|
"في أوّلِ عَمارِ غَدامَس وما معنَاها"
كشفٌ جديدٌ فتحَ الله به عليّ
موسى علي إبراهيم
في غُرّة رمضانَ المباركِ من عام 1919 للهجرة، الموافقةِ للعام
1999 إفرنجية، ألمّ ببدني داءٌ عضالٌ، حيّرَ الأطباءْ، وقصُرَ
دُونَه الدّواءْ، فظلَلتُ أياماً طَريحَ الفراشِ، واهنَ
القِوى، حتّى استبدّت بيَ الحُمّى، واشتدّ الألمُ، وظننتُ أني
بلغتُ أجلي ووفيتُ أيامي.
وفي ليلةِ السابعِ والعشرينَ منهُ دَنتْ منّي أمّي، أطالَ
الله في عُمرها وأدناها من الجنّة، فقَبّلتني في جَبينيَ
المحمُومِ وقَالتْ: أيْ ولَدي! أرَى الداءَ عليكَ اشتدّ،
والعِلّةَ فيكَ استقرّتْ، وقدْ سلّم الطبيبُ بالعجزِ، وأنتَ
على ما أنتَ عليه، فإنْ رأيتَ أن تسمعَ قولَ أمّكَ أشرتُ
عليكَ بما فيهِ الشّفاءْ، والبُرءُ منَ الداء إنْ شاءَ الله:
دُعاءُ أمٍّ أدعُوهْ، وكلامٌ كريمٌ أتلوهْ، وشَرابُ خيرٍ
تَحسُوه فَتقُومُ مُعافاً، وهُو علَى اللهِ هيّن.
فَلمّا ابْتسمتُ مُشفِقاً عَليها، وأَومأتُ بالقبولِ إليهَا،
قامتْ، رعَاها الله وقدّرَني علَى بِرّها، فجَاءتْ بوُرَيقاتٍ
مخطُوطةٍ، وأعوادٍ زكيةٍ، وشَرابٍ جعلتهُ في كأسٍ صغير.
فرأيتُها وقد أَوقدَتِ البَخورَ، ونَثرتِ عليَّ حظاً منَ
الشَّرابِ وسَقتني حظاً، وغطّت جَبيني وصَدري بالوَرَقِ
المَكتوبْ، ثمّ طفقتْ تُهمهمُ بكلامٍ مُبهَمٍ اختلطَ قُرآنه
بدُعاءْ، وتَرتيلهُ بما أشبهَ الغناءْ، فمَا وَعيْت بعدها
شَيئاً حتّى الفَجر. فكأنّي حينَ نفضتُ عنْ بَدني رِداءَ
النّومِ، لَبَستُ رداءَ العَافيةِ، وإذا أَنا في أتمّ صحةٍ
وأحسنِ حالْ. فبيْنا أنا أتضوّعُ طِيبَ البَخورِ، شاكراً فضلَ
الرّحمانِ، أخَذني الفُضولُ إلى تفقُّدِ هذه الأوراقِ
المسطُوره، والصحائفِ المنثوره، فإذا هيَ بعضُ مخطوطٍ قديمٍ
تآكلتْ أطرافُهُ، وبَهُتَتَ سُطُورُهُ، وامّحَتْ كلماتُه.
تَقارأْتُه فعَصى عليّ متنُه، والتبسَتْ عِبارتُه. فناديتُ
أمّي وقُلت:
أيْ أمّي ! إني قدْ أمسيتُ عَليلاً، وأصبحتُ كأنْ لمْ يمسَسْني
ضُرّ ! فكيفَ ذاكَ؟ وما حالُ هذيْ الصحائفِ وأنتِ لاتقرئينَ؟
فرأيتُها تَلهجُ بحمدِ اللهِ على سَلامَتي وقدْ اغْرَوْرَقتْ
عَيناها الرحيمتانِ بالدّموعِ، ثمّ قالتْ، الصادقةُ سليلةُ
الصادقينَ،:
أيْ بُنيّ! لمّا أَوقعَ الله فيما بينَ النّصارى فتقاتَلوا*،
مَنعوا الناسَ مَراعِيهم، فأصابَ أهلكَ شرٌّ عظيمٌ، فعزَّ
الطعامُ، وعمَّ المرضُ، ومَاتَ خَلقٌ كَثيرٌ، وكانَ أبُوكَ
رحمهُ الله دونَ العاشِرةِ، فاسْتولى عَليهِ دَاءٌ عُضَالٌ
أَوهَنَ بَدنهُ، وأَجهدَ قِواهُ، حتّى ظنَّ القومُ أنّه بلغَ
أجلهُ ووفّى أيامَهُ. فَبَينا هُو كذلكَ إذْ مرّ بالنجعِ رجلٌ
صَالحٌ منْ أهلِ بلدةِ غَدامسَ، بَيِّنُ التّقوى، جَلِيُّ
العِلمِ، عليهِ خَتمُ الوِلايةِ، وسِيماهُ المُرابطين.. فلمّا
علمَ أهلُ أبيكَ أنّ الشيخَ آيبٌ منَ الحجِّ هتفتْ جدّتكَ بهِ
أنْ يا شيخَ الخيرِ، وزائرَ النبيّ، أَدرِكْ ابني ببَركاتِك.
فأخذَ الرَّجلُ الصّالحُ يقرأُ على رأسِ أبيكَ القُرآنَ،
ويحرِقُ البَخورَ حتّى شفاهُ بإذنِ الله. ثمّ أنّ الشّيخَ
استَطابَ البَقاءَ في النّجعِ فلازمَ أهلَك وَقتاً، أمّ فيهِ
الصّلاةَ، وعلّمَ الصّبيانَ. غيرَ أنّ مُنادي الرّحيلِ هتفَ
بهِ فأجابه. وذهبَ ما تركهُ منْ أوراقِ علمٍ إلهيّ، وأذكارِ
حَمدٍ ربانيّ إلى جدّكَ فأبيكَ فأمكَ. وإني والله رأيتُ أباكَ
يتطبّبُ بهذي الأوراقِ المُباركةِ المرّةَ تلوَ المّرةَ فيكونَ
مِنها البُرءُ والشّفاءُ.
سَألتُ: فَهلْ تعرفينَ اسْمَ الشّيخِ ونَسبَهُ يا أمّ الخيرِ
وأَصلَ البَركةِ ؟
فقالتْ: كانَ أبوكَ يقولُ أنّه سمعَ النّاسَ يُنادُونَه
الشّيخَ الحَبيبْ.
فقلتُ: فهُو إذنْ الحبيبُ الغَدامسي !
* * *
أَخذتُ الأوراقَ المنثورةَ فإذا هيَ لا تزيدُ على خمسٍ،
اختلطتْ خُطوطُها، والتبستْ كلِماتها، وتباينتْ صفحاتُها. ثمّ
أني صرتُ بعدَها إلى بلادِ الإفرنجةِ للعلمِ، فقعدتُ أدرسُ
المخطوطَ المبتورَ عاماً ونيفاً حتّى فتحَ الله عليّ ما
استغلقَ منهْ، ويسّر لي ما أشكلَ فيهْ، ونوّرني بسرِّ معناهْ،
وأرشدَني لعلمِ مبناهْ. فكانَ ممّا كُشِفَ لي وقَدَرْتُ على
ترتيبِهِ "بَابٌ في أوّلِ عَمارِ غَدامَسَ وما مَعناها"، هذا
تحقيقُه:
"بابٌ في أَوّلِ عَمَارِ غَدامس وما مَعنَاها"
اعْلَم، حَفِظكَ الله، أنّ أَوّلَ عَمارِ هذهِ البلدةِ
الطّيبةِ، والقريةِ المباركةِ، كانَ منْ نَسلِ رَجلٍ يُقالُ
لهُ أبو سُلمى غَيثُ بْنُ رَواحٍ السُّلَيْميّ من مَتنِ نجد
(1). وخَبرهُ أنّه ما أمسَى يوماً فيْ مَحلٍّ أصبحَ فيه، فكانَ
يجوبُ الأرضَ بعدَ الأرضِ، ويَطوي المفازةَ بعدَ المفازةَ،
فظلَّ علَى حالِهِ هذا ثلاثينَ حَولاً ونَيفٍ، لا يُرفَعُ لهُ
بيتٌ، ولا يُقامُ حَجرٌ. فجازَ الحِجازَ وسيناءَ وأرضَ النيلِ
وصَحراءَ سِيوة وبُرقةَ والسّوداء (2) حتّى حلَّ بأرضِ الجبلِ
(3)، ونزلَ عنهُ يُريدُ برّ السّودان. فبَيْنا هُو يَسيرُ في
الحَمراءِ (4) أَخذتْهُ ريحٌ شديدةٌ، أقامتِ الرّملَ، وحَجبتِ
الطّريقَ، وأفزعَتِ الرّاحلةَ فطارتْ بما حَملتْ مِن زادٍ
وآلةٍ، وقدْ تعلّقَ التُّرابُ بالجوِّ بلا نُزولٍ، واسْتمسَكَ
بلا فِصالٍ. فأصَابهُ منْ ذلكَ كَربٌ عظيمٌ. وأدركَ الرجلُ
أنّه هالكٌ لا محالةَ، وأنّهُ لا يصبِرُ علَى الماءِ يومينِ،
معَ غيبةِ الوجهةِ، وامّحاءِ الأثَر. فإذا هُو بالرمَقِ دعا
(5)ربَّه أنْ نجّني بما قدمتُ. فخرجَ لهُ مَلاكٌ أسودُ
البَشرةِ، أخضرُ الثيابِ، بهيُّ الزينةِ، وقال: يا عبدَ
اللهِ، فأينَ المَصيرُ (6) ؟ فقالَ أبو سُلمى: إنّما أنا عبدٌ
سيّار (7). فقالَ المَلكُ: فإنّا نُسيّر إليكَ ما لمْ ترهُ
عينُكَ، ولا سَمِعتْ بهِ أُذُنُكَ، ولا خَطَرَ بقلبكَ قَطّ.
فانظرْ ما تَرى. فإذْ بالغبارِ يَجلو عن صَفاءٍ، والريحِ تكشفُ
عن هُدُوّ. وإذْ بالأفقِ واحةٌ ظليلةٌ، ونخلٌ (8)بهيٌّ، وماءٌ
طيّبٌ، وحيوانٌ كثيرٌ. فأعجبهُ ما رأى، وأثنى علَى الرحمانِ
(9). وقرَّ أن يبيتَ ليلتَه تلكَ في حَيثُ أصبَحَ بالمكانِ
الغُفل (10). ففعَلَ. وفي صُبحِها رأى أنّه ألقَى العَصا (11)،
واسْتثقلَ حَمْلَها. فاسْتبطى نفسَه يومينِ، شربَ فيهِما منْ
ماءِ الواحةِ، وأكلَ منْ رُطَبِها، واستظلّ بِفيئها، وتنفّسَ
ريحَها قَبلياً وبَحرياً. فبينا هو يُسوّفُ ويَستمهِلُ إذْ
بالقوافلِ تَغدو وتَروحُ، فيبيعَ الناسُ ويَشترونَ، ويُعرسُونَ
ويَندبونَ، ومنهمْ من يبيتُ ليلة ً، ومنهمْ من يبيتُ جُمُعةً
(12).
فرأى أبُو سُلمى أنْ يُظلَّ نفسَهُ بصُفّةِ نخلً، ثمَّ رأى أنْ
يُقوّيها بالطينِ، ثمّ رأى أن يَستُر عَورتَهُ عن العابرينَ
بصُفَّةٍ أخرى جعلهَا من حجرِ الرملِ. فما درى إلا والدارُ
ارتفعتْ، والحوائطُ انتصبتْ. فتعجّبَ من حالِه وكيفَ تبدّلَ.
وفي حَولِهِ (13) مرضَتِ امرَأة بقافلةٍ، فظنّوها هالكةً
يومَها ذاكَ، فداواها ابنُ رَواحٍ بما عرفَ من تطبيبِ
الأعرابِ، وعلمِ الأعشابِ، حتّى شفاها الله على يديهِ. فلمّا
قامتْ، وكانتْ سيّدةً في قومِها ونفسِها، وَهبتْهُ نفسَها
ورَواحِلها بما حملْنَ. فكانَ أنْ دَخلَ بها من جُمُعَتِهِ
تلكَ. وجعَلا منْ ذلكَ مَبدأَ(14) مَعاشٍ وتجارةٍ، وزينةٍ
وعَمارٍ، فأنسلا ستَّة صِبيانٍ وتسعَ بناتٍ (15). وتكاثرَ
خلفُهما واختلطَ معَ من جاءَ الواحةَ مُستسقِياً أو مُستظِلاً،
وحَدثَ من ذلكَ خلقٌ وعُمرانٌ عَظيمينِ. وفي تمامِ الثلاثينَ
حَولاً رأى أبو سُلمى في نومهِ كأنّ المَلَك الكريمَ أتاهُ
للزيارةِ والسّؤالِ عن الحالِ، فجعلَ يُحادثُه بحديثٍ طيبٍ
كانَ ختمُه أنْ أنشدَ المبعوثُ الربّاني: إيهِ أبا سُلمى،
شُغِفْتَ الرَّحِيْلَ حَتَّىْ اْهْتَدَى
بِكَ النَّجْمُ، وَاْسْتَوحَشَ الإنْسُ
وَرُمْتَ القُعُودَ حَتَّى اْسْتَوَتْ
لَكَ الدَّار،ُ وَالزَّرْعُ ، وَالكَدْسُ(16)
لِكِلٍّ حمَلت َ حِيْنا هَوىً
فَإنْ رَاحَ مَسّ ٌ، غَدَا مَسُّ
فقامَ أبو سُلمى وهُوَ يَلهجُ بينَ الفزعِ والفرحِ: غَدَا مَس
ُّ، غَدَا مَسُّ (71).
فكانَ من ذلكَ ما كان، وأضْحتِ الوّاحةُ زينةَ الدُّنيا،
ودُرّةَ العالمينَ. ولنا في ذلكَ تفصيلٌ وتأويلٌ. وسُبحانَ
المُريدِ إذا أرادَ شَيئاً أنْ يَقولَ لهُ كُنْ فَيكونُ.
* عنت بذلك، حفظها الله، الحرب العالمية الثانية.
1. عنى بها هضبة نجد بأرض الجزيرة.
2. لعلها جبال السوداء شمالي هون الليبية.
3. لعله الجبل الغربي جنوبي طرابلس.
4. هي الحمادة الحمراء الممتدة جنوب الجبل الغربي.
5. في الأصل "دعى"، والصواب ما أثبتنا.
6. يسأله أي أرض يريد وأين منتهى تجواله.
7. يشير بذلك إلى الآية الكريمة "قل سيروا في الأرض فانظروا
كيف بدأ الخلق".
8. في الأصل "نحل"، والصواب ما أثبتنا.
9. في الأصل "الرحمن"، والصواب ما أثبتنا.
10. يقصد الغفل من الاسم.
11. عنى عصا الترحال.
12. الجمعة هي السبعة من الأيام.
13. في الأصل "غوله"، والصواب ما أثبتنا.
14. في الأصل "مبدى"، والصواب ما أثبتنا.
15. في الأصل "ست صبيان وتسعة بنات"، والصواب ما أثبتنا.
16. في الأصل "الكرس"، والصواب ما أثبتنا.
17. فَإنْ رَاحَ مَسّ ٌ، غَدَا مَسُّ: أي إن راح عنك مس
الترحال، غدا عليك مس القعود والتوطن، فغدامس إذن تعني "جنون
البقاء".
* من منشورات مجلة المقتطف. |