مـخـتـارات

 

منشورات ليبية.. منشورات سرية !!

 
أحمد الفيتوري

 

 

لقد حاصر الكاتب الليبي نفسه؛ رغم أنه يكتب بلغته وأن هذه اللغة العربية لا تحدها الجغرافية السياسية إلا أنه اكتفاء بجهد الكتابة ولم يهتم بالنشر، كأنه ابن الحوش لا ابن الحارة، ضيق على نفسه فضاقت عنه الدنيا حيث تكون لغته العربية؛ هكذا تقريبا لكن من ناحية أخرى تبدو الكتابات الليبية ليست بالعربية ولكن بما قبل الهيلوغريفية أي بلغة كهوف تاسيلي أقدم حضارة بشرية في دهاليز الصحارى الليبية الكبرى أو أن ليبيا تقع في مجرة ليست تحت طائلة العين الطبيعية والاصطناعية، لهذا وغيره ليس لها سبيل في ببيلوغرافيا العرب العاربة المشارقة ولا العرب العاربة في المغرب العربي الكبير. و لا عجب فلن تجد الكتب الليبية في أي ببلوغرافيا فرنسية متعربة أو انجليزية مفرقة أو ايطالية متعجرفة وحتى ببلوغرافيا ليبية في أوت نت أو إنتر نت؛ النت لاهية بالشتم والفضح ومن كل لمزة همزة وليس لها بالكتاب شأن، كذا حال كل نت نت مكتوب بالعربية أو بالأفريقية أو حتى الليبية فاللهم أزل عنا كل غشاوة أو غشم، ولعل من دواعي ذلك أن كانت كل منشورات ليبية هي منشورات سرية بحكم الطبيعة وليس من ناتج النعت والمنعوت أو كما جاء في صحيح التليسي النفيس مختصر تاج العروس؛ ولله في خلقه شؤون.

هكذا نشر عدد من الإبداعات الليبية في مصر خلال الفترة المنصرمة، وهي أحيانا العمل الأول للكاتب، وهي ظاهرة طيبة بدأت تتسع، وهنا سوف نقدم ما وصلنا من أعمال جديدة منوهين إلى أن ثمة إصدارات أخرى للأساتذة على خشيم وفرج بوشينة وغيرهما لكن لم نتمكن من الحصول على نسخة منها.

 

 

حنو الفقيه وسمو الشعر

لم ينشر محمد الفقيه صالح أول قصائده حتى لفت الانتباه، فلم يكن يراكم التجربة الشعرية الليبية ولم يكن يقاطعها، ولم يكن يطمح أن يكون شاعرا عربيا من سلالة هذا أو ذاك، كان الشاعر؛ والشاعر الجذوة:

كان في خاطري جذوة أطفئوها

أشعلتها.. أطفئوها

عاودت إيقادها.. طعنوني

فأودعتها قلب عاشقتي

وأسريت في خاطر الأرض غيمة.

هذه الغيمة التي سوف تمطر في التجربة الشعرية العربية شعرية ليبية لا تتنطع لخصوصية محلية كما لا تستجيب لنظرة طالبة، ونظرية مؤطرة. ولعل هذا ما دعا الشاعر المصري حلمي سالم يقول في خاتمة ديوان الفقيه " إنني لست ناقدا محترفا، ولذلك فقد استهللت كلمتي بتلك الإشارات الشخصية، لأنني أعتقد أن كثيرا من خصال الشاعر الذاتية سيكون لها انعكاس واضح في شعره. فمرونة الشخص ستغدو في النص عذوبة في الأداء ولدونة في الرؤى. وصلابة الشخص على المبدأ ستتجلى في النص إيمانا بالعدل وكراهية للظلم، وسعة أفق الشخص ستتجسد في النص تنوعا في الرؤية والرؤيا.. ".

إن شعرية الفقيه تناء بعيدا عن الحالة الشعرية، وترتكن إلى شعريتها وان كانت توسم بشعرية في الظل وعند الزوال فإنها شعرية التأني والتمهل وأخذ الشعر من النفس واحتراقها ذاتي كما هو حطبها، من هنا هذا الاحتفاء الذي تلتقيه هذه التجربة من شعريات أخرى ونظرات مختلفة ففي الأفق شاعر ليس على عجل من أمره، وضوؤه يشتد في مكمنه الظل، وان كان ثمة حسرة تودعها هذه المجموعة في نفس قارئها فهي أن شاعر بهذه الشعرية لم يعط كله للشعر !

- حنو الضمة سمو الكسرة شعر محمد الفقيه صالح الطبعة الأولى 2002 م في 116 صفحة من القطع الصغير الإهداء: إلى حنو أمي وإلى سمو أبى.

- صدر للشاعر خطوط داخلية في لوحة الطلوع الناشر الدار الجماهيرية مصراته الطبعة الأولى 1999 م.

- صدر له: " أفق آخر " كتاب تحليلى نقدى: تأملات ومتابعات في الشأن الثقافى الليبي.

*        *        *

 

 

دردانين عاشور الطويبي.

صدر في القاهرة عن مركز الحضارة العربية رواية " دردانين "؛ وهي الرواية الأولى للشاعر عاشور الطويبي الطبيب وأستاذ الطب الشاعر الذي صدر له ديوان شعري: قصائد الشرفة – في طبعة شخصية عام 1993 م، ومن أجوائه الشعرية " استهلال ":

السماء مكتنزة بالنجوم

بعضها مبهر

بعضها باهت

وبعضها كما يجب أن يكون.

أقف متكئا على حافة الشرفة

أرقب المشهد العظيم

أحاول أن أفهم

لكن هذا لا يتأتى في اتكاءة واحدة.

 

وللشاعر ديوانه الثاني " تشكيل في غرفة مقفلة "، الذي صدر عن نفس الدار بالقاهرة خلال شهر فبراير من هذا العام 2002 م.

أما رواية الشاعر التي جاءت في حوالي المائة والعشرين صفحة من الحجم الصغير فترصد شخصيات ليبية أثناء مرحلة الستينات، وقد تغيت أن تكون لغة الشخصيات وبالتالي الرواية تستقي نفسها من سياق الحدث والتكوين الاجتماعي والنفسي للشخوص لهذا فإن اللهجة الليبية المحكية في المدينة طرابلس تحكم هذا النص وتؤطره، فيما البنية الروائية تتخذ من اللا سياق سياقا، وثمة جرأة في التناول وكسر التابوات الفنية منها والاجتماعية.

فيما تبين الرواية المقدرة على التحكم في اللغة وتطويعها سوى في فصيحها أو عاميتها، تبين الشاعر والمترجم الذي يشتغل باللغة نابهة ومدققة فإن الموضوعة والأفكار والبنية النفسية للشخوص تكشف عن الطبيب العالم المتخفي في البنية الروائية، وبالتالي فإن هذين المنحيين يتطلبان قراءة هذه الرواية بتأني ودون إحكام قيمة مسبقة. وهذه الرواية لا تواجد فيها فواصل أو نقاط وقف فهي مصبوبة ككتلة واحدة، تتطلب قراءتها في نفس واحد. كما تعد أول رواية مطبوعة لشاعر ليبي حتى الآن.

ومن أجوائها: " الألم هل هو فكرة أم تفكير بإحساس مزعج أو ربما استقبالنا له بشكل يجعلنا لا نرتاح له أوه كلمات ودلالات هذا الجسد ما دلالاته ما هي كلماته أم هو بدون كالرسم ببعد واحد أو كحائط بنافذة واحدة لكن ما الحال إذا ما كان بنافذتين أو اكثر الذبابة سيدة المخلوقات أنتقل من مكانه دون أن يشعر بالألم غمرته السعادة للحظة فكر أن يعيد المحاولة تردد خاف تلاشت السعادة وزحف الحزن إلى قلبه هكذا هو منذ طفولته يتردد يخاف ويحزن ملعون التفكير ملعون القرار الذي ينفلت منه كل مرة ولا يترك سوى الحسرة لكن المسألة شي نسبي قال في نفسه قد يكون لها جانب جدير بالاحترام جالب للسعادة رفع ساقه بعناية لمح ذبابة كانت على وشك أن تحط تمنى لو أن له إصرار الذبابة أقلقته فكرة أنه أقل شأنا من الذبابة وهي ماذا تملك غير جسد صغير هش ودماغ لا يكاد يبين العقل يا للعنة هذا العقل أليس هو الذي جعل جسده لا بل كل خلية فيه جبلا من تراب لا معدن فيه أعجبته الفكرة الدلالة أعاد نطق الحروف ببطء أحس بوقعها بالكلمات تلامس جدار فمه شفتيه ثم تنطلق في الفضاء حرة تكبر وتكبر وتكبر شعر أنه يحتاج إلي هواء بتنفسه وهذه طبيعة الجسد الناقص لقد غلبته الكلمات كلماته هو صنعها هو حررها هو وتتكبر دون أن يستطيع السيطرة عليها أليس هذا العجز والنقصان.. ".

*        *        *

 

 

سريب الفيتوري !

صدر في القاهرة عن مركز الحضارة العربية الرواية الأولى " سريب " للكاتب والناقد الليبي أحمد الفيتوري، في طبعتها الأولى والتي جاءت في 130 صفحة من القطع الصغير.

وقد كتب الشاعر سالم العوكلي حول الرواية ومما جاء على الغلاف الأخير:

تنطلق رواية " سريب " أساسا من سؤال إشكالي يتعلق بجدل الأزمنة وخاصية التشكل الذهني والعاطفي، في إطار هذا الجدل الذي يحدد أحد مستويات السرد الذي يشبك نسيجه في جدل آخر مع مستوى سردي يتعلق بذاكرة مكان حائر اسمه ليبيا يتكثف كوزموبولتيا وبكل تناقضاته في مدينة بنغازي التي تنعتها الحكايات الشعبية " برباية الذائح ".

ينمو الطفل في كنف جدة تقاوم الوحدة والموت بالسرد، وتحاول أن تصدر جسدها المهزوم إلى حفيدها اليانع، ويتم ذلك في إطار اللعب.. تعويذة الأجساد الشارفة ضد الزوال، التي تتلهى بالسياحة عكس عقارب الساعة، بينما الطفل الذي يتحول إلى أذن مشرعة بحجم الذاكرة يتشكل في بيت الجدة؛ مملكة الميثلوجيا الصغيرة، حيث الخوف من الليل المبكر والأشياء المسكونة بالأشباح واحتضان براعم الضوء الأولى والأسئلة النازفة من عينيه الفضوليتين.. الطفل المصغي بمرح إلى رنات مفتاح صندوق الذاكرة المزخرف المسكون بالأسرار والروائح الصامتة، الطفل المتلصص من ثقوب الصفيح على نزوات الأب، والهارب من عصا السلطة إلى حضن التابوت ليتشكل في ذروة التماهي مع تشكل المدينة مستودع الملح والذائحين.. المدينة التي تنبثق من الأساطير وسط هذه السباخ، والتي تتحول فيها الحكايات إلى عرجون بلح يهش الرمال عن عتبات البيوت.

رحيل الجدة في المكان الوعر المحاصر بالظمأ والجوع والموت إلى فردوس غامض وسط بحيرات الملح يكمله الطفل في رحيل آخر إلى مدينة في الشرق، وفي الحالتين يشرق الجسد بشهوته ليقاوم الموت وهاجس الزوال.. الجدة التي تنهض فجأة من احتضارها أمام عيني الرجل الطافحتين بالشهوة، والطفل الذي تغتصبه امرأة في مدينة الحلم، عندما كان الفيضان يهدد الجميع بالزوال.

إنها رواية الأسئلة التي تتشظى باطراد، والتي تنسج من الذاكرة والأساطير والتاريخ وسيرة الجسد والمكان الطارئ والذوات التائهة نشيدها الذي يتصاعد مع الدفق الشعري المبثوث داخل تقنيات سردية دوارة تحفر زمنها العمودي في المكان الممتد أفقيا بحثا عن هوية ما لهذا المكان المغلف بالأساطير، أو سعيا لاكتشاف الذات الذائحة فيه.

وكان قد صدر للكاتب أحمد الفيتوري الذي ولد ببنغازي عام 1955 م، ويعمل بالصحافة:

1 – شيء ما حدث، شئ ما لم يحدث، كتابة مسرحية – دار نقوش عربية، تونس، الطبعة الأولى 1998.

2 – جدل القيد والورد أو ستون الشريف، تحرير، نشر شخصي، الطبعة الأولى 1999 م

3 – قصيدة الجنود: في المسألة الشعرية الليبية، الدار الجماهيرية، طرابلس، الطبعة الأولى 2000 م.

وله مخطوطات :

1 – رواية: بيض النساء.. لولو تهندس الروح وتؤثث الوحدة بفيروز وهو يقرا الفنجان ويكتب هذا.

2 – مئوية شاعر الوطن: احمد رفيق المهدوي 1898 م – 1998 م – تحرير.

3 – نهر الليثي: مختارات في الشعرية الليبية.

4 – لوحات تاسيلي: في النقدية الشعرية الليبية.

*        *        *

 

 

دم الشكري الأبنوسي

صدر في يناير 2002 م، عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة، رواية " دم الأبنوس "، للكاتب ناجى الشكرى، وقد جاءت في 190 صفحة من القطع المتوسط.

ومما جاء في الفصل الأول – من الرواية – والمعنون " مساء التلفزيون.. وزغرودة جارتي ": أجوس بين أشيائي المبعثرة بالأرجاء لاهيا.. لاهثا.. هاربا من زمن ضنك، أعرف وجهته على وجه الدقة والتحديد، أدير شريط الفيديو، فهمت من لغط وصيحات أولادي أنهم مبهورون به. رأيت فيما يراه الصاحي خيوطا من الخوذات المموهة تجئ وتمشى في عرض استعراضي مثير. الوجوه حمراء وبيضاء، وأخرى قمحية وسمراء، هجين من الأجناس، تفتحت بهم الأرض لتوها الرايات في أقصى الشاشة، تبدو قلقة مضطربة.. عددتها راية راية، ففاقت الثلاثين العدد المفترض للمغامرة الكبرى.. أعدت العد ثانية وثالثة، خمنت بأن المسألة تتصل بتكرار راية ما لأكثر من مرة.

اكتشفت بالمعاينة الدقيقة أن المستحوذ عليها كميا يمت بصلة وثيقة للنجوم.. وتسميات أحفظها عن ظهر قلب، " النجوم اللامعة "، " حرب النجوم ".. الخ. أرتال الجنازير والعربات تتزاحم بالتضاد.. لكل منها علامة مميزة تفردها وتخصها بالأحادية.. فهذه تزمجر بصوت شبيه بصوت شبيه بالزئير.. وثانية تبدو اندفاعاتها القوية وكأنها تتوق للحظة ذاتها.. وثالثة تناور بميلة التباهى وكأن مصانع العالم لم تنجب غيرها !! وفجأة، دوت زغرودة، فقفزت ألجم زوجتي المحتجة:

- أووه، هذه بالتلفزيون.

- النسوان سواسية كأسنان المشط. ".

كذا ما جاء في هذه الرواية التي تضاف إلى الرواية الليبية التي تزخر بالعديد من النصوص، والتي تعد في الأهمية متقدمة عن كثير من روايات الدول العربية خاصة بما أنتجه إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه.

*        *        *

 

 

تعب ابن الطيب

صدر للشاعر إدريس بن الطيب ديوان " ملك متعب "، عن دار ميريت بالقاهرة وهو الديوان الأول الذي يصدر له بالقاهرة، وقد تعب كثيرا من أجل إصدار هذا الديوان حيث لم يف الناشر بالتزاماته، وقد صدر في الأيام الأخيرة من أيام المعرض.

وهذا الديوان يتميز عن تجربة الشاعر السابقة من حيث التكثيف والاختزال اللذين طال تجربة الشاعر، وهذا جعل من الديوان يضم مرحلة جديدة في هذه التجربة الشعرية الهامة في التجربة الشعرية الليبية، كما توضح مقدرة وإمكانية الشاعر على تطوير وتنويع شعريته، والخروج من معطف التكرار الذي يسم الكثير من الشعر الحديث عموما، وخاصة عند كتاب شعر التفعيلة، وبهذا الديوان تكتسب الشعرية الليبية تنويعة وتجديد في شعرية الوقعة التي تعتمد المفارقة حيث تكون خاتمة النص قفلة مفارقة كما في قصيدة " ملك متعب ":

فارتقبني حزينا، مؤرقة ارتجافاته،

أهمس للراقصين خرافاتي المنهكه

هل أنا ملك متعب،

أم أنا متعب دون مملكه ؟.

والديوان يضم 21 قصيدة مما كتبه الشاعر فترة إقامته بايطاليا، حيث صدر له هناك ديوان مترجم للايطالية. وكان قد صدر للشاعر ثلاثة دواوين قبل هذا، كما يعد لإصدار ديوان باللغة الانجليزية في الهند حيث يعمل الشاعر هناك كدبلوماسي.

*        *        *

 

 

الكبتي يزيح الثلج عن النيهوم

دأب الباحث والكاتب سالم الكبتي على جمع الثقافة الليبية من شتاتها، وأعطى كل الجهد لرموز هذه الثقافة وعلى الخصوص في شرق البلاد حيث يعيش هذا الباحث المجد.

وقد كانت بكورة أعماله " ديوان الشعر الشعبي " الذي صدر عن الجامعة منذ سنوات، وقد عرف بمقدرته على العمل على الآخرين ومن أجل الآخرين؛ لعله لهذا لم يقم بعد بجمع كتاباته الخاصة من شتات الصحف والمجلات، فمن المعروف أنه بدأ مبكرا بنشر نتاجه خاصة في جريدة " الحقيقة " منذ نهايات ستينات القرن المنصرم، فقد كتب القصة إلى جانب المقالة المتميزة.

ويعد عمل الكاتب سالم الكبتي المنشور في كتب من أعمال التحرير - الذي ينقص الثقافة العربية في عمومها -، الذي يعنى جمع واختيار وتبويب وتنقيب وتقديم مادة ثقافية هي انطولوجيا لمبدع أو فكرة.. وما إليها، ومثل هذا العمل الأساس في الثقافات المتقدمة.

ويأتي في السياق نفسه أخر ما نشر من كتب: " طرق مغطاة بالثلج – عن الصادق النيهوم " - جمع وإعداد وتقديم سالم الكبتي – الناشر تالة للطباعة والنشر الليبية بالتعاون مع مؤسسة الانتشار العربي اللبنانية – الطبعة الأولى نهاية عام 2001 م – 406 صفحة المتوسطة.

وقد جمع هذا الكتاب وأوفى الظاهرة النيهومية حيث ضم الكتاب دراسات وكتابات مختارة بعناية للصادق النيهوم كذا تعطى فكرة عن تطور هذا الكاتب حيث تغطى فترة زمنية عريضة من تجربته، والكثير من هذه المقالات والدراسات لم تنشر في كتب رغم شهرتها.كذلك يضم حوارات معه إلى جانب بعض رسائله وصوره وسيرة ذاتية في ثبت مختصر، وبعض من الدراسات التي كتبت عن النيهوم وكتاباته. ومما ينقص هذا الجهد أنه حاول الابتعاد عن نشر الدراسة التي أثارت جدلا مثل دراسته: الرمز في القرآن وتكملتها العودة المحزنة للبحر.

لذا فإننا نتوقع من هذا الباحث الجاد أن يصدر جزاء ثانيا من هذا الكتاب يظم المقالات والدراسات التي أثارت جدلا ومعها الردود وقد جمع وحرر سالم الكبتي عدد من مقالات النيهوم صدرت في عدد من الكتب كما أعاد طبع رواية من مكة إلى هنا وكتاب نقاش وغيرها من الكتب التي تستعيد النيهوم للحياة العربية الثقافية وتنقذه من الضياع الليبي. ومن جهة أخرى صدر للأستاذ سالم الكبتي كتابا جمع قصص المرحوم يوسف الدلنسي مما يجعل منها سلسلة " التراث الثقافي الليبي الحديث " بجدارة، ولعله يكملها بجمع تراث محمد زغبية الناقد والكاتب الذي أنتج القليل ولكن المهم في نفس الوقت، كما لعله يصدر مراسلات شاعر الوطن والنيهوم وتراث أحمد العنيزي أطال الله عمره، وأن يعثر لنا عن الرواية الضائعة التي كتبها كاتب يدعى رجب بودبوس وطبعت في مطلع القرن بالأستانة وتعد من الروايات العربية الأولى وقد ذكرت في ببلوغرافيا الرواية العربية،و أشار إليها مقال ينشر بالعدد الجديد من مجلة الثقافة العربية.

*        *        *

 

 

مليطان معجم الكتابة الليبية

صدرت في الآونة الأخيرة العديد من الكتب الهامة في الثقافة في ليبيا؛ حيث صدر للأستاذ خليفة التليسي " النفيس " معجم المعاجم العربية، وكذا صدر عن مركز جهاد الليبيين الجزء الثاني من " يوميات الفقيه حسن " وهي يوميات لا مثيل لها في الثقافة العربية، وكان من المفترض أن تقام حول هذه اليوميات حلقة دراسية، لكن لم يتم ذلك كما لم يلق الصدى الذي يستحق؛ وذلك نتاج الكسل الذي يوصم مؤسساتنا الثقافية والجامعية وكذا بحاثنا وكتابنا.

لكن الجهد الذي يقوم به عبدالله مليطان هو في الحقيقة جهد مؤسسة ولعل هذا ما دفع الأستاذ خليفة التليسي – الذي يشبهه مليطان في هذا – إلى القول: " أما إذا أخذناه بالجهد المبذول فيه فلا بد أن نكبر هذا الجهد العلمي الذي نهض به الباحث غير معول إلا على حبه لإبداعات هذا الوطن. وهو عمل أصبح في عصرنا من أعمال المؤسسات أو هو من الأعمال التي تنشئ مؤسسات.

إنه عمل يضع أقدامه بثبات ورسوخ في طريق التوثيق والتأريخ لأعلام المبدعين الليبيين من أشرف منهم على القمة ومن لا يزال منهم في مدارج الطريق الأولي يخاطب بطموحه لبلوغها. " وهذا جاء – تعليقا وتنويها - في الغلاف الأخير لــــ

- معجم الأدباء والكتاب الليبيين المعاصرين – الجزء الأول – عبد الله سالم مليطان – الناشