مـخـتـارات

 

التليســـي عاشــق الوطـــن

 

د. الطاهر خليفة القراضي

 

 

إنَّ الشاعر والأديب، والناقد الأريب خليفة محمد التليسي  لم يكن محبا لوطنه - ليبيا- كما أحبه الآخرون أو يحبونه، بل كان يعشق ليبيا، ويقدسها، ويسبغ عليها من

عبارات الحب والتقديس ما لم يقله عاشق لمعشوقه من بني الإنسان، ونظم فيها درر القصائد و فرائدها، ووصفها بأحلى النعوت وأجملها، وأخصها برائعة من روائعه أسماها "وقفٌ عليها الحب"، وهذه القصيدة مطولة من مطولات الأستاذ الشاعر التليسي مفعمة بالحب الصادق لوطنه الذي احتضنه، ووطنه الذي تنفس هواءه وشرب ماءه، وتدفأ بشمسه واستضاء بنور قمره، ووطنه الذي عاش فيه أيام صباه وأيام شبابه، ولعب فيه مع أقاربه وأصدقائه وأترابه، ووطنه الذي أقام فيه، وعمل به، وسافر منه، وعاد إليه...كل ذلك لم يقابله شاعرنا بالنكران والجحود بل إنه يعترف بأن الوطن فوق الجميع، ويطلب منا أن نشاركه هذا الشعور فنحب ليبيا كما أحبها. ولذلك فإنه يتغنى بحب ليبيا في هذه الرائعة بصيغة الجمع وكأنه يتكلم بلسان حالنا جميعا.

 

ولعل هذه الأسباب هي التي جعلت أسرة تحرير مجلة الثقافة العربية تتفضل مشكورة بنشر ملحق خاص بعددها رقم 248 تحت عنوان "الكراس.. التليسي مفرد بصيغة الجمع" يتضمن حياة الشاعر، ومنشوراته، وقصيدته التي نحن بصددها الآن: "وقفٌ عليها الحب" (48 بيتا).

فما سرُّ العناية الخاصة بهذه القصيدة؟

 

سنحاول في هذه السطور أن نلقي شيئا من الضوء على بعض أبيات هذه القصيدة لعلنا نستطيع أن نكشف السرَّ الذي جعلها تأسر قارئيها، وتشدهم إليها:

لقد كرر الشاعر عبارة "وقفٌ عليها الحب " خمس مراتٍ في صدر الأبيات الخمسة الأولى، والسبب في ذلك هو أن يعرب لنا عن حبه لوطنه، ويؤكد - بالتكرار- أنه  لا يحبُ إلا الوطن، وذلك بأن يكون الحبُّ وقفا على الوطن ولا يشاركه في هذا الحب شيءٌ آخر.

 

وإذا نظرنا إلى هذه العبارة فإننا نجدها جملةً اسمية تقدَّم فيها الخبر عن المبتدأ، ويقول البلاغيون إن تقديم الخبر عن المبتدأ إما أن يكون للضرورة النحوية  أو للأهمية وجذب الانتباه إلى الخبر أكثر من المبتدأ، وحيث إنه ليست هناك ضرورة نحوية هنا، فإن الشاعر  أراد أن يسترعي انتباهنا بتقديم الخبر " وقفٌ " ومن ثم نفهم أن الموقوف هو الحب، وهو موقوف عليها( أي على ليبيا )، فذلك يجعل العبارة أقوى وأكثر جذبا للانتباه مما لو كانت:" الحب وقفٌ عليها ".

في البيت الأول،  يقول:

 

وقفٌ عليها الحبُّ شدَّت قيدنا          أم أطلقت للكون فينا مشاعرا

 

وهنا يصرح التليسي - بصيغة الجمع - بأن حبنا وقفٌ على ليبيا في حالتين:

الحالة الأولى لأنها آسرتنا وقيدتنا، والحالة الثانية لأنها أطلقتْ في مشاعرنا حب الكون. والذي يرمي إليه الشاعر في قوله " شدَّتْ قيدنا " هو الكناية على أن ليبيا آسرتنا بكرمها وعطائها غير المحدود وبذلك يكون المقصود هو: أن حبنا وقف على ليبيا لكرمها وسخائها ولأنها هي التي جعلتنا نحبُّ الكون قاطبة.

ونلاحظ في هذا البيت وجود طباقٍ أو مقابلة بين لفظتي " شدَّت " و " أطلقت " وهذا غرض من الأغراض البلاغية الجميلة وخاصةً عندما يكون ـ كما هو هناـ تلقائيا بلا تكلّفٍ أو صنعة.

وفي البيت جرس موسيقي خفي ناتج من تكرار حرف النون ثلاث مرّات في: ( قيدنا، الكون، فينا ) كما أن هناك جرسا آخر ينبع من التجانس اللفظي بين ( قيدنا، فينا ).

وتكرار حرف القاف ثلاث مرات جعل البيت ذا جرس موسيقي داخلي في: ( وقفُ،قيدنا،أطلقت ).

 

كما أن الأحرف الدال، والتاء، والطاء في: ( شدَّت، أطلقتْ ) خلقت بالبيت موسيقى داخلية تشدّ أذن السامع.

ويقول في البيت الثاني:

 

                             وقفٌ عليها الحبُّ ساقط نخلها          رطباً جنيا أم حشيفاً ضامرا

 

وفي هذا البيت - كسابقه - يقرر التليسي بأننا نحبُّ وطننا بخيره وشره فسواءٌ أكلنا من ثمار نخيله رطبا جنيا يانعا أم لم يعطنا النخيل إلا رديء التمر و فاسده.

فيجب أن نحب وطننا وإن بدا لنا - أحيانا - أنه يعطينا ثمارا رديئة.

ويلاحظ في هذا البيت توظيف الشاعر لنصٍّ قرآني ( وهو الآية 24 من سورة مريم ):  " وهزِّي إليك بجدع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " فمثل هذا الاقتباس ـ أو التنصيص ـ يعتبره النقاد سمةً جمالية في الشعر لتقوية المعنى الذي يقصد إليه الشاعر.

 

كما نجد بالبيت مقابلةً بين الرطب الجني والحشيف الضامر.

وبالبيت الثالث، يقول:

 

وقفٌ عليها الحبّ أمطر غيمها          أم شحَّ، أو نسيتْ محبًا ذاكرا

 

يقرر شاعرنا أن الحب يجب أن يكون وقفاً على ليبيا سواءٌ أكان سحابها كريما فأمطر علينا بنفعه، أم كان شحيحا فضن علينا وبخل بعطائه. وربما يكون بهذا البيت تلويحٌ أو رمزٌ إلى أننا يجب أن نحب وطننا سواءٌ أغدق العطاء أو شحَّ ونسي من ذكره. وقد يفهم من هذا البيت أن الشاعر أراد أن يقول إنه لم يأخذ ما يستحقه من وطنه مقابل ما قدمه له، وجزاءً عن  ذكره والتغني به.

وبهذا البيت طباقٌ وهو بين لفظة "نسيت" ولفظة " ذاكرا " وطباقٌ أيضا بين " أمطر " و " شحَّ ".

    

وفي البيت الرابع، يقول:

 

وقفٌ عليها الحبُّ كرمى عينها          تحلو منازلة الخطوب حواسرا

 

إنَّ الحبَّ وقفٌ على ليبيا، ومن أجلها ( كرمى عينها ) يحلو لنا أن ننازل الخطوب ونقارعها حمايةً لليبيا ودفاعاً عنها.

وبالبيت جرسٌ موسيقي بسبب تكرار حرف الحاء ثلاث مرات في: ( الحب، تحلو، حواسرا ).

 

ويقول في البيت الخامس:

 

وقفٌ عليها الحبُّ تنظم عقدنا           ركبا توحَّد خطوةً وخواطرا

 

إنَّ حبنا وقفٌ على ليبيا لأنها هي التي وحَّدت صفوفنا وجعلتنا وحدةً ملتحمةً متفقةً في المنهج والاتجاه ومتفقةً في المشاعر والخواطر.

بهذا البيت موسيقى داخلية تشدُّ أذن السامع ناتجة من تكرار الأحرف: الخاء والطاء  والواو مرتين قي ( خطوةً وخواطرا )، كما أن بهاتين اللفظتين تجانسا أضاف إلى البيت رنينا موسيقيا.

    

وفي البيت الثاني عشر، يقول:

 

تتقلّبُ الأيام في أطوارها           خصبا، وجدبا  لاتمسُّ جواهرا

 

فيقول الشاعر: مهما تقلبت الأيام وتغيرت أطوارها وأحوالها من خصب إلى جدب، فإنها لا تستطيع أن تمسَّ جوهر البلد أو تسيءَ إليه، فهذه التقلبات لا تعدو كونها ظواهر عارضة لا تستطيع أن تمس البلاد بسوء.

بهذا البيت طباق بين " خصبا " و " جدبا " مع ما بين هاتين اللفظتين من جرس موسيقي.

وفي البيت الرابع عشر، يخاطب الشاعر ليبيا بقوله:

 

ويظل حبك خالداً لا ينثني          للحادثات وإن بدون غوادرا

 

يريد الشاعر هنا أن يؤكد لوطنه أن حبه سيظل خالداً باقياً لا تزعزعه المصائب والحوادث التي قد تبدو لنا على أنها غادرةٌ ؛ فحبنا لوطننا أكبر من أن تطاله صروف الدهر وغوائله.

بهذا البيت جرس موسيقي نابع من تكرار حرف الدال أربع مرات في:(خالدا، للحادثات، بدون، غوادرا)

 

ويتحدث في البيت الثامن عشر عن سبب حبه ليبيا بقوله:

 

لكنها الأوطان، فرحةُ قلبها           فرحي، وحزني أن تصيب عواثرا

 

ويعني الشاعر هنا أن فرحه من فرح وطنه، وأنه يحزن إذا تعرض الوطن لأية مصائب أو عثرات.

وبالبيت طباق بين لفظتي " فرحي " و " حزني " كما أن بالبيت موسيقى داخلية سببها المجانسة اللفظية بين ( فرحةُ و فرحي ).

 

ويقول الشاعر في البيت الحادي والعشرين:

 

لكنها الآمال هزت خافقي          هزاً، وأضرمت العروق مجامرا

 

يصرِّح الشاعر هنا بأن أحد الأسباب التي جعلته يحب وطنه هو تلك الآمال والطموحات والأحلام التي حرَّكت مشاعره، وجعلت قلبه يخفق عشقاً، والتي جعلت عروقه تتأجج حباً وعشقاً كما لو كانت أشعلت نارا في مجامرها.

وفي تكرار الراء بالكلمات ( أضرمت، العروق، مجامرا ) جرس موسيقي يشدّ السامع إليه. كما أن التكرار ( هزّ ) بين اللفظتين: ( هزّت، هزًّا ) به جرس موسيقي ناتج من التكرار ومن قلقلة التضعيف في حرف الزاي.

ويقول في البيت الثاني والعشرين:

 

فنظمت منها مشاعري وخواطري          ورفعتها طوقاً تأرَّج عاطراً

 

يقول الشاعر إنه قد نظم مشاعره وخواطره من حب بلاده وجعل تلك المشاعر والخواطر طوقاً أو عقداً يفوح عطراً. ولقد خلق الشاعر جرسا موسيقيا في هذا البيت بتكرار حرف الطاء ثلاث مرات في: (خواطري، طوقا، عاطرا)، وجرسا موسيقيا بتكرار حرف الراء خمس مرات في: ( مشاعري، خواطري، رفعتها، تأرّج، عاطرا ) ونلاحظ أن الشاعر لم يكن أنانياً حتى يتقلد هذا الطوق ليتزين به أو ينعم بعطره ورائحته الفواحة، وإنما آثر غيره على نفسه فقدَّم الطوق ـ كما يقول في البيت الثالث والعشرين:

 

للهادمين قيودها والرافعين           بنودها، والناشرين بشائرا

 

فهكذا يهدي شاعرنا العقد الذي نظمه لأولئك الذين كسروا قيود بلاده فحرروها من الاستعمار، وأولئك الذين رفعوا رايتها خفاقةً عاليةً والذين أذاعوا أخبار الأعياد والأفراح ونشروها.

ونجد بهذا البيت موسيقى داخلية مصدرها تكرار حرف الراء ثلاث مرات في: (الرافعين،الناشرين، بشائرا )، وتكرار الشين والراء معاً في: ( الناشرين بشائرا )، وتكرار الدال ثلاث مرات في: (للهادمين، قيودها، بنودها). كما أن هناك تجانساً بين لفظتي قيودها وبنودها.

