|
الأرامل والوليّ الأخير
رواية هي أم شطط سردي
وتشويه للحقائق وعبث بالوقائع التاريخية ؟!
د.محمد احمد وريّث
إذا كان طيب الذكر والذكرى (أبو الطيب أحمد المتنبي) قد قال
ذات يوم منذ نحو ألف عام: (وخير جليس في الزمان كتابُ) أو
سمُّيهُ "أحمد شوقي" قد قال أيضاً في الثلث الأول من القرن
العشرين الماضي:
أنا من بدّلَ بالكُُتْب الصحابا/ لم أجد لي وافياً إلا الكتابا
على الرغم من الخطأ اللغوي الذي وقع فيه بجعله (باء التعويض أو
البدلية) تقترن بالكتب وهي التي يريدها وكان حقها أن تقترن
بالصحاب الذين لا يريدهم كما تنص القاعدة، كما في الآية
الحادية والستين من سورة البقرة: (... أتستبدلون الذي هو أدنى
بالذي هو خير..) بمعنى: أتفضلون الأدنى على الذي هو خير منه؟!
فإن كلا (الأحمدين) الشاعرين القديم والحديث كانا يمدحان
الكتاب الذي هو خير جليس وأوفى الصحاب، غير أنني -وللأسف
الشديد المحزن- حين قرأت هذا الكتاب الذي حمل عنوان (الأرامل
والولي الأخير) وأطلق عليه (ملِّـفقُ) أحداثه ووقائعه الوهمية
المملوءة بالعجائب والغرائب، صفة أو تسمية (رواية) وجدت نفسي
مع جليس غير مرغوب فيه لأنه غير وافٍ لي بتجنيه على مرحلة ٍ من
أهم مراحل مسيرة وطني امتدت مئة وأربعة وعشرين عاماً أو
قرناً وربع قرن استغرقت الفترة بين (1711-1835) وهي التي عرفت
(بالعهد القرمانلي) وشهدت مواجهة عسكرية حاسمة كان قوامها
المدافع والأساطيل مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية
الحديثة استقلالاً (عام 1776) ونشوء دولة على نحو ما حدث بعدئذ
طوال أربعة أعوام، بما فيها من كرِّ وفر ومراوغة، ودهاء،
وخداع، وقتل ودماء وأسرى وصراع في البحر المتوسط، ومحادثات
ومفاوضات واتفاقات ومعاهدات وأيضاً هزائم وانتصارات،وما
تخللها من دسائس ومؤامرات على النحو المسجل والثابت والمشهور
في الوثائق والكتب المتداولة حتى اليوم.
وفي الأسطر القليلة السابقة أوردت متعمداً الجملة الاعتراضية
(وللأسف الشديد المحزن) لسببين: الأول يعود إلى أن هذه الرواية
من (إنشاء) كاتب للروايات صديق عزيز هو "خليفة حسين مصطفى"
وأما السبب الثاني فإن الرواية عبثُ ُ بوقائع وأحداث التاريخ
الثابتة المعروفة وتشويه كبير وظلم أكبر ألحقتهما بـ"يوسف
القرمانلي" (الباشا-الحاكم) الذي لا يخفى على القارئ من الأسطر
الأولى للرواية على الرغم من ادعائها أنها عمل فني تخييلي لا
صلة له بالواقع، ولا أدري لماذا أوقع الكاتب نفسه في هذه
(الزلة) التي لا تغتفر، وحتى إذا سلَّمنا بأن ما ألصقه بتلك
الحقبة يمثل شيئاً من الحقيقة، فإن الكتَّاب المنصفين يعودون
دائماً إلى السوالف التاريخية ليشيدوا بما فيها من مفاخر
وانتصارات حققتها شعوبهم، ليتخذوا منها نبراساً تستضيء به
الأجيال لمواصلة مسيرتها الحياتية بذخيرة تبعث على الاعتزاز
بالوطن، وليس بالنظر إليه على أنه لا يضم سوى مجموعات من
المنحطين أخلاقياً رجالاً ونساءً يتهافتون على الملذات تتحكم
فيهم الغريزة الجنسية، جاءت ببعضهم الصدف إلى سدة الحكم
والسلطة، في مقابل بعضهم الآخر أو الشعب بصفة عامة، والذي لا
يعدو كونه شراذم من اللصوص والمجرمين، ومن الشحاذين والمتسولين
والمتبطلِّين والمشعوذين الأفاقين المتعاملين مع عوالم الجن
الوهمية والدراويش والعواهر المحترفات بائعات الهوى اللاتي
يحتللن حياً بكامله في طرابلس (تسميه الرواية الحي الأصفر ولا
أدري من أين اقتبست الاسم).
وإذا كان الكاتب قد أهدى روايته هذه إلى ابنيه فإنني سأرثي
لحاله حين يقرآنها وربما يناقشانه فيها في يوم من الأيام إذ
يقدم لهم وطناً من السفلة لا شيء فيه يشرفهم أو يشرفون
بالانتماء إليه وسينظر كل منهما إلى نفسه على أنه سليل شعب
حقير وضيع، مغلوب على أمره، وحتى عندما قرر أن يثور على
الباشا-الحاكم، فإن الذي قاد (الثورة) هو الشحاذ الصديق القديم
للباشا "يوسف القهوجي" (جي هنا لاحقة في اللغة التركية تعني
صاحب حرفة ما أو المشتهر بعمل ينسب إليه، وفي العامية الليبية:
الحلواجي: صانع أو بائع الحلوى.السفراجي: النادل أوالعامل في
المطعم أو المقهى وولدت تعبير: البطناجي لذى البطنة الشره
النهم وكذلك الكلمنجي لمحترف الكلام أو الثرثار.. إلخ)، ولم
يكن باعث الشحاذ في هذه (الثورة) المزعومة إلا الانتقام الشخصي
من الباشا الذي عينه حينما تولى السلطة، كما تقول الرواية، وفي
وظيفة الوزير الأول والمستشار الخاص له، ثم تآمر عليه فسجنه
وخلَّص نفسه من القتل بإدعاء الجنون فأطلق سراحه، ثم استولى
على خطيبة الباشا السابقة التي رفضت أن تتزوجه بعد أن أصبح
حاكماً، وتزوجها وهرَّبها من أمها ومن الباشا متخفياً متنقلاً
من مكان إلى آخر حتى استقر لاجئاً في أرض إحدى القبائل
مستجيراً بزعيمها الذي أكرم وفادته وأسكنه وزوجته في جواره،
حيث عمل بعدئذ في تجارة المواشي، وقد كون (يوسف القهوجي - يوسف
باشا القرمانلي) الهيأة المساعدة له في الحكم بالإضافة إلى
"مسعود الشحاذ" الوزير الأول والمستشار الخاص، من الفقيه "عبد
الشافي" لمنصب الإفتاء وتسليمه مفاتيح الشؤون الدينية (والفقيه
هنا بما تعنيه في العامية الليبية كلمة فقي أي معلم القرآن
للصبيان في الجامع كما كان شائعاً وليس فقيهاً بمعنى التفقه في
الدين)، وكأن ليبيا في ذلك العهد قد خلت من العلماء المتفقهين
في الشريعة، وهذا مجافٍ للحقيقة إذ يقول الأستاذ "عمر على بن
إسماعيل" في كتابه القيِّم عن (انهيار حكم الأسرة القرمانلية
في ليبيا ط 1966 ص 172): (إن حكام الأسرة القرمانلية كانوا
يولون التعليم اهتماماً كبيراً، فكانوا يشجعون العلماء
ويحترمونهم ويستمعون إلى نصحهم في كثير من الأحيان)، وعندما
ساءت الأحوال الاقتصادية وتفاقمت الأخطار الخارجية المحدقة
بالبلاد في أواخر عهد "يوسف القرمانلي" والتي أدت إلى تنازله
عن الحكم فيما بعد فقد كان للعلماء دورهم في إبداء الرأي
ولذلك يقول الأستاذ "عمر بن إسماعيل" ص26: فإنه قرر استدعاء
مجلسه للتشاور، (كما جمع هذا المجلس بعض الأعيان والوجهاء
والعلماء)، ولا تكتفي الرواية بهذا بل إنها تصور لنا زوجة
الفقيه "عبد الشافي" (المفتي) امرأة شبقة فتخونه مع قائد الحرس
الشاب الذي عيّنه "يوسف القهوجي" باختياره الشخصي في هذه
المهمة الخطيرة، ومن صديقه الآخر "أحمد الخباز" لوظيفة
الخازندار (أي الخزانة) ورئاسة الجمارك و تسليمه مفتاح الخزينة
العامة!
ولم يكن الليبيون بمعزل عما يجرى في بلادهم، ولذلك قامت
انتفاضات وثورات على الولاة الأتراك في العهد العثماني الأول،
وهي التي مهدت الطريق أمام "أحمد القرمانلي" لتولِّي الحكم في
البلاد في شبه استقلال بها بسبب المظالم التي مارسوها فيهم
والضرائب المجحفة التي كانوا يجبونها منهم، ثم في أخريات عهد
"يوسف باشا" نفسه، لتتواصل في عهد ابنه وخليفته "علي" الذي
تولَّى السلطة عام 1832 ولم يهنأ بها وضيعها بعد نحو من ثلاثة
أعوام بسبب سيطرة الجند الإنكشارية عليه، حيث يقول الأستاذ
"عمر علي بن إسماعيل" ص 326: (إنهم عبثوا بالأمن في البلاد،
فكانوا يقتلون الناس بغير ذنب ارتكبوه، وينهبون الأموال بغير
وجه حق..)، ولم تتوقف الانتفاضات والثورات التي كانت انتفاضات
وثورات شعبية بحق حتى في العهد العثماني الثاني (1835 وما
بعدها) وكان يقُودها رجال معروفون من الزعماء والوجهاء
والأعيان ولم تكن ثورات شحاذين كما حاولت الرواية أن ترسخ -
بلا جدوى في الأذهان.
وفي ذلك الوقت اتسع (النشاط البحري) لأنه كما يذكر الأستاذ
"عمر علي بن إسماعيل" في كتابه الذي مرَّ معنا ذكره (انهيار
حكم الأسرة القرمانليه في ليبيا ص 218): (كان شيئاً معترفاً به
وكان يُعد دليلاً على القوة والشجاعة، وكان المسلمون ينظرون
إليه على أنه نوع من أنواع الجهاد ضد العدو ) وليس قرصنة، فهو
بمنزلة العمل المضاد لما كان يقوم به الأوروبيون فهؤلاء وكما
يستشهد لنا ببعض المصادر الأوروبية (كانوا حتى القرن الرابع
عشر الميلادي هم رؤوساء القراصنة في البحر الأبيض، وأنهم كانوا
يتعاملون بكثرة في البضائع المسروقة والعبيد)
ولقد كان هذا من ضمن العوامل التي جعلت بحرية "يوسف القرمانلي"
تعترض سفن بعض الدول الأوروبية ثم من بعدها الولايات المتحدة
الأمريكية لنيل الأتاوى والرسوم والغرامات مقابل سلامة مرورها
إلاَّ أن "يوسف باشا" كما يقول الأستاذ "عمر علي بن إسماعيل" ص
218: (تمادي في هذا النشاط، ومع ذلك فإن أسطوله لم يكن يقوم
بهذا فقط، وإنما كان يُساند الدولة العثمانية في بعض حروبها)،
ص ص 218-219: حيث كان (يحارب جنباً إلى جنب مع أسطول الدولة
العثمانية وكانت بعض قطع منه ملتحقة بصفة دائمة بالأسطول
العثماني".
ولكن الشطط السردي غير المحكم الذي يضاهي في عجائبيته
وغرائبيته وأسطوريته وخرافيته ما تحتويه حكايات (ألف ليلة
وليلة) يتوالى في (الأرامل والولي الأخير) فالولي الأخير هنا
المقصود به "يوسف القهوجي- يوسف القرمانلي"، الذي اصطنعت له ما
تعترف بأنه أسطورة جعلت منه ولياً صالحاً تولّدت من حادثة وقعت
مصادفة وملخصها كما توردها حرفياً بالقول: (ففيما كان الباشا
القهوجي يتهيأ لامتطاء فرسه الحمراء انفجرت قذيفة مدفع فمزقت
الفرس إرباً إرباً، ومن الغريب أنه لم يُصب حتى بخدش أو جرح
طفيف، فما أن انجلت زوبعة الغبار وتبدد الدخان في الهواء حتى
رأوه منتصباً على قدميه كما لو أنه نهض من موته، ولم يفقد
شيئاً سوى عمامته المرصعة بالجواهر وفردتي حذائه) ص 224.. وهي
متعمدة تأبى إلاَّ أن تجرّد النشاط البحري في عهد "يوسف
القرمانلي" من أي مضمون أكثر عمقاً من تصوير الباشا رجلاً
متهافتاً على الجنس يمارسه مع زوجته اليونانية الأصل (في أي
مكان على البلاط العاري أو على درج السلم المؤدي إلى مخزن
التموين، أو تحت شجرة التوت في ضوء القمر) ص 151، دون أن يلتفت
إلى المجاعة التي اجتاحت البلد منصرفاً عن كل شيء في منزله
الريفي (ولم يفقَ من لعبته المثيرة إلاّ عندما اجتاحته أخبار
المجاعة كرياح حارة فما عاد هناك فرصة للاختباء أو الهرب أكثر
من ذلك) ص151، وعلى الرغم من التقارير المنذرة بالكارثة كما
يقول الشطط السردي إلاَّ أنه لم يعبأ بها حتى اضطر المفتى
المزعوم "عبدالشافي" إلى أن يواجهه بها حاثاً إياه على وجوب
(العمل بسرعة لتفادي غضب الناس فالجوع لا يرحم) ص151، خاصة أن
الباشا نفسه كما يقول الشطط السردي (صار مدركاً بأنه في حالة
تقاعسه فسوف يكون هو الضحية أو على الأقل فسوف يدفع ثمناً
غالياً لتهاونه) ص153، وليس هذا فحسب بل (فلم يُعدْ هناك ما
يكفي من أموال للإنفاق حتى على سكان القلعة من الحرس والجنود
والخدم والزوجات والأرامل والمحظيات والأطفال الذين يتكاثرون
باطراد كالأرانب) ص153، وهكذا تتحول أمامنا القلعة إلى ما يشبه
الحيّ السكني أو الضاحية بالمبالغة والتضخيم لأعداد الساكنين
فيها، ناهيك من أننا لم نعلم بوجود أطفال (يتكاثرون باطراد
كالأرانب) وحتى (الأرامل) اللاتي تكدسن بعد قتل أزواجهن خلال
المؤامرات في القلعة لم نصادف ما ينبئ بولادة أي منهن سوى
تصويرهن وكأنهن (بقرات أودعن في حظيرة) ولا يشغلهن إلاَّ الشبق
الجنسي فقط وممارسة الخطيئة مع من يقع في حوزتهن فرادي أو
مجتمعات، وأما الباشا فليس له إلاَّ ثلاث زوجات "قرنفلة"
اليونانية الأصل والتي لم تتخلص من لكنتها الأجنبية بعد (ص
137) وقد ولدت له طفله الأول الذي كان يتعشم أن يكون خليفته من
بعده أو ولي عهده، ولكنه فجع فيه حين وجدته الخادمة المكلفة
برعايته ذات صباح مقتولاً في غرفته (وكان الأمير مقلوباً على
بطنه في بركة من الدم لم تجف بعد، لقد ذبحه الجاني بلا رحمة
وهرب برأسه) ص241، ثم الزوجة الثانية "تركية" وهي تركية الأصل
فعلاً وكانت أرملة وقد ولدت له ولداً آخر، ثم الزوجة الثالثة
"سليمة" وهي زنجية وكانت من الخدم، وقد ولدت له بنتاً، وهذان
الولد والبنت وقد ولدا في يوم واحد ليس للباشا من ذرية غيرهما،
بعد ابنه الأول من "قرنفلة" الذي قتل ولم يعرف قاتله، وإن كانت
الشبهات التي ذكرها الشطط السردي قد حومت حول "الشحاذ مسعود"
الذي تسلل متخفياً إلى المدينة طرابلس فهو (من الصعب التعرف
عليه وهو بهذه الزيادة في الوزن التي طرأت عليه بعد الزواج
وبشاربه الضخم الذي تركه ينمو تحت أنفه بدون أن يشذبه، وأخيرا
تخفيه في هيأة زعيم بدوي لا يشك أحد في أصوله البدوية المدعومة
بلكنته الصحراوية) ص260، وإذ فرحت "عزيزة" زوجة "الشحاذ مسعود"
الهاربة من أمها ومن الباشا الذي رفضته في السابق بعودته فإنه
(لم يعكر صفو فرحتها العارمة سوى بقع الدم التي وجدتها مطبوعة
على قميص زوجها عندما أخذته لغسله في الصباح مع بقية ثيابه
التي استبدلها بأخرى نظيفة عند خروجه إلى السوق) ص274، ويكلّف
الباشا قائد حرسه الشاب وعشيق زوجة المفتي "عبدالشافي"
بالتحقيق في حادثة مقتل ولي عهده، ولكنه لا يتوصل إلى أي نتيجة
إلاّ أن الشطط السردي لا يخفي القاتل، وتحوّل الشبهات إلى
اعتراف جاء على لسان الشحاذ نفسه وإن لم يبح به لأحد حين يقول
الشطط السردي بعد شكوك زوجته "عزيزة" في بقع الدم التي رأتها
على قميصه لقد (أنب نفسه في أعماقه لأنه بدافع من تعجله
وارتباكه مسح يديه من دم الضحية في طرف قميصه، وإذا كان حرس
القلعة لم يكتشفوا ذلك في حينه فلأنه خرج متسللاً في الظلام
قبل إغلاق أبواب المدينة بدقائق لقد دفن رأس الطفل مع السكين
في أحد البساتين التي مرّ بها في طريقه وكان يجب أن يتخلص
أيضاً من الأثر الأخير المتبقي من آثار جريمته) ص275، وبسذاجة
لا تنطلي على أحد جعلته يبرر لزوجته هذا الدم (بأنه ذبح الخروف
الذي أصرّ مضيفه على أن يضحي به على مائدة العشاء من أجله وما
كان ذلك إلاَّ مبالغة في إكرامه وقال موضحاً إن مضيفه يرهب
الذبح ولم يجَربه من قبل فكان من الطبيعي برغم كل احتياطاته أن
تتلوث ثيابه بالدم) ص275-276، وعلى الرغم من هزيمة الشحاذ
مسعود في ما سمّاه (الشطط السردي) ثورة على "يوسف القهوجي-يوسف
القرمانلي" فقد صورته في بعض المواقف موشكاً على النصر حتى إن
الباشا بعث إليه من يفاوضه على الصلح وكان مبعوثه إليه أحد
الدراويش كما يقول النص (لقد رفض بحزم آخر عروض "يوسف القهوجي"
لإحلال السلام التي جاءه بها الدرويش المتجول) ص362، وهي
الثورة التي كان من المفترض أن يقودها زعيم القبيلة التي لجأ
إليها "الشحاذ مسعود"، ولكن تبريراً واهياً ينحيه جانباً بعد
أن تقدم لذلك بالقول: (أعلن الشيخ "المسعودي" عصيانه وخروجه
على السلطة المركزية في طرابلس) ص362، ولكن (وفي أول اشتباك مع
القوات النظامية أصيب الشيخ "المسعودي" وقد جمح به حصانه بطلق
ناري في ظهره أقعده عن الحركة، وبإيعاز منه تولى الشحاذ قيادة
المتمردين) هكذا وبجرة قلم وكأن هذا الشيخ لا رجال له من حوله
في قبيلته أو في منطقته.
وعلى الرغم من كل هذا و انفضاض الذين كانوا مع الشحاذ مسعود
عنه أو قتلهم في الاشتباكات المتكررة مع قوات السلطة المركزية،
فإن هذا (الشطط السردي) يبقيه على قيد الحياة، وينقذه من الموت
بأعجوبة أخرى من أعاجيبه الخارقة حيث نقرأ (كان الشحاذ وخمسة
من رجاله وهم كل ما تبقى من رهط رفاقه القدامى) ص372، ثم نقرأ:
(ما إن انتهوا من تناول طعام العشاء وأشعلوا النار في كومة من
القش للتدفئة، ثم تمدّدوا بإعياء على العشب حتى بوغتوا بدفق من
الرصاص ينهال عليهم كالمطر، قتل الرجال الخمسة على الفور فلم
يبقَ (في الأصل يبقى) سواه وحيداً إلا من بندقية وحصان أصيب
بجرح في ساقه) ص372، وتقول: (أما هو فقد ظل مستلقياً على فراش
العشب كأن ما يجري حوله لا يعنيه في شيء) ص373، ويا لها من
شجاعة نادرة، وحتى رفاقه الذين قتلوا بجانبه لا يعنونه (ولذا
فلم يصب حتى بجرح طفيف) ص373، وعلينا أن نعود إلى حادثة انفجار
القذيفة في الباشا التي رفعته بنجاته منها إلى مصاف الأولياء
بل وجعلت منه الوليَّ الأخير.
ويقول (الشطط السردي) (لقد حان الوقت لأن يتحرك في محاولة
أخيرة لمراوغة قدره، فانتصب واقفاً غير مُصدق أنه مازال
حيَّاً، إنها فرصته الوحيدة والنادرة فلا يجب أن يضيعها) ص373،
ونسى (الشطط السردي) أنَّ حصانه كما قالت (أصيب بجرح في ساقه
ولذلك فإن "الشحاذ مسعود" (في اللحظة التالية وبقفزة واحدة
امتطى حصانه وانطلق به مسرعاً في سباق مع الموت، لاحقته بضع
رصاصات ولكنه كان قد اختفى في سواد الليل ليتخذ منه ستاراً له)
ص373. 374، والمطلوب تصفيق حاد لهذا المشهد الأسطوري.
وهكذا ينجو "الشحاذ مسعود" ويلوذ بالفرار، ولكنّ الحقد يزداد
اتقاداً في صدره، ولا يقنع بالسلامة، فتصر أعاجيب (الشطط
السردي) على إبقائه متمسكاً بأن ينتقم من الباشا، وكأنها تريد
أن تنتقم منه هي أيضاً فتبدو مع الشحاذ أداة أخرى لتأكيد هذا
الإصرار من خلال خيالٍ سقيم وعقيم، على الرغم من أنَّ مؤلف أي
نص يجب أن يكون حيادياً مع شخوصه حتى يتسم بالموضوعية
والمعقولية التي تنقي عمله من غرائب الوقوع في الزلل الفني
الذي يبدو بوضوح صارخ أنَّ (الأرامل والولي الأخير) قد ارتكبته
في ثنايا كل وقائعها، ولذلك يستغل "الشحاذ مسعود" بعد أن عاد
إلى المدينة مرة أخرى إثر هزيمته النهائية القاصمة موكباً
سيخترق الشوارع مخصصاً لولي العهد ولأخته من زوجة الباشا
الزنجية لتنفيذ انتقامه فتبدأ بالقول: (دوي مدفع القلعة بواحدة
وعشرين طلقة تحية واحتفاء بالموكب الأميري المزدوج..) ص405، ثم
يقول: (ففي هذه الدقائق القليلة التي ظهر فيها الموكب الفخم
بكل صخبه تحت الشمس، ودون توقع أو ترقب صفرت عدة رصاصات مجهولة
في الجو لتستقر مناصفة في صدر الأمير "عبدالقادر" الذي هوى من
فوره على الأرض ومن بعده في صدر الأميرة "ذوقية"..) ص406،
(هكذا في غمضة عين، وفي لحظة فاصلة مثل هذه تمكن "مسعود
الشحاذ" من اختصار المسافة بين الممكن والمستحيل، بأن عبّأ كل
حقده ويأسه في طائر الموت..) ص406، ويا للشحاذ مسعود من رام
حاذق متمرس، أصاب الصغيرين في مقتل بدقة متناهية ودون أن يصيب
أحداً غيرهما بأذى؟!
ومن الواضح أن كاتب هذه (السردية) لا يعرف الخلافيات الشديدة
في المسيحية، وتفرقها إلى شيع وطوائف ومذاهب ولذلك يجعل
"قرنفلة" زوجة الباشا اليونانية الأصل، تلجأ إلى الكنيسة
الكاثوليكية: (تخطت عتبة الكنيسة الكاثوليكية ثم اختفت وراء
بابها الذي أغلق وراءها بإحكام) ص385، متناسياً أنه أخبرنا
أنها يونانية الأصل، وإن اليونانيين من أتباع الكنيسة الشرقية
الأرثوذوكسية (الراشدة كما تسمى) وهي تختلف عن الكاثوليكية
اختلافاً كبيراً، ناهيك من أنه لم يخبرنا شيئاً عن ديانة
"قرنفلة" هل كانت على دينها، هل أسلمت؟، هل ارتدت بعد إسلامها،
ولبست السواد حزناً على مقتل ابنها الذي حزّ الشحاذ مسعود
رقبته وهو نائم في مهده، ثم قررت الخلاص من همومها وأحزانها
بالرهبنة ؟؟
ويتبقى لنا أن نقول إن هذه الشططية السردية الطويلة جدا (415)
صفحة هي سيرة ذاتية مزيفة لحياة (يوسف باشا القرمانلي) الذي
ظلَّ على رأس السلطة زمناً طويلاً بين مدّ وجزر وتقلبات وفترات
استقرار، لم تكن لتخلو من اضطرابات، شهدت خلالها بلادنا
أحداثاً هامة ولعلّ في مطلعها المواجهة مع بحرية الولايات
المتحدة الأمريكية التي استمرت نحواً من أربعة أعوام، كان من
أبرزها أسر السفينة (فيلادلفيا) عام 1803 والتي كان ذكرها في
هذه (الشطط السردي) (جافياً) وعلى هذا المنوال: (كان لخبر أسر
السفينة الضخمة التي يرفرف عليها علم مثلث الألوان على ساريتها
واقتيادها إلى الميناء في ظل الغروب بكل حمولتها الهائلة من
البضائع والبحارة صدى ابتهاج في نفوس الأهالي بما يتجاوز
إحباطاتهم وأحلامهم البائسة إلى الأمل الذي لا يريد أن يتجسد
في حياة لائقة والتخفيف من وطأة معاناتهم اليومية) ص189.
والسفينة لم تكن تحمل بضائع ولكنها كانت سفينة حربية وكانت كما
يذكر الأستاذ "عمر علي بن اسماعيل" في كتابه عن (انهيار حكم
الأسرة القرمانلية في ليبيا) ص 106، مزودة باثنين وأربعين
مدفعاً وكانت ضمن أسطول مكون من سبع قطع حربية أخرى، وقد أسرت
مع جميع بحارتها الذين كانوا على متنها، ولكنَّ (الشطط السردي)
جرَّدها من أي مضمون معنوي، ولم يركز إلاَّ على المغنم الذي
صوَّره على هيأة بضائع كانت تحملها إذ لم يغمر الفرح والابتهاج
الليبيين فقط بهذا الانتصار بل جميع الشعب في شمال أفريقيا كما
يذكر الأستاذ "عمر علي بن اسماعيل" ص 108: (إن الشعب في شمال
أفريقيا قابل هذا الانتصار بفرح شديد)، (لقد أصبح أسر
فيلادلفيا حديث الساعة عند الناس في أي مكان).. بالإضافة إلى
صور أخرى مختلقة عن ذلك الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية
نراها في أكثر من موضع في هذه (الشططية) السردية التي زُعِمَ
لها أن تتخذ صورة الرواية، ولكنها جاءت رواية مفككة البناء
وغير مُترابطة وتخاطب عقولاً ولى زمانها ولا تنطلي على عقول
الزمن الحاضر سذاجة السرد والحكائية المغرقة في الخيال المنافس
لجموح والتهويمات غير المنطقية التي تحفل بها أجواء الحكايات
الشعبية التي نطلق عليها في العامية تسمية (الخرّاف أو
الخراريف) وإذا كان "يوسف القرمانلي" قد قتل أخاه الأكبر "حسن"
وهو يحتمي بصدر أمهما، ولم يستطع قتل أخيه الثاني "أحمد" الذي
كان يحول بينه وبين الوصول إلى الحكم، فأقصاه من طريقه،
واستولى على مقاليد السلطة عنوة، وبعد اتفاق مع الوجهاء،
والأعيان وبعض زعماء القبائل، فإنه لم يكن "يوسف القهوجي" كما
رسمته (الأرامل والولي الأخير) ولم يكن في القلعة قائد للحرس،
يأتي بمن يشاء وينصبه حاكماً ثم يقتله، ويأتي بغيره مكانه
وهلمَّ جرّا، إلى أن قضى عليه "يوسف القهوجي" الذي جاء به من
الشارع سيداً للقلعة وذلك بحسب ما نقرأ فيها اغتياله وتهشيم
رأسه بضربات (بلطة) وهو نائم في سرير محظيته اليهودية !!
(ص144)، هذا مالم تذكره كتب التاريخ البتة من قبل، ولكنَّ هذا
(الشطط السردي) الذي نزعت منه جذور التجاوب الوجداني مع
الوقائع التاريخية الوطنية الحاسمة أبى إلاَّ أن يختلق هذه
الدُّمى الوهمية ويحركها دون وعي بأي مسؤولية تجاه حقائق
الأحداث التي مرّت بها بلادنا فتقتحمها وتعبث فيها تزويراً
وتشويها وتزييفاً.
ولا أدري كيف قبلت الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان
أن تصدرها ضمن منشوراتها التي افتتحت بها عامنا الجاري.. وإذ
أعارض وبشدة مصادرة أي عمل أدبي ومنعه من التداول مهما كانت
الأسباب والدوافع والمبررات، فإنني أعجب في الوقت نفسه من مؤلف
(الأرامل والولي الأخير) وأتساءل عن عدم مراجعتها طوال الأعوام
الستة التي ناهزتها واستغرقتها منذ فراغه من كتابتها عام 1998
كما أثبت في نهايتها (ص 415) وحتى نشرها الآن؟!.. ألم يخطر
بباله أن يتراجع عنها ويقوم بسحبها حتى في اللحظات الأخيرة قبل
أن تصبح كتاباً مطبوعاً متاحاً لجميع الناس ؟! |