مـخـتـارات

 

الشعر الشعبي:

شعراء متعددون وقصيدة واحدة

 

الصديق بودوارة

 

 

#.. حفل وطبل

                   وزغاريد نسوة نين هزن جبل

قريش كانوا يعبدوا في (هُبل)

                  وكم ينحروله من فروق سمينه

ودونه ايصبوا كلهم بالنبل

                  ما يرتضوا شى فيه حاجة شينه

وانتى عليك انحدفوا في القبل

                 وين ما خيالك من بعيد ايجينا

 

( ؟ )

بدايةً اعتذر.. فسوف أورد الشواهد دون ذكر الأسماء حتى لا اتهم بالتحيز لشاعر بعينه.. وسأتكئ هنا على حكاية نقشت في  ذاكرة شعب ما..  أوردها الروائي إبراهيم الكوني واقتبس منها بعضاً من نار في إحدى رواياته.. انه يحدثنا عن واحةٍ يسكنها أناسٌ لا أسماء لهم.. وقد قلت في مناسبة سابقة إن الكيان هنا يتشكل داخلياً بحيث يغدو الاسم ترفاً لا مبرر له..

لكن كيان الشعر الشعبي لا يفعل ذلك..

إنه يشكر الله على نعمة الوجود ويشكر التاريخ على معروف الاستمرار ويمد للتفاصيل يداً من مودة خالصة ويفرش مع ثقافة السائد بساطاً من حوارٍ لا ينقطع.. فإلى أين سيقودنا الحوار ؟

اخترت أبدأ هذه السطور بأبيات معينة.. سر دهشتها إنها اهتمت بالمشهد.. وتحولت على يد شاعرها من كلمات تلفظها مخارج الحروف إلى آلة تصوير تلتقط التفاصيل وتسخّر الأمر كله بعد ذلك لخدمة موضوع يقصده الشاعر ويسعى إليه..

انه هنا لا يقع في فخ التكرار.. ولا يسقط فريسة لوضع نفس المشاهد القديمة التي أجبرتنا على الإحساس بأننا كنا طوال الوقت نستمع إلى قصيدة واحدة لشعراء متعددين.

إن اللجوء إلى فكرة تقديس قريش في الجاهلية لمعبودهم (هبل) ومقارنة ذلك بإجلال العاشق لمعشوقته تنطوي على فكرة مؤداها إن الخيال هنا قد افلت من اسر التقليد لبعض الوقت لكن هذه القصيدة ومثيلاتها تظل ذلك الاستثناء المغامر الذي يتمرد على قاعدته لبعض الوقت لكنه يعود إليها في نهاية المطاف.. إن القصيدة الشعبية الآن.. من خلال أصوات شعرائها تحقق مكاسبها كل يوم وتواصل انتشارها مستفيدة من خاصية اللهجة.. فالمحكي بلغة اليومي أكثر حضوراً من الفصحى المتداولة في ردهات الرسمية.. إن اللغة هنا مقننة بينما تتمتع اللهجة بفضائها الواسع..  لكن هذا ليس كل شيء.

يقترب الشعر الشعبي من نبض اليومي وكثيراً ما يتحدث بلسان الأبطال العاديين.. هل تعرفونهم ؟.. أولئك الرماديون بلا ملامح.. المتشابهون كالتوائـم.. انك تصادفهم في أي مكانٍ يخطر ببالك.. في الشوارع المقفرة.. و الميادين المزدحمة.. إنهم أسراب المعزين في المقبرة وأفواج المهنئين بسلامة الوصول وضيوف حفلات الزواج.. إنهم ضحايا حوادث الطرق وطلاب المؤسسات التعليمية وموظفو الدوائر الحكومية وأصحاب المحلات التجارية وزبائنها في الوقت نفسه.. هم المفلسون إلى حدٍ  لا يُصدق والمتخمون إلى حد الملل.. إنهم أنا وانتم.. نحن وهم لكل هؤلاء يرفع الشعر الشعبي عينيه وأمامهم يعتلى منصة الكلام.

وهنا.. هنا بالذات نقف على أبواب مفارقة مذهلة فالشعر الشعبي ً يرفع راية العداء للمدينة التي يقطنها شعراؤه في نفس الوقت.. انه يذكرنا بأبطال روايات الكوني بمقتهم لحياة الواحة المستقرة..

لنا اطناشر عام في مقعدنا

ولا نجع شال ولا الها رودنا

ولا امشالشة في أول الخيل جردنا

ولا اتقول درنا خير واجاودنا

ازعمه نهار الموت وين سقدنا

بين المزارع والطريق سكنا

اكحيلة ولا دارت علينا زنا

ولا ثار من غادي مشن جابنا

ولا خيل في وان العشا ماسنا

بكاياتنا هن بيش لك يطرنا ؟

 

ثمة شعور بالمهانة هنا.. إحساس بالعار.. ورفض لا مثيل له لحياة المدينة.. حتى إن الشاعر يتساءل عن المآثر التي سيُذكر بها بعد موته.. لا خيل.. ولا نجع يرحل من مكان إلى آخر.. ولا ابل سارحة.. كل ما هناك استقرار وسكن دائم ومنظر لا يتغير.

الشاعر نفسه يسكن المدينة ويعمل بها لكنه يعيش في نجعه البعيد بكل جوارحه.. هل يمكن لنا الآن أن نتحدث عن ذاتٍ منفصلة عن واقعها أم عن واقع عاجز عن الإقناع ؟

هذه الأبيات جزء من قصيدةٍ قيلت عام 2000. ولكننا نجد شاعراً يؤكد هذا المعنى منذ عام 1960 تقريباً عندما يصف محبوبته ذاكراً إن من ضمن محاسنها إنها لم تدخل المدارس  ولا تسكن المدينة من الأساس:

لا تعرف تخطيط كتابة

لي في حوش اتسكر بابه

بو ريشات اسماح اطنابه

لا تقرا لاهي دكتورة

لي في براكة  مزرورة

في شطبان عليه النورة

 

ثمة أربعون عاماً تفصل بين الشاعرين لكن لاشيء يقف حائلاً بين المعنى هنا والآخر هناك.. المدهش في الأمر إن الفكرة لم تتغير قيد أنملة فهل عجزت المدنية عن  فرض ثقافتها أم أننا لم نعرف المدينة من الأساس ؟

سؤال كهذا ربما يتورط في شكوك حول هوية المدينة عندنا.. فباستثناء طرابلس وبنغازي تفتقر باقي المدن إلى فضاء المدينة الخاص.. إلى جذورها.. إلى أزقتها وميادينها الفسيحة.. إلى أرصفة موانئها وعبق بيوتها القديمة يختلط بتيار الجديد الذي يجتاح شوارعها الحديثة..

إن آلاف الحكايات تولد من رحم هذا التناقض وهوية المدن الحقيقية تحتاج إلى تباين كهذا لكي تستحق المدينة اسمها.. فهل عرفنا المدينة حقاً ؟

أعتقد إن اغلب مدننا ما زالت تضع قدماً في الحواضر وأخرى في الغابة القديمة أو ذلك البساط المجدول بالفراغ وقطعان الإبل وبيوت الشعر.. إن  الذاكرة هنا  تراوح بين القديم والجديد بشكل يومي متصل بل إن القديم يطغى بشكل ما على الجديد لأنه يتمترس بالذاكرة ويتحصن بها.

 

من هنا يبزغ الآن وفى زمننا الحالي شعراء شباب لا يلقون بالاً إلى المدينة التي يحيون فيها.. ولا يستقون منها مفرداتهم.. بل إنهم يعتبرونها في الكثير من الأحيان مصدراً للخذلان وخيبة الرجاء ويستمرون في استحضار ذلك القديم الموشك على الزوال وكأنهم بذلك ينصرونه في معركته ضد النسيان ويثيرون من حوله غبار الذكريات في كل سانحة ينتهزونها..

إنهم يستحضرون مجدداً تلك العلاقة المشحونة مع الجدب والسنين العجاف.. لازال شعراؤنا الشعبيون   يلجئون إلى التعابير ذاتها ويشبهون وجه الحبيبة بالبرق الذي لاح في السماء جالباً معه المطر الذي ازدهرت به الوديان المجدبة..

بارق شكع في ليله

فوق مالعذا طوح عصايب سيله

جبين سالمة

ولا زال الشاعر يشبه دمعته على فراق المعشوقة بسيل هادر يجرف معه الأخضر واليابس معوضاً الأرض الميتة عن دهرٍ كامل من العطش:

 

يوم الفراق ايشلّن

كما سحاب في وسطه ارعود ايتلن

وعاد برقهن منه ضوا يجلن

نين تلتقط لبرة على نشعاله

جميع الخرابة والعمار تملن

واللي نقطها قصّر عليه مشاله

وايام الغلا ضاعن مشن ما ولن

ولا عاد نطروهن الا من جاله

 

اذكر أنى كتبت قبل هذا عن ثقافة الفاجعة.. تلك التي خلقتها ظروف سابقة لهذا العصر.. ويبدو أنني سأعود مجدداً لموضوع مشابه عندما أتساءل عن الأسباب والدوافع وراء هذا التشبث بتفاصيل الصورة القديمة.. إننا نجد شاعراً آخر يذكر حبيبه الخائن بأن الدنيا لا أمان لها وينتهز هذه الفرصة ليعود بنا إلى زمن مضى:

تعافن امعانا دار سود عمايل

تضحك وتلبس مالحرير بذايل

ومامن اللى كانوا اسماح نزايل

على جارهم ديمه اصحاب جمايل

شراب بيرهم ديمه شراب سبايل

ولا ايميعدوا ميعاد ركنه مايل

كسابة اكحيلة لقحها وشوايل

ركابه على اللى في مساره خايل

تاريخهم راسخ وفيه دلايل

لكن الدنيا يا قرين العادة

وتكشر وتاتى لابسة هرباده

بنجعاً كبير وعامرات انضاده

وفى يوم عيده كلهم عياده

ما يقبضوا مليم مالوراده

ولا يشهدوا ع الزور يوم اشهاده

والطوقة ابها دار العفا رواده

وين ما جفل بالدير له نقناده

عليه الملاحم يشهدن جهاده

 

هنا سأتوقف.. ولكن ليس لالتقاط الأنفاس..

أنا هنا.. وعند هذه النقطة بالذات اعرض عليكم مشروعاً ناجحاً.. فكرةً ليست بالجديدة ولكنها مهملة إلى حدٍ لا يليق بها.. سأبدأ بالسؤال.. لماذا لا نقوم بتدريس الشعر الشعبي في المدارس ؟ ولكن ولكي لا أتورط في أخطاء سابقة أؤكد على أنى أعنى هنا تدريس هذه القيم الجميلة التي ينادى بها الشعر الشعبي ويفخر بتواجدها هناك.. في النجع البعيد الزائل.. التحدي الحقيقي يفرض علينا أن نربح المعركة.. معركة انتقال هذه القيم السامية إلى المدينة.. عوضاً على أن نقف في صف طويل من الشعراء الذين يحتقرون حياة المدينة ويتحسرون على قيم النجع في دائرة مغلقة لا تؤدى إلي شيء في الغالب إلا إلى ميلاد المزيد من القصائد المتشائمة فإني أدعو إلى تأكيد هذه القيم الرائعة التي طالما ازدهر بها النجع ولازال الشاعر الشعبي يتغنى بها إلى الآن.. تأكيدها إلى الحد الذي يجعل طالب المدرسة يحفظها عن ظهر قلب.. ذلك التاريخ المشرف بسنوات الجهاد.. وأولئك المواطنون الذين لا يشهدون الزور ويتكافلون اجتماعياً ويشكلون يداً واحدة تعمل من اجل الخير..

لنتصفح قصائد الشعراء الشعبيين وسنجدها مليئة بالصور الرائعة التي تمثل أخلاقيات المواطن المثالي الذي تحتاجه المدينة أكثر مما يحتاجه النجع:

ثارى الدنيا اتدور

ما يوم طريوك ممطور

في ايام الزها كيف القصور

فيك هلك كيف الصقور

ولا يشربوا في الخمور

نصابة اكبار القدور

وكان بخش في برقة ايثور

وهل شيخ في الوطن مشهور

ياوطن عوج اللغاوى

امغير نسمعوا في الحكاوى

انجوعك زداوى زداوى

ما ميعدوا في القهاوى

ولا ياكلوا في المثاوى

طعامة فريق الكفاوى

ما ايكرّسوا في الثناوى

بين القبايل ايساوى.

 

إن الشعر الشعبي يجعل هذه المواصفات المثالية حكراً على مواطن النجع (إذا صح التعبير) وستكون وظيفة النصوص الشعبية المقرر حفظها أن تنبه الطالب أن المدينة تريد أخلاقا كهذه وتحتاج إلى مواطنين بأخلاق مثالية كالتي يتحدث عنها الشاعر لأنها هي الحاضر بالنسبة له وهى أيضا الواقع المعاش.

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة