مـخـتـارات

 

أنيكريس القوريني يحرِّر العبد أفلاطون

 

علي فهمي خشيم

 

 

ألا توافقونني على أَنه ما من كلمة أَشهر استعمالاً وأَذيع صيتاً في عالم الفلسفة والعلم والفن والأَدب من كلمة (الأَكاديمية)؟

لقد صارت هذه الكلمةُ وحدها تحمل في طياتها جملةً من المعاني ذاتِ الوزن الثقيل، فنحن نقول : هذه دراسة أَكاديمية، وهذا رجل أَكاديمي، ومبنى أَكاديمي، للدلاله على الصلة بالعلم العميق والمعرفة المتخصصة.

وهي كلمة –كما هو معروف– أُخذت من (أَكاديمية) أَفلاطون الفيلسوف اليوناني الأَشهر، حين أَسس مدرسته المعروفة في بستان البطل أَكاديموس بالقرب من أَثينا، فسميت المدرسة بالأكاديمية ثم انتشر الاستعمالُ حتى باتت صفةً ونعتاً لكل ما له صلة بالعلم والدراسة والبحث أَيا كان وفي أَي ميدان.

ولقد بلغت أَكاديمية أَفلاطون من التأثير حدّاً لم تشاركها فيه مدرسةٌُ أُخرى، حتى ليقول مؤرخ الفلسفة "بيرنت" في كتابه (الفلسفة اليونانية): "إِنَّ تأْسيس الأكاديمية لم يكن أَهمَّ حدث في حياة أَفلاطون فحسب، بل في تاريخ العلم الأُوروبي كله".

ثم انبثقت عن الأكاديمية تلك المدارسُ المعروفةُ في الفكر، والتي صاغت فكرَ العالم بعد ذاك.

هذه المقدمة لا بد منها لأُبينَ عن خبرٍ هامٍّ في هذا السبيل. ذلك أَنه لولا رجل من قورينا في الجبل الأخضر بليبيا الشرقية، لم تكن هذه المدرسة لتنشأْ، بل لم يكن ليصلنا علمُ أَفلاطون وفلسفتهُ وتلاميذهُ من بعد. رجل من شحات –إن شئتم– هو الذي أُنشئتْ بماله الأَكاديمية بعد أَن أَعتق أَفلاطون من الرق، وحرره من العبودية.

 

كانت قورينا تعج في القرن الرابع قبل الميلاد بمجموعة هائلةٍ من العلماءِ والمفكرين، كان من أَشهرهم "ثيودروس" الرياضي العظيم، و "أَرستبوس" الفيلسوف. وكان أفلاطونُ قد زارها قادماً من مصر ليتتلمذ على يد ثيودورس ويأْخذ عنه الرياضيات.

ثم خطر له بعد أَن أَنهى تلمذتَه أَن يقصدَ صقليةَ في بلاط حاكمها "ديونيسوس" لكن خلافاً حدث بين الرجلين قبض بعده ديونيسوس على أَفلاطون وسلمه لأعدائه عبداً يباع ويشترى.

ويقول عالمُنا العربيُّ أَبو يوسف القـفطي في كتابه (إِخبار العلماءِ بأَخبار الحكماءِ) أن ديونيسوس أَمر بقتل أَفلاطون في البداية، فأَخذه "بوليذوس" عدوُّ أَفلاطون وذهب به إلى "أَجينا" مدينته وأَبقى عليه ولم يقتله وأن ظل رقيقاً على كل حال.

جاءَ رجل من قورينا يدعى "أَنِّكريس" وكان هذا الرجل يحب أَفلاطون ويتشبه بأَخلاقه. فاشترى أَنيكريسُ القوريني أَفلاطونَ من مسترِقِّيه.. وكان الثمنُ الذي ابتاعه ثلاثين منًّا فضة. كذا يقول القفطي. هكذا صار أَفلاطونُ، ذلك الشريفُ الفيلسوف، عبداً يسام وينادي عليه النخاس، وكان من حسن حظه أَن وقع في يدٍ رحيمةٍ تحبه وتقدره حق قدره، تلك التي اشترته بثلاثين منًّا فضة ليس غير.. وكان أَن أَسدت هذه اليدُ القورينية فضلاً لأَفلاطون والإنسانية لا يُنسى أَبداً.. فضلاً هو أَحرى أَن يُزهى به على مر الأيام.

 

عن موقع: ليبيا اليوم

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة