
شعرية في مدينة الزاوية, والتي تعد أول أمسية تجمعهم معا ومن ثم
توالى هذا الائتلاف في نسج تشابكه مع الحياة الثقافية كائتلاف
جماعي, وليس كمحاولة فردية ومعهم شخص رابع من مدينة بنغازي لا
أذكر اسمه بالضبط..
وبهذا المدخل اعتقد أنني حينما أبدي مجموعة ملاحظات حول هذا
الموضوع لا يأتي من باب التحامل على شرعية هذا الجنس كما يحاول
هؤلاء الشعراء النهوض بالتشكي كلما اقترب منهم أحد على سبيل
النقد حول نصوصهم التي مازالت تحتاج إلى الشمس والنضج الفني
باستثناء نسبي يخص الشاعر الرقيعي..
ومجموع ما أود أن أقوله لا يشتغل على رصد مثالب بعض هؤلاء
الشعراء في تكريس أنفسهم بأشياء لا تليق بهيبة الشعر وجلاله أو
غير ذلك, بل تنشغل هذه الملاحظات تحديدا حول شاعر بعينه كنص
وخبر..ألا وهو محمد الدنقلي وقد وجدتني أقول بالشاعر رغم ما
يعتري هذا اللقب من ثغرات آمل أن يتعرض بنفسه لعلاجها في الفترة
القادمة كي نكسبه إلى الثقافة ويكسب الثقافة إليه, وما جعلني
انتبه إليه في هذه المداخلة الشهرية هو استطلاع نشرته صحيفة
الجماهيرية معه والرقيعي وقد أعلن فيه الدنقلي بخط عريض ما يلي:
- أن الشاعر الشعبي قد استنفد ما لديه ولم يعد لديه ما
يقول.
- نحن شعراء المحكية من بشّر بالثورة بخلاف الآخرين ونحن
جنودها وحواريها.
- شعراء المحكية وهذا إعلان دائم للدنقلي- هم أربعة: أنا
والرقيعي والعالم ورابع من شعبية بنغازي اسمه عبد الخالق أو عبد
القدوس لا أذكره تحديدا الآن..
- أن الشعر المحكي هو البديل التاريخي والثوري للشعر الشعبي
والعامي المغنى-الغنائي-..
وبهدوء, هذه الآراء أود بكل شفافية التعرض لها بانطباعات كما
يلي:
الشاعر الحقيقي لا يصادر جنسا أو لونا إبداعيا في المطلق كطريقة
للإبداع, مثلا, يمكن أن يقول أن الشعراء الشعبيين في فترة
تاريخية ما لا يتميزون بالتجويد الفني وبمحدودية رؤاهم الشعرية
أو.... فالتعميم الأعمى ومصادرة لونا إبداعيا برمته اعتقد أنه
عمل يجانبه الصواب.. وهنا أتذكر أبياتا لشاعر شعبي شاب اسمه
الزروق البريكي من مدينة سبها يقول فيها:
أمرك حاسمه في قلبي
في جوي كنينه راسمه
وديني وما نعبد إفادي قاسمه
بينك وبين أمي
ومعاذ انطيق فراقك دقيقه
النوم في عيني مخاصمه
غلاكم أمزق كبدتي تمزيق
وين تخطري تبدى أيامي باسمه
معاك وبلاك أملفقه تلفيق
ويلقن عيوني الناحيات رفيق
إدير طريق بصبرك تتسع واضيق
يا غالي ربي إدير طريق..
اعتقد أن الدنقلي في النص الذي يلقيه دائما, والمعنون بـ[مبتلي]
اشتغل فيه على هذا النص وغيره لبعض الشعراء الشعبيين..وفي مقطع
من [مبتلي] يقول:
وحدة, وديني نحبها..
سمها في عيونها..
يا هوه.. هايا.. هاي..
هنا بالذات الزجّال الشعبي لم يستنفذ مخزونه التأثيري أمام
الزجّال المحكي الذي يمثله الدنقلي.. لماذا؟، لأن الزجّال الشعبي
هزّ الوجدان أكثر حين قال و[ودين وما نعبد], التي بها حرار
تعبيري يستمد جذوره من ثقافة روحية تصوغ المجتمع الليبي بخلاف
الدنقلي الذي صار يصرخ بـ[هبا.. هاي..هوهو ] على غرار صرخات الرقصات
الأفريقية الوثنية..!!
الفرق الحاسم بين القسمين أن [دين وما نعبد] يحيلك إلى المعنوي-
السماوي وأن [هبا هبا] تتتبع الحسي في مشهد جنسي لراقصات
أفريقيات أو حتى عربيات حين يلذن في رقصات شعبية بهز خصورهن وسط
تصفيق ملحّ من رجالٍ يحمن حولهن..إنه المشهد الأكثر بدائية..
وهنا بالضبط ينفرد زجّال شاعر شاب اسمه الزروق البريكي رغم أني
لا أعرفه شخصيا, إلا أنه انفرد بجلال وبلمسة فنية على حساب زجّال
محكي يقول بنفاذ المخزون الإبداعي للزجل الشعبي, زجّال يعتلي ألف
منبر في الأسبوع وأعرفه شخصيا ومن أصدقائي, لكن الكتابة أمر أخر,
تتغذى على الصدق وحده.
- أما بالنسبة لقول الدنقلي أنه الذي أول بشّر بالثورة بالشعر
المحكي, وإلى غير ذلك من الاشتغالات الأيدلوجية التي لا أتقن
أهدافها ورسالتها السياسية والثقافية الواردة على لسانه, إلا
ملاحظة واحدة وردت على لسان زجّال شعبي وهو يبتسم وبالصيغة
التالية: [ هذا من يقول بالمحشي – يقصد المحكي- متى بشّر بالثورة
وهو من مواليد 2002- على اعتبار أن زمرة المحكية صارت تتشكل
شخصيتهم الثقافية بعد الألفين باستثناء الرقيعي الذي بدأ يُعرف
ويُعرّف بهذا اللون منذ عام 1997- ثم ابتسم ثانية وأردف ألهذا
الحد صارت المغالطة تعلن عن نفسها في وضح النهار, ثم واصل حديثه
بقوله: صحيح نحن أهل الشعر الشعبي ولا سيما المجددين لا تعرفنا
وسائل الإعلام والصحف والمجلات ومنّا الأميين ومنا ما دون ذلك,
ولا يعرفنا الوسط الثقافي بخلاف زمرة المحكية, إلا أن المصادرة
التاريخية تصل إلى هذا الحد فإنني أرجئ هذا إلى حكيم ينصفنا في
نفسه وأمرنا إلى الله وحده..].
- أما بخصوص أن شعراء المحكية مربع- حسب تعبير الأخ الدنقلي-
والإقصاء الدائم لبقية مرتادي هذا اللون, فإنني لن أذكّر بأسماء
كثيرة كتبت فيه وتكتب في ليبيا ومنهم من يفوق هذا المربع ومنهم
من يجعل من المربع إذا حسب فيه مستطيلا أو دائرة أو شبه
منحرف..بل سأذكّر بشاعر من بلدة الدنقلي الأصلية وهي زلة والشاعر
هو الأستاذ محمد الربيعي فالإضافة لشعره العذب بالفصحى لديه
قصائد بالمحكية مشحونة بالرؤية والإحساس الكثيف منها [ حلم كذّاب
وكاثرين] ولا أدري كيف ينسى الأخ الدنقلي هذا الشاعر رغم الدم
والجغرافيا والموهبة ورغم أن أهم قصيدة للدنقلي والتي عرف بها
وهي قصيدة زلة مطلعها وخاتمتها للأستاذ الربيعي والأشد غرابة أن
الدنقلي لم يعلن ذلك بالمرة ومن مقاطع الربيعي في القصيدة ما
يلي:
من المطلع:
من هو اللي روحه هبا
ما هيش قطعة من الوطن
من هو اللي ناسي دما
سالت وزين الثمن
الله من سحر المكان
كيف جوايا سكن
وين ما يقولوا ليبيا
يكبر معايا عشقها
ننسى إني من غربها
وننسى إني من شرقها
وتذوب في صدى الأنا
وتوقف عقارب هالزمن
وين ما نكون وحيد
هايم وفاضي البال
يقطع عليا خلوتي
أواه هالسؤال
زلة زعم زلة....
أما خاتمة الدنقلي الأصلية فقد كانت
على النحو التالي:
زلة حكاية ثانيه
جت مع خرير السانية.
لكن الربيعي الشاعر وجد أن أفق زلة ليس مقتصرا على الزراعة فحسب
بل بها حياة الصيد والرفض للغاشم المعتدي و...فكانت الخاتمة
بإمضاء الربيعي على النحو التالي:
زلة حكاوي ثانيه
جت في خرير الساقية
وقنّاص ومباتا خلا
أمواعد جلوبه راقيه
وتشهد تواريخ العدا
وآثار منهم باقيه
لا صيف رامت صفا
وعللها يزهي البال.
ولا أستطيع أن أترك هامشا هنا إلا خشيتي من الربيعي على نص
زلة!!.
- أما بخصوص أن الشعر المحكي هو البديل التاريخي للشعر الشعبي
والغنائي معا, فأود أن أطرح سؤالا يخص قصيدة الدنقلي[توحشتك]
والتي استمعنا لها في الأشهر الأخيرة من عام 2004-والسؤال مدى
علاقتها بقصيدة [توحشتك] للشاعر الغنائي المعروف الأستاذ صالح
عباس سليل الجفرة وابنها المقيم شأن محمد الربيعي والتي كتبها
عام 2000 ومطلعها يقول:
توحشتك..توحشتك..توحشتك
من أول يوم لغيابك..
توحشتك وقلبي طار يالودودة
حمامة ترف على بابك..
توحشتك يا نفحة شذى فوحي..
إلى أن يختمها بهذا المقطع:
توحشتك..مش كلمة..ومش آهة وتنهيدة
توحشتك يا حب العمر..يا شمسه
يا سحر البدر..وأحزانه
ويوم عيده..تغيب الفرحة بغيابك
وينسى الطير تغريده
وتزهى العين والحاجب حتى بشوفة
أصحابك..
يشترك النصان في المطلع [توحشتك.. توحشتك.. توحشتك] كما يشتركان
في ذات المضمون وذات المفردات وذات الرؤية ولا يختلفان إلا في
تاريخ كتابتهما وانتشارهما فما بينهما فقط مائتي -200- أسبوع.
وعند هذا الحد أقف لأقول ما يلي:
بالنسبة للأخ الدنقلي الرافض للشعر
الشعبي ولغيره من شعراء المحكية, فقد اشتغل في أهم ثلاثة نصوص
عرف بها على شاعر شعبي وآخر غنائي وثالث محكي من خارج نطاق
الفصول الأربعة, ومن ثم السؤال ماذا لو تم تحقيق إنتاجه من قبل
أستاذ تراث أو مهتم ذاكرة, فأين يذهب الأخ الدنقلي..فهل يلتحق
عندها بسالم العالم المتهم الأبدي من طرفه بالاشتغال عليه وعلى
الآخرين أم يذهب إلى أكثر من ذلك على اعتبار أن العالم لا يقصي
أحدا ولم يشتغل على الآخرين بهذا الشكل الفاضح.
إنني ومن أجل الشعر أؤمن بأن الشاعر
لابد له من استيعاب الآخرين قراءة واشتغالا وليس محاكاتهم بطريقة
بدائية, ولابد له أيضا من نبل الاعتراف بالآخر – الرافد له- وأن
ينهمّ بالشعر كجوهر وأن يعرّف نفسه بهذا الجوهر, وليس باستدعاء
الايدولوجيا ومصادرة الآخرين وإخفاء المغمورين والتنكيل بهم
أثناء غيابهم الشخصي وأثناء حضورهم مع نصوصهم وأثناء مكابدة
الفرار من كثافة الحضور المجاني والإعلامي, والذي وصل بالبعض
بالمشاركة حتى في أمسيات وأصبوحات لأطفال المدارس الابتدائية
والإعدادية.
الشاعر قيمة, والشاعر روح, أنا لا أحب
الهتاف حتى بهذه الفضيلة, لكن وجدت نفسي مضطرا لأذكّر نفسي بها
حتى أنفض من ذاكرتي مشاهدات تساقطت في مخيلتي وأنا استدعي ما
استدعيته للنقاش آنفا في هذه المداخلة الشهرية التي تنشغل
بالحديث أكثر من الكتابة.
وأختم بالسؤال التالي وهو هل يتسنى لي أن ألخص قولي بهذا
الانطباع:
فإذا كان مثلا الشاعر الرقيعي شاعر
يتوّثب لكتابة نص محكي وفق فهم جيد لأهداف الحكي, وإذا كان
العالم يمزج هدف المحكي بأهداف الغنائي..فإن الدنقلي..فاشهد
ذاكرتي أمام ذاكرتي أنه زجّال شعبي بالأساس لا تقوله أيضا مربعات
الزجل الشعبي ولا سداسياته وقد امتلك فرصة الاقتراب من الثقافة
ورجالاتها وكان يملك موهبة الأداء الركحي, والتي طوّرها من خلال
تحصيله العلمي في معهد جمال الدين الميلادي لفنون المسرح
والغناء, لذا فحالة التنكر للزجل الشعبي من طرف الأخ الدنقلي لا
تفسر إلا برفضه لنسبه الإبداعي.
نشر بمجلة غزالة- العدد:11مزدوج-أغسطس, سبتمبر 2005 |