 

ولم يكتف الشاعر بهؤلاء، بل قال في البيت الرابع والعشرين:

       

للزارعين حقولها ومروجها          والناسجين لها رداءً فاخرا

 

فلم يبخل التليسي بعطر طوقه الفواح على أولئك الذين يقومون بزراعة الحقول والمروج، وأولئك الذين يسعون إلى إخراج بلادهم في أجمل حلة  كما لو كانت حسناء يقومون بنسيج رداء فاخر لها لتزداد به حسناً وجمالا على جمالها.

وبالبيت جرس موسيقي داخلي بتكرار حرف الراء أربع مرات في: ( للزارعين، مروجها، رداءً، فاخرا ) كما به جرس موسيقي ناتج عن التجانس بين نهاية اللفظتين ( للزارعين، الناسجين ).

وفوق أولئك وهؤلاء، يضيف شاعرنا في البيت الخامس والعشرين:

 

للغارسين علومهم وفنونهم          الصادقين بواطناً وظواهرا

 

ويعني الشاعر أن المدرسين والأساتذة والعلماء والفنانين كلهم أهلٌ ليتزينوا بذلك الطوق ذي الأريج الفواح إذا ما قاموا بأمانتهم كما يجب الأداء فكانوا صادقين قولاً وعملاً باطناً وظاهراً.

ويلاحظ القارئ وجود نغمة موسيقية خفية سببها تكرار الضمير ( هم ) مرتين في: ( علومهم، فنونهم )، كما نلاحظ تجانسا بين ( للغارسين، الصادقين ). 

ونلاحظ هنا أن الشاعر استعمل " الغارسين "  كناية عن الأساتذة والمدرسين وذلك لأنهم بتدريسهم يشبهون الذين يقومون بالغرس، حيث يشترك التدريس مع الغرس في الثبات والبقاء وصنع المستقبل.

 

بالبيت نلاحظ وجود طباق أو مقابلة بين " بواطنا " و " ظواهرا "

ويقول شاعرنا في البيت السادس والعشرين:

 

للعاشقين لكل دوح راسخ          في أرضها، والحافظين ذخائرا

 

إنَّ العشاق والمحبين، وأهل البوادي ( بيوت الشعر الكبيرة )، وأولئك الذين يحافظون على الوطن وما به من ذخائر ونفائس، كلهم يستحقون أن  يتحلوا ويتزينوا ويتعطروا بذلك العقد الذي نظم فيه شاعرنا مشاعره وخواطره من حب بلاده.

بالبيت نلاحظ وجود موسيقى داخلية ناتجة من تكرار حرف الراء ثلاث مرات في: ( راسخ، أرضها، ذخائرا )

ولم ينس الشاعر أولئك المجاهدين والشيوخ المسنين الذين ركبوا الصعاب وتجشموا الأخطار في سبيل الوطن والدفاع عنه، والذين يرجع إليهم الفضل في تحرير هذا الوطن من ربقة الاستعمار، والذين تحملوا الجوع والفقر والعراء والعطش مضحين بحياتهم  من أجلنا ومن أجل حياتنا الحاضرة، فقال قي البيت السابع والعشرين:

 

لشيوخها ركبوا الأمور جليلةً   وصلوا بهن أوائلا وأواخرا

 

فهؤلاء الشيوخ الذين استطاعوا أن يجذِّروا حاضرنا بماضينا من حقهم أن يُهدى لهم ذلك العقد الذي نظمه شاعرنا من حب وطنه.

بهذا البيت طباق بين لفظتي أوائلا، أواخرا. وبهذا البيت موسيقى داخلية ترجع إلى تكرار حرف الهاء مرتين في: ( لشيوخها، بهن )، وتكرار حرف الراء ثلاث مرات في:( ركبوا، الأمور، أواخرا ).

 

ويقول التليسي في البيت الثامن والعشرين:

 

ولتلك سنتنا نضيف لما بنوا   صرحا، ونترك للبنين عمائرا

لقد أصبح سنة من سننا أن نضيف إلى ما بناه أجدادنا  صرحا شامخا من صروح المجد والفخار، حتى نترك لأبنائنا من المفاخر ما يضاهي ذلك الذي تركه لنا أجدادنا. وظاهر القول هنا يدل على البناء والمعمار المادي الملموس، وسواء أكان المقصود هو البناء المادي أم البناء المعنوي (المجد والفخار)، فإن شاعرنا يقول إننا سنبني مثل الذي بناه آباؤنا وسنترك لأبنائنا مثل الذي ورثناه عن آبائنا.

بالبيت موسيقى ناتجة من تكرار حرف الراء ثلاث مرات في: (صرحا، نترك، عمائرا ). وأما في البيت التاسع والعشرين فإن الشاعر يقول إن العقد نظمته لأهديه أيضا لسواعد الشباب التي تحمل العَلَم في أعالي القمم والمرتفعات وتعمل على بناء الوطن:

 

لسواعد الفتيان ترفع في الذرى          علما وتعمر سائبا أو دامرا

 

تتولد بهذا البيت موسيقى داخلية مصدرها تكرار حرف الراء أربع مرات في: (ترفع،الذرى، تعمر، دامرا )، وتكرار حرف العين أربع مرات في:( سواعد، ترفع، علما، تعمر )

 

ويستمر الشاعر في ذكر من يستحقون أن يتسلموا هذه الهدية، فيقول في  البيت الثالث والثلاثين:

 

للمنجبات ليوثها والعامرات          بيوتها، والمبدعات عناصرا

 

فالشاعر هنا يشبه أبناء وطنه بأنهم أسود، ولذلك فإنه يُهدي طوقه إلى أمهات هؤلاء الأسود، واللائي جعلن بيوتهن عامرة، واللائي يبدعن في إيجاد مكونات الوطن أي أولئك النسوة لأنهن أمهات أبناء المستقبل.

وبالبيت جرس موسيقي نابع من تكرار حرف التاء أربع مرات في:( للمنجبات، العامرات، بيوتها، المبدعات ). كما أن هناك تجانساً لفظياً ذا رنين موسيقي في اللفظين: ( ليوثها، بيوتها ).

 

وفي البيتين الرابع والثلاثين والخامس والثلاثين، يقول:

 

للـخاطفات قـلوبـنا، والسـالبات          عقولنا،والناشرات غدائرا

عند المعاطن فـتنة، ولدى الوغى            سـند يمدُّ ويستثير قساورا

 

يتحدث الشاعر عن النسوة اللائي يستأهلن هديته فيقول إنهن يخطفن قلوبنا ويسلبننا عقولنا، وإنهن ذوات سحر ودلال وجمال، وهن في البيوت رقَّة و فتنة أخاذة ولكنهن في الحروب سند للرجل وتخشاهن الأسود القساورة.

 

بالبيت الرابع والثلاثين جرس موسيقي جميلٌ ناتجٌ من التجانس اللفظي بين (للخاطفات قلوبنا، والسالبات عقولنا)، وهناك تجانس آخر ناتجٌ من الألفاظ الثلاث: ( للخاطفات، السالبات، الناشرات ) حيث بها إلى جانب التجانس، تكرار لحرف التاء ثلاث مرات.

 

ونلاحظ أن الشاعر في البيت الخامس والثلاثين يتحدث عن النساء ولم يقل مساكنهن أو في المساكن بل قال " عند المعاطن " والسبب في ذلك أنه أراد أن يكني بالمعطن عن حالة السلم واللاحرب حيث المعاطن هي مكان إراحة الإبل وإناختها لتستريح بعد الشرب فكأنه استعار ذلك المكان للبيوت البشرية وقت السلم، ولعل سبب هذه الاستعارة يرجع إلى أن الزوجة تسمى عقيلة والعقيلة هي الناقة ومن ذلك جعل مكان سكنها معطناً لأنه مكان للسلم والراحة.

 

وبذلك يكون بالبيت مقابلة أو طباق بين المعاطن ( مكان السلم ) والوغى. ومقابلة بين فتنة وقساورا. وبالبيت موسيقى داخلية بسبب تكرار حرف الدال خمس مرات في: ( عند، ولدى، سند، يمدُّ ).

ويواصل الشاعر في ذكر المؤهلين لتسلم العقد فيعدِّد الصبح وهو ينشر النور، والأصيل والنخيل، وحجارة الوادي، والصخور الشامخة التي لا تستطيع السيول الجارفة أن تؤثر فيها.

 

وبعد ذلك يقول الشاعر في البيت التاسع والثلاثين:

 

تبقى على الأيام طودا شامخا          يحمي مساربه ويدفع غائرا

 

يدعو الشاعر هنا لهذه الأحجار والصخور أن تبقى على مدار الزمن جبلا شامخا يذود عن الوطن ويحمي حماه ويرد عنه الأعداء.

 

وفي البيتين الأربعين والواحد والأربعين يقول:

 

فـاستنطق التـاريخ عـن أيامها           ولرب صامتة تقصُّ نوادرا

عن أمسها،عن يومها، عن مقبلٍ          فـي أفقها آتٍ يرنُّ مزاهراً

 

هنا يتصور الشاعر أنه يتحدث إلى شخص ما، فيطلب منه أن يسأل التاريخ عن ليبيا وأيامها، فلربما يكون التاريخ - وهو صامت - قادرا على أن يقص قصصاً نادرة حول ماضي ليبيا، أو حاضرها، أو المستقبل القريب الآتي بالأفراح ورنين المزاهر.

بالبيت الأربعين طباقٌ بين: ( صامتة، وتقصُّ )، وبالبيت الحادي والأربعين طباق بين: ( أمسها، ويومها )، وبهذا البيت جرس موسيقي ناتج من تكرار حرف الهاء أربع مرات في: ( أمسها، يومها، أفقها، مزاهرا ).

 

ويختم التليسي قصيدته بالبيت الثامن والأربعين حين يقول:

 

سنظل نمنحها الوفاء ونبتغي          مهراً لها ما ترتضيه أوامرا

 

يقول الشاعر إننا سنظل نمنح ليبيا الود والحب والوفاء وننفذ كل أوامرها كما لو كان ذلك مهراً منا لها، وكأن ما تأمرنا به بلادنا هو مبتغانا ومرادنا.

هكذا نرى أن الأستاذ الشاعر خليفة محمد التليسي استطاع أن يعبر عن حبه الصادق لوطنه في قصيدة رائعة تتكون من 48 بيتا، لم يذكر فيها ضمير المتكلم المفرد إلا نادرا كما في البيت الحادي عشر حيث قال:

      

يامنزل الصبوات كم لك من يدٍ         عـندي، سـأحفظها وفياً شاكراً

 

ومرة في البيت الخامس عشر حيث قال:

أنا لا أقول الشعر أبغي رتبةً       تـعلو بـها رتبي وتـكسب وافرا

 

ومرة في البيت السابع عشر حيث قال:

حسبي من التكريم ركن دافئ      مـن قلبها أصفـو إلـيه سرائرا

 

ومرة في البيت الثامن عشر حيث قال:

لكنها الأوطان فرحة قلبها          فرحي، وحزني أن تصيب عواثرا

 

ومرة في البيت الواحد والعشرين:

لكنها الآمـــال هزَّت خافقي       هزاً، وأضرمت العروق مجامرا

 

ومرة في البيت الثاني والعشرين:

فنظمتُ منها مشاعري وخواطري     ورفـعتها طوقـا تـأرَّج عاطرا

 

واستطاع التليسي في هذه القصيدة أن يجعل من الوطن معشوقا مبجلا، أسمى من العشق البشري المشوب بالعلاقات الجنسية الحسية. واستطاع أن يحبِّب ليبيا إلى كل الليبيين حيث لم يترك أحداً إلا أهداه ذلك العقد الذي نظمه من حب الوطن.

كما أنه جعل كل الليبيين يلهجون بحبهم لليبيا وذلك بأن نطق بضمير الجمع في هذه القصيدة كما لو كان ينطق بلسان حال الشعب الليبي كاملاً.

وإذا كان التليسي قد نظم عقداً من حبِّه لبلاده ليتحلى به الليبييون، فإن الليبيين يجعلون من رائعة التليسي - " وقفٌ عليها الحب " - عقدَ سؤددٍ وفخارٍ تتحلى به بلادهم الجميلة الحسناء (ليبيا)، وابنها ـ وابنهم ـ البار الشاعر خليفة محمد التليسي الذي مجَّدَ وطنه وشعبه بأرق الشعر وأعذبه. فجزاه الله عنا خير الجزاء.

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة