|
كُشري القاهرة.. سحلب الفن
خالد درويش
لم يكتب أحد عن القاهرة أبدا وتطابق الواقع والكتابة، ولازال
الأدب عاجزا عن رسم صورة حقيقية لهذه الخلطة العجيبة من كل شيء
وفي كل شيء وعن كل شيء.
القاهرة.. لم تكن الحروف موفقة لأن تصف معاناتها، إحباطاتها،
جمالها، عقدها، عهرها، تقواها.
لا أفهم القاهرة، صديقي الشاعر التونسي عادل الجريدي أغمض عينيه
وصرخ:.. أم القاهرة، كانت بحق تلك صرختي، لا لشيء إلا لأنك تحتار
في تصنيفها، تحتار في معاملة هؤلاء الناس الطيبين الحاذقين
الكرماء الجشعين، هؤلاء الناس الأفاقين البسيطين المحتاجين
الفخورين بأن الدنيا اجتمعت لهم وبأنهم أم الدنيا، أحتار تلك
الآونة في هذه المشاعر التي تنساب دفاقة غيضا وطهارة وحبا وقرفا
من المكان من الناس من أصوات الباعة المنكرة ومن تصدعات رأسي
وأنا في قلب القاهرة العظيمة.
رمسيس
رمسيس ذلك الملك الذي عبده المصريون قديما، الفرعون الذي ينتصب
شامخا، صار في هذا المكان رمة بالية، محاطا بسور معدني للتصليحات
لكن التصليحات تحتاجها كل هذه الفضاءات بكل ذراتها بشرا ونباتا
وجمادا.
البشر القادمون من جميع الأمكنة يجعلك تستعيد النطفة الأولى
لتدخل الرحم فزعا من حشر جديد يصيبك وأبله إما بانقطاع الهواء أو
بالاختناق.
ليلا تصبح القاهرة أقل عتمة، أقل حزنا، تتزين بأضواء كاذبة
ومراوغة، ينداح أهلها قليلا قليلا " يفكون" عن أنفسهم عناء اليوم
بشقائه ونصبه، ليستسلموا إلى الفرعون الليلي باحثين عن لذة ما،،
حتى ولو كانت التمشي على النيل و"أزازة" اللب والمساررة قريبا
قريبا، في الليل يصبح المصريون أقل حدة، أقل توترا، وتصبح "
المُزز" أكثر هطولا ومنالا. في هذه اللحظات وأنا أكتب مطلا على
القاهرة من فوق، وكم هي جميلة من فوق، بتلك المآذن التي تعانق
السماء، تلك السماء التي استوطنتها سحب غير شرعية ملوثة بكل
أنواع الغازات السامة والفاسدة، والتي دائما ما يتبادر إلى خلدي
أنها صرخات الفقر ذلك الفقر الذكر الذي يقف فيه المصريون طوابير
طويلة، أو أنها المنتجات الهوائية للفول الذي هو سلاح هذا الشعب،
من هنا يبدو المنظر أخاذاً، لكنني أعرف أني لو نزلت قليلا فإنني
سيغمى عليّ..
الأدب الليبي والمبكبكة
في كل عام من السنوات الأخيرة صارت القاهرة جزأ من برنامجي خصوصا
في أوائل السنة حيث يعقد معرض القاهرة الدولي للكتاب، هذا المعرض
الذي يشد المثقفون الليبيون إليه الرحال، فتراهم جماعات جماعات،
لا ينقصهم إلا الكسكسي أو طبق الرشدة لكي لا ينفلصوا عن بعض "يا
أخي حلّوا عن بعض" تعرفوا على العالم، التقوا بالناس، عرّفوا
بأنفسكم، طاولات طاولات والليبيون يخشون أن يخترقهم أحد فيتعرف
عليهم أو يسألهم عن ليبيا، لازالت عقلية المكرونة المبكبكة في
الأذهان ولازالت الشكبة في الشقق المفروشة هي السائدة، ثم
نتساءل؟ لماذا لا يعرفنا أحد، لماذا الأدب الليبي غير منتشر،
أتذكر دائما، في هذه المواقف مقال " الأدب الليبي 100 عام من
العزلة" وكيف أن عقلية ذلك البدوي في نزيف الحجر على ما أذكر حين
أراد أن يبيع للقافلة عنزته فوضعها في مكان مرور القافلة ثم
اختبأ، إن هذا الاختباء إضافة إلى عوامل أخرى نعرفها جميعا هي
سبب عزلة هذا الأدب ومن أبرزها الشقق المفروشة المليئة بالموز
والمبكبكة الحارة ليلا والاختباء خلف الحشمة والكبرياء واللي
عاوزني يجيني أنا ما برحش لحد، في الكثير من المؤتمرات التي
يشارك فيها وفد ليبي أو مهرجانات دولية تصبح الغرفة المكيفة في
الفندق الخمس نجوم هي المهرجان ذاته، النوم والصعلكة حتى الفجر
وتقربيع الشيّش المعتقة، سياحة درجة أولى والأدب، والمهرجان،
والأوراق، والندوات والمشاركة دوة فاضية، يحكيلي صديق ليبي نصف
مثقف عن الوفد الليبي في المربد، رئيس الوفد قاللي ما شفناهش إلا
في الطائرة لما جايين ولما بنروحوا، والله الله يا شارع أبو نواس
الله عليك الله. حاجة أخرى: كان فيه فلوس، دولارات، تلقى الكل
شاحط روحه، وبعدين يتباكوا على المشاركات الخارجية، على عدم
توفير الدولة لحق الأدباء في التعريف بالأدب الليبي في الخارج،
ولما يحصّلوا الألف دولار في جيوبهم ويضمنوا التذكرة يقضوا
المهرجان والدعوات ويا تاجوراء ما ريتيش عمر، هذه الأشياء
بالدليل ففي مهرجان فرنسي سألوني عن شاعر ليبي كان المفترض أنه
يشارك وأرسلوا له التذكرة والدولة خصصت فلوس الإقامة ولوازمها
لكن سيادته صرف الفليسات في ترميم بيته وشاط المهرجان تيرو وحتى
اعتذار للناس لم يرسل فاكس يقوللهم بارك الله فيكم يا خوتي أنا
مانيش فاضي بالشعر عندي صغيويرة نبي انوكلهم، وعندي سقف بيطيح
على.. أمي، الشعر يحتاج إلى بشر مكتملي الحقوق.
الشعر يحتاج إلى أناس صِينت كرامتهم إلى حرية تعبير صادقة، لا ما
تكتبه صحفنا في افتتاحياتها المباركة والتي نخجل أن نقول فيها
إلا ما يرضي المراقب المالي.
الشعر محتاج إلى بنية تحتية ونهضة حقيقية ترفع من هؤلاء البشر،
وتكتب عهدا جديدا من الترميم.
من الإلتفات إلى الناس المعطوبين جدا، والحقراء جدا.
الذين تساوت عندهم سيوف الهند، وملاعق البلاستيك المهرة في رشف
أحزانهم مع الشاي المحلى بسكّر الجمعية العنيدين في اقتناص نكتة
يلوكونها بدل الجوع، الشعر مفتاح لسريلة الصديد وأوجاع النهار،
فيا طقوس العتمة والتكميم، يا بوارج الاختناق، يا مكاتب
الاستعلامات، ويا نشيدنا الوطني المبجل، رفقا بالشعر، فالجذوة
تحت الرماد، وفي القصيدة متسع للحب
كافتيريا شيشنق و الأهرام

لم أتوقع أن أجد فندقا رخيصا ومريحا ونظيفا في قلب رمسيس وفي قلب
محطة المواصلات الكبرى، هذا الفندق الذي يقع في ثلاث طوابق تبدأ
بالدور 15/16/17 ومن هذا العلو يخصص الفندق كافتيريا عمومية
جميلة يرتادها العشاق من جميع الأمكنة، أولا لأنها عالية ومستترة
ورخيصة والأهم تطل على جزء مهم وجميل من القاهرة في منظر خلاّب،
هذا الفندق ليس اكتشافي أنا بل هو اكتشاف الشاعر التونسي الجريدي
الذي رافقني من طرابلس بالسوبر جيت وسافر اليوم من العتبة بعد
أسبوع شاق في القاهرة، القاهرة التي لم تدخل قلبه ولا عقله كما
لم تدخل قلبي ولا عقلي ولم يصدقني عادل حينما أعدّ برنامجا
سياحيا لزيارة الأهرامات والقلعة وغيرها من المعالم، لم يصدقني
حين قلت له أنني حتى الآن لم أزر الأهرامات أو القلعة أو المتاحف
أو غيرها، صرخ هل يعقل هذا؟ تأتي كل عام ولا تزور الأهرامات، نعم
يا صديقي لا تثير الأهرامات شغفا لدي ولا القلعة ولا أي معالم
يرتادها السواح مبهورين. الأهرامات لا تشكل لي أية دهشة، نعم،
فلذلك لم أفكر بزيارتها على مدي هذه السنوات، أذكر أنني في
زيارتي لمتحف اللوفر الذي أخذ مني جهدا ووقتا كبيرا لم أتوقف
كثيرا عند أشهر لوحة في العالم الجيوكندا ولم تثر فيا شهية
الاكتشاف أو المتعة أو الرغبة في تصويرها، لقد مررت من بعيد حيث
الأسيويون طوابير حولها يرشقونها بكاميراتهم، أشياء كثيرة لم
تبهرني منها الأهرامات يا عادل، ولست أدري متى أزورها ربما
مجاملة لأحد، نعم لم أزرها ربما لأنني أعرف تاريخ الليبيين جيدا،
أو ربما لأنني أحب شيشنق وعصر الجفاف وطريق القوافل، أو ربما
لأنني جاهل جدا، المهم لم أجد الرغبة في زيارتها وكفى.
حسين مني وأنا من حسين
أحب القاهرة الإسلامية، المملوكية، أحب القاهرة التي تمثل لي
كنزا فريدا من العمارة، بتلك المساجد الفخمة، المآذن العالية
التي أحاول أن أطولها ببصري فلا أستطيع، المشربيات المزركشة
برحيق الخشب.
أكره النيل الكاذب الملوث، الهادئ الذي يحتمل كل هذا العذاب
كأغلب المصريين ويبقى ساكنا، ساكتا، جميلا ليلا، طروبا إن هزّه
القرش أو دغدغه الجنيه الذي لا يساوي شيئا.
من الأماكن التي أحرص أن أزورها مسجد سيدنا " الحسين" في ذلك
المكان الذي أحس بالراحة كثيرا فيه، أصلي ركعتين ثم أدخل للسلام
على سبط رسول الله:
السلام عليك يا سيد شباب أهل الجنة
السلام عليك يا بن بنت رسول الله
السلام عليك يا بن فاطمة الزهراء
السلام عليك يا بن أبي تراب
السلام عليك يا من قال فيك الحبيب (حسين مني وأنا من حسين)
السلام عليك يوم تموت تلك الميتة البشعة، والتي سجلتها في كتابي
زقزقة الغراب فوق رأس الحسين
السلام عليك يا من خرجت لكي تموت، فقط لتقول " باقٍ وأعمار
الطغاة قصار"
نعم لقد ذهب يزيد لكن صرختك بالحق بقيت، لازالت نقاوة موقفك تملأ
كل حر يأبى الظلم والطغيان وتوريث السلطة.
في هذا المكان أجلس قبالة الضريح، عادل الجريدي بجانبي يمد بصره
في جلال وخلفنا رجل ينشد أبياتا بصوت رخيم، أغلقت عيني نحو
الداخل، أغمضتهما نحو القلب وفتحت شبابيك الروح، طارت حمامات
سائحة ترفرف عبقا وجلالا.
ساعة كاملة استدبرت فيها الدنيا بكل ما فيها، واستقبلت الروح
المشرئبة لعناق أبدي طويل، متعة لا أحسها إلا هنا، وأنا أدرك أنه
ربما لا يكون هنا، ربما هي كذبة من أكاذيب المصريين، لكنني مقتنع
أنني في حضرة هذا الحبيب بروحه وأنني أسافر طوعا في مشاهد علوية،
النشيد ينساب خلف أذني والحلقات المعدنية للقبر تعكس لمعانا
محببا والخضرة التي تكسو الضريح تبعث في نفسي سكونا لا لآلفه إلا
في هذا المكان.
السلام عليك يا حسين " لا تنسى وأنت تدخل أن تفك خمسين أو ستين
جنيها كلا على حدة كل جنيه لوحده فهذه من طقوس الزيارة ولأن كل
شيء عند المصريين يتحول إلى سوق وفهلوة و" حشي" فإنك ما أن تدخل
حتى تقابلك "أفواه وأرانب" فهذا حذاؤك تسلّمه لأحدهم فيعطيك
رقما، ثم تدخل إلى دورة المياه للوضوء فيسلمك أحدهم قبقابا أعوج
منذ زمن نوح ومعه طبعا رقم وذلك يأخذك من يدك إلى الحنفية
القريبة جدا ويعطيك رقم وأخر يبصق في يدك زجاجة خضراء من الديتول
تسمى عطرا يلطخ بها ملابسك ولا تسمع إلا كلمة واحدة "البركة
يابيه" فما أن تصبح جانب الضريح إلا وأنت مدجج بالأرقام مليئا
بالحسابات كفاتورة مهولة ولمعلوماتك أن البركة في قاموس المصريين
تعني "الفلوس" هذه هي بركة المصريين فإذا سمعت أحدهم قال لك
البركة يا بيه فادفع.. وادفع بالتي هي أحسن.
خالد درويش الذي ضاع

شيئا فشيئا صرت أستعيد خالد درويش الذي فقدته منذ عامين تقريبا،
في هذا الفندق الصغير والمعرض قد انتهى وغادر كل من أعرفهم من
أصدقاء وأدباء وغيرهم إلى بلدانهم، أما أنا فأتمسك بهذه الغرفة
الرخيصة التي أتشبث بها شاعرا أنني أملك الدنيا، نعم فأنا أملك
حريتي وحريتي هي وحدتي مع عدم احتياجي لأحد، هذا ما أريده أن
أغلق بابي عليّ وأشرع في أجمل هبة خلقها الله لي. الله يا خالد
يا درويش كم مضى من الزمن لم تشعر أنك ذلك الفتى الذي يتكوم
الليل بطوله تحت الأغطية والكتب حوله كجزيرة يطفو من خلالها، منذ
فترة طويلة لم أشعر أنني حي" الحياة تعني لي القراءة " هذه هي
الحياة التي أحبها لا تلك التي يفرضها علي توقيت ومكان وغيره،
أعشق تلك اللحظات التي اختلي فيها مع كتبي وأوراقي أصنع مملكتي
الخاصة، فمنذ أن دخلت عالم الصحافة سُرقت من نفسي، مكتب أنيق
وأنترنت وهاتف لكن أين القيمة؟ هاتفي لا يتوقف عن الرنين:
المقال يا درويش
الزاوية يا درويش
أه، الصور شن صار فيهم
الفاكس هل وصل أم لا..
المتابعة الفلانية نزلتوهالي ولا لا
طابت المبكبكة ولا لا
خيرك نحيتلي مقالي ولا امداير روحك أنت اللي تفهم بس (مع العلم
أنني في حياتي لم أقص حرفا أو ألغي مقالا فهذا ليس من عملي ولا
أحبه، الرقابة لها متخصصوها)
الكثير من الإرهاق والتعب وغيره غيره، نعم لهذه المهنة متعتها
ولكنها أبعدتني عن أنني يجب أن أعود لأقرأ كما كنت، هناك في
طرابلس لم أجد الوقت حتى للموت، وهذا ما جعلني أطيل البقاء في
القاهرة، وما جعل هذه الغرفة كنزا ثمينا لا أخبر به أحد ولا أعطي
رقم فندقي لأحد، حتى تلفون لم أشتري يكفيني أنني مستلقٍِ الآن
وقد أكملت أخبار الأدب وجزأ كبيرا من الأعمال الكاملة للنفري هذا
الكتاب الذي طبعته الهيئة العامة للكتاب 2005 وتحت عنوان النصوص
الكاملة للنفري دراسة وتحقيق د. جمال المرزوقي، الكتاب يقع في
574 صفحة اشتريته من المعرض بمبلغ 16 جنيه يضاف إليهم تخفيض 3
جنيهات مصري ليصبح 13 عشرة أي ما يعادل ثلاث دينارات ونصف ليبي،
في الصفحة 408 من الكتاب أقرأ مقاطعا في غاية الروعة والجمال:
يا عبدُ استغن بي ترَ فقر كل شيء
يا عبدُ من استغنى بشيء سواي افتقر بما استغنى به
يا عبدُ أنا القيوم بكل ما علم وجهل على وافترقت به أعيانه
واختلفت به أوصافه
يا عبدُ أين ضعفك في القوة وأين فقرك في الغنى وأين فناؤك في
البقاء وأين زوالك في الدوام
يا عبدُ تب إليّ مما أكره أقدّر لك ما تحب
يا عبدُ ناجني على بعدك وقربك واستعن بي على فتنتك ورشدك
يا عبدُ أنا العزيز القادر وأنت الذليل العاجز
يا عبدُ أنا العليم الغافر وأنت الجاهل الجائر
يا عبدُ أنا الشهيد بما فطرت وأنا الرحيم بما صنعت
يا عبدُ أنا الأحد فلا توحدني الأعداد وأنا الصمد فلا تعاليني
الأنداد
يا عبدُ ما بقي بينك وبيني شيء فأنت عبده ما بقي
يا عبدُ إذا استندت إلى شيء فقد اعتصمت به دوني.
مطعم القريون "
le
grillon"
أن تجد متعة في القاهرة فهذا كثير قليل، لا زلت أستعير تعبير
المنصف المزغني الشاعر التونسي المعروف " القاهرة مثل الدنيا
فيها كل شيء، تبي الصلاة فيها تبي الحشيش والكابريهات تلقى، تبي
الأدب والثقافة تلقى، خليط من كل شيء بس أنت حدد شن تبي " قال لي
هذه الكلمات ونحن في القريون "
le grillon" وأذكر أننا ضحكنا من معنى الاسم
بالفرنسية الذي كان معلّقا في مدخل هذا المطعم الجميل.
طلب مني المزغني أن أرافقه إلى وسط البلد وتحديدا إلى هذا المطعم
قريبا من طلعت حرب إثر أمسيته التي اختتم بها المعرض فعالياته
الثقافية، تجلّى فيها المنصف كعادته لكن أرّقه الحضور القليل
جدا، رغم تشريف سميح القاسم على حدّ قوله له، المزغني ألقى
قصائده بطريقة غنائية خصوصا تلك التي يقول فيها أنا أختكنّ،
المصريون وهم في غاية الانسجام صرخ أحد شعرائهم " عظمة على عظمة"
أما سميح القاسم فقد داعب المزغني بقوله: أنا بَأََتَّونِس بيك،
طلبنا عشاءا وستيلا، المطعم نظيف وغالي لكن عزومة المزغني لا ترد
خصوصا وأنه الشاعر المتوج لهذه الليلة، أكلنا وشربنا والحديث حول
الرواية والأدب، لم نترك أحدا ولم نفلت أحدا إلا وكان معنا بخيره
وشره، لعل الحضور الطاغي كان لمجلة شؤون ثقافية التي يخرجها
المزغني وتصدرها أمانة الثقافة أعطاني حواري مع حنا مينا لكي
أراجعه وأصححه ثم التقطنا بعض الصور وفي أثناء خروجنا قابلتنا
لوحة النميمة لنصر عناني فطلب مني المزغني أن ألتقط لها صورة ثم
خرجنا وإذا بالجرسون يلحق بنا قائلا: لو سمحتم الفنان صاحب
الصورة يسأل ما الذي ستفعلونه بصورته؟ فرد المنصف وهل هو هنا؟
أجاب النادل بنعم فقررنا أن نسلّم عليه ولا ضير في عشرة دقائق
أخرى لكن العشر أصبحت ساعة أخرى زيادة فوق منتصف الليل، نصر
عناني فنان مثقل بهموم كثيرة أخبرنا عن وحدته في القاهرة عن سبب
ابتعاده عن هؤلاء أي الفنانين والكتاب وشرح لنا موقفه ونقده
للأوضاع رؤيته للسياسية كل ذلك في سرعة ولهاث ونكتة ابن البلد
ذلك المصراوي الذي يضحك من كل شيء وينكّت على كل شيء.
اللاطيبوس وشعبطة زمان
المباراة في السابعة مصر كلّها تقعد على رمل ساخن بابور كاز
والأعصاب المشدودة، القاهرة علم واحد وحدة وطنية حقيقية ذو ألوان
متألقة، تجارة الأعلام كما تقول جريدة الأهرام مزدهرة هذه
الأيام، الأحمر والأبيض والأسود يغطي ويطغى على كل شيء، منبهات
السيارات لا تتوقف فما بالك والمباراة قريبة وقريبة جدا.
المصريون عبط مستديم هذا ما أعود به من رحلتي هذه لكن محمد
البوسيفي والذي سنترافق كثيرا في هذه الأيام يقول أنها طيبة
مستديمة لأجد طيبته هو ونكتته الصادقة والجميلة ولا غرو فهو ابن
الوز "اللهم صلي عالنبي" درّسته لغة عربية في المعهد أيام كان
هناك معهد وأيام كانت هناك لغة عربية وأيام كنت مدرسا وأيام كان
هناك طلبة.
الجرايد كتبت أن ثلاث شاشات عرض كبيرة ستوفرها الدولة لمشاهدة
المباراة لمن لم يتمكن من دخول الملعب إحداها في ميدان التحرير،
لم أكذب الخبر، تركت صالة الفندق والتكييف والتلفزيون الملون
واتجهت ناحية التحرير (طبعا لا أحد يصدق ما تقوله الدولة مرة
أخرى فحكاية فالشاشات طلعت زي المساكن الشعبية عندهم وزي القروض
عندنا) المهم ركبت الحافلة، الله منذ زمن لم أتشعبط هكذا ولم أرَ
أوتوبيس، منذ الثمانينات عندما، الله، أيام كان لنا نقل عام،
أيام كان لنا مواصلات، الله الله على تلك الكوريرا، على ذلك
الكائن الذي كنا ننتظره على طريق المطار ونحن أطفال، كائن
برتقالي يُقلك حيث تريد، صعدت الحافلة وسألت هل يتجه هذا إلى
التحرير فأكد لي أحد الركاب بنعم، في مصر إن لم تسأل فسوف تضيع،
حتى وإن كنت تعرف أنصحك بأن تسأل، على فكرة زوّغت من الدفع، لم
أدفع، معي ما يكفي بكثير ولكنني تهربت من ربع جنيه مصري، لا لشيء
إلا لأتذكر كيف كنا صغارا حين نهرب من المدرسة ثم نركب الحافلة
ونندس خشية أن يظبطنا الجابي، كان مبلغا تافها " عشرة قروش" في
ذلك الوقت لكننا لم نكن ندفع، كانت العشرة قروش كنزا بالنسبة
لأطفال أمثالنا، لم أدفع إحياء لتلك الطفولة البائسة، وذكرى لتلك
الحياة الجميلة التي عاشتها البلد في ظروف قاهرة واستطعاما لذلك
الكائن الجميل الذي يأتي مكركرا ويتوقف عند قدميك يسمى الأطيبوس
أو اللاطيبوس وعلى هذه الحافلة كنا نظرب ذلك المثل الجميل في عزة
النفس حين نقول " اللاطيبوس ولا جميل التيوس" ولكن بقي التيوس
وذهبت اللاطيبوس.
ثمانينات الباناني والغارة والانقليزي
أشياء كثيرة لم أكن أعيها في ذلك الوقت، منها جزء كبير خاص
بذاكرتي التي تمزقني أحيانا إما على المستوى الخاص جدا أو على
المستوى العام، فما من مرّة رأيت فيها الباناني "الموز" إلا
وتذكرت تلك الفترة حين كنت صغيرا وكان شيء جميل وأصفر نراه في
الأحلام اسمه الباناني.
فترة الباناني فترة مهمة جدا لم يُكتب عنها لكن كم تمنيت أن أفرغ
تلك الذاكرة لأخلص إلى السؤال الذي يحيرني، لماذا؟
الباناني الآن تافه "حاشا نعمة ربي" أي فاكهة تحضر وتغيب مثل
أشياء كثيرة، فلماذا مات من أجله ناس وولد من أجله ناس وشُغِل به
الرأي العام الليبي وتطاحن المواطنون لأجل اقتنائه وتزيين أفنية
بيوتهم بقشوره؟ هل من عبدري يمر بطرابلس فيؤرخ لتلك الفترة
ويجيبني لماذا؟ أم حشائشي مسرع يهبني تلك الإجابة؟.
الله على تلك المستكة متاع خمسين قرش التي كانت "شوف" اللي يمضغ
مستكة يعتبر من علية القوم، في ذلك الوقت لم يكن للقوم علية، تلك
الأيام التي خلت، كان الليبيون فيها بسطاء "قطة مغمضة" ينامون
منذ 8 مساء بعد أن يشاهدوا الحش أو الفتوحات الإسلامية الذي
يسبقه برنامج الشعب المسلح (أيام كان الشعب مسلحا) والذي يقدمه
عبد الفتاح الوسيع بصوته الحماسي المتقد فتنام وأنت مشحون لمعركة
الغد لتصحوا على أنغام الله أكبر فوق كيد المعتدي وهو قهوة
الطابور المدرسي صباحا فتكون أول حصة هي حصة العسكرية ولا أنسى
أبدا ذلك النشيد الجميل الذي كنا نردده بثقة وافتخار وعزة وشموخ
( إن الألوان الصفراء والحمراء والزرقاء والسوداء لا تبعث في
الإنسان روح الأمل فهي تمثل الخراب و الدمار واليأس أما اللون
الأخضر فهو لون الحياة لون الأمل وحتى الجنة يرمز لها باللون
الأخضر فهذه رايتنا الخضراء ترفرف خفاقة عالية فوق أرض العزة
والكرة أرض أول جماهيرية في التاريخ فقفوا لتحيتها تحية الله
أكبر)
الله على تلك الأيام أيام كانت طرابلس تنام باكرا، تتكوم في
فراشيتها وتضربها سفاقسي، الكثير من تلك التفاصيل والأحداث تمنيت
لو أجد الوقت لأكتبها ولو بما علق منها، في ذاكرة طفل، بسذاجة
طفل بريء، ولعل حدثا مضحكا كنت كثيرا ما أحب أن اكتب عنه وهو ما
حدث في 86 وما سمي بعد ذلك بالغارة، لقد كرهت الغارة كرها شديدا
وكرهت المريكان كرها أشد فقد حرموني من شيء جميل، أول مرة يسمح
لي فيها الوالد بالخروج مع أولاد صفنا في رحلة مدرسية كنت في
ثانية إعدادي في مدرسة شباب الفاتح، وقررنا منذ الغد الرحلة
المدرسية، تجهزت بكل أصناف الطعام والمشروبات وغدوة الرحلة لكن
غدوة لقيت روحي في وادي في نسمة في صحراء ما فيهاش نافخ نار،
مجيء الميركان عفس لي في تلك الرحلة فمنذ ذلك الوقت ولا أطيقهم.
لازالت ترن في ذاكرتي ونحن امقلّعين ولا زالت صورة الشرطة في
البوابات حية وهي تحمل "سطول الزواق الأزرق" وتلّون أنوار
السيارات الليبية كي لا تكشف نفسها لطائرات الأعداء، في تلك
اللحظات أتسائل الآن: من أين جاءت شرطة المرور بالزواق والفُرش
وموهبة التلوين؟ لكنني أدرك الآن سر تحول الكثير من الضباط
ومسؤلي الأمن إلى فنانين تشكيليين تعج بهم الحركة الثقافية في
ليبيا، ولا زالت ترنّ في أذني صرخاتنا ونحن في عزّ الهبك:
مش تونس ولا اقرينادا.. نحنا شعب صعيب اعناده
مع أنني والله العظيم إلى الآن لا أعرف ما هي قرينادا وكنت
أنطقها قريناته من القرون.
الغارة تلك الزردة التي غبنا فيها من المدرسة وعندما رجعنا على
بيوتنا وجدنا أكثرها يصفر فيه الريح طبعا الأمريكان ليسوا هم
الذين هبطوا من السماء على رأي أنيس منصور لكن حيروحو من ربنا
فين أولاد الكللللب؟
مرثية الإنقليزي
كنت في ثانية إعدادي، على فكرة كنت فلتة زماني في ذلك الوقت
فيتاغورس صغيّر خصوصا في الإنقليزي الله يرحمه ويرحم من جاب
آخرته، لكم أتذكر ذلك الكتاب الجميل المرسوم عليه ولد وبنت، مستر
أحمد وأمينة، وفارم إز غريان، والتراكتور، والبارلي أند ويت،
ومستر فلاح: هي أولوز سيز ماي فارم بارت أوف مي. كنت أحب هذه
المادة وأبرع فيها لكن فجأة انتحرت القرامر وأجدبت مزرعة عمك
أحمد ونفقت دجاجات عمتك أمينة،
الإنقليزي يا ناس حرام عليكم، خليتونا بلا لغة والله العظيم
قعدنا زي اليتامى على موائد الدول، الزّح قريت ألاف الكتب
وتعلّمت الشعر وحفظت المتنبي والمعري والمعلقات والميارة الكبرى
وهنتكت الصحف والورق وما نعرفش لغة أخرى نستر بيها نفسي، ولما
نلقى فريخة صغيرة تطّنقش بالإنقليزي نحسدها ونلعن أم التعليم
الفاضي اللي من غير روح وأم الدنيا اللي خلت الجهل يعلو ولا يعلى
عليه اللي حرموني منه وأنا في قمة عطائي ونشاطي الذهني واستعدادي
الطبيعي، الإنقليزي اللي بلاه صرنا بكاكيش ( نايس تو ميت يو،
نايس تو ميت يو) وهذا ما نعرفوا لا.. وتوا الشركات كلها أتقولك
مطلوب موظفين يجيدون الإنجليزية لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، يا
أولاد النّم توا شن الواحد بيقول بس؟؟؟ الواحد لما يطلع برا ولا
يتلاقى هو ووحدة.. في معرض ولا مهرجان، أه توا عرفت سر انكماش
الليبيين على أنفسهم وما فيش تواصل مع الأخر، ما فيش لغة وهذا هو
السبب فقط: تانك يو الإنقليزي معرّة الزمان والمكان،
الإنقليزي شمعة انطفأت ونور خبا
الإنقليزي سرقوا منا اللغة،، حرمونا من التواصل
الإنقليزي صرنا بكاكيش وتواصل ما فيش
الإنقليزي ما تحلمش تستمتع مع أجنبية أو تقرأ النيوز وييك
الإنقليزي دور من يترجملك السيلين ديون ولا البوب مارلي
الإنقليزي لما تتفرج علىmbc2 أطمس الصوت
الإنقليزي خليك في الصحراء ورد بالك على روحك
الإنقليزي يرحم بوي خلاني هوواوي.
ليبية وسعودي
الجمعة الأخيرة في القاهرة، استيقظت متأخرا، الشقة تحتاج إلى
ترتيب وملابسي يعلم الله بحالها، علي الزويك خرج باكرا لكي يطّلع
على البروفات الأخيرة من كتابه الذي يصدر عن المركز العالمي
وبجهد محمود البوسيفي لكن الزويك يشرف على كل شيء ولا يترك في
مسألة تخصه الحبل على الغارب كما يقول لي، المهم استغرقت النهار
كله في الغسيل حيث كانت الشمس حارقة، أم كلثوم بجانبي تصدح وأنا
منكب على الغسيل (هجرني ليه) علي أن أقتصد في ثمن كل شيء لم يعد
لي ما يكفي فالمغسلة وخصوصا إذا عرفوا أنك ليبي فسوف يبتدئ مسلسل
الحشي، اعتمدت على ساعدي فلن يكلفني كل ذلك سوى باكو صابون بجنيه
المهم كان ذلك.
استقل المترو من (الهرم) الشقة التي انتقلت إليها مع الزويك
لأهبط بمحطة مبارك (رمسيس) ثم أتمطى لغاية محطة مصر حيث تعودت أن
أشتري جريدة أخبار الأدب من هناك فعدد الأحد يصدر الجمعة ليلا ثم
اتمشى إلى شارع عدلي ثم أتناول عشائي أو بالأحرى غذائي في مطعم
قريب نظيف وبعيدا عن أزمة الطيور يصبح السمك والحبوب الضمان
الوحيد للأكل الصحي في القاهرة وهروبا من الهابيتايتس ومن التلوث
والمطاعم الأي كلام عليك أن تنتقي ما تأكله جيدا فإما المعلبات
أو المبكبة روح الليبيين وهو ما صرت أستاذا فيه بعد دورة تعليم
قاسية، المبكبكة هي الحياة هي ما يقيم الأود خصوصا إذا كانت
مليئة باللحم والخضار الطازج مع الفلفل الحار الذي لا يستغني عنه
الليبيون مع أنهم باردون جدا في الكثير من المواقف ولم تؤثر
الهريسة التونسية في أي موقف لهم لكن تأثيرها واضح جدا على فتيات
الشط المتراميات هنا وهناك وعلى فكرة وصل تأثيرها على جميع
الأصعدة ففي إحدى الليالي بأحد مراقص القاهرة، كانت إحدى
الجميلات ونوّارة الموجودات تمثال متأنق أعجب بها صديقي فحاول أن
يوقعها في شباكه، أعجبني رقصها الفاضح فهي بحق "ورطة" أقترب منها
صديقي ليحادثها بلهجة مصرية متكسرة وعندما أخبرها أنه ليبي صرخت
به: يا لعن..، ولد بلادي تي أنا من تاجورا. ويا تاجورا ما ريتيش
السخطة هاذي.
- قصدك ليبية؟ سأل صديقي بدهشة ثم تبادلا المواعيد وأرقام
الهواتف بعد أن استأذنت لتخرج مع شاب سعودي باين عليه مولود في
بنك، تأبطها جمالا وخرج، وأنا أبتسم في داخلي تحيا الأمة
العربية، فما لم تحققه السياسة حققه التفرعيس..، يا أهل الحل
والعقد أطلقوا سراح الناس واتركوا أهل مكة لشعوبها، هاهو الذكر
السعودي مع الأنثى الليبية..، لكن تساءلت في داخلي بأسف ما الذي
جعل هذه الفتاة تقطع آلاف الكيلومترات من تاجورا إلى مرقص فاضح
في قلب القاهرة، لتبيع جسدها قطعة قطعة وتفتح فخذيها لمن يدفع..
ما الذي جعل فتياتنا يصلن إلى هذه الدرجة من التقهقر والانحدار
الله الله يا ليبيات يا من كنتن مثالا للشرف والعزة بذلك البكبوك
الساحر لكن (خرابين يا وطن.. أمك أنّحل).
أنا متأكد كل التأكيد أن السعودي الليلة حيستمتع غاية المتعة لكن
هذه الفتاة أبدا لن تتذوق المتعة اللهم إلا إذا كانت تستلذ هي
الأخرى من.. فالمعروف.... لكن ربما ( من.. خير) ولعل أيام
الثانوية هي تلك الأيام التي تعشقها كل فتياتنا في طرابلس وطبعا
تاجوراء داخل الشبكة، أذكر والحديث ذو شجون أنني في تونس صادفت
أكثر من واحدة تمارس الدعارة ولها جمهورها وزبائنها إحداهن قالت
لي أنها من الزاوية وأخرى من الهضبة الخضراء ( قريب مني في السكن
الحمد لله)..
تصدير موفق
نعم لقد فشلت زراعتنا
وصناعتنا
واشتراكيتنا
وتعليمنا
ومصانع الصابون
الغسول
والأنتينات
والقاريونس
وأحذية راتا
وشكلاطة ورد
ومكرونة الخرز
وبشكطي التحرر
وثلاجات النجاح
وحلوى توفي
وألبان عقبة
ووادي الهيرة
وطراطوريات الجذع
ومسدسات الجالط
والأسواق الشعبية اللي كل مرة ينحرق واحد منها والحمد لله ما
نفعنا في شيء من هذا كلّه إلا في شيء واحد: تصدير اللحم الليبي
إلى الخارج...، السقايط الله لا يوريك والحمد لله الذي لا يحمد
على مكروه سواه.
عن
موقع: صحيفة ليبيا اليوم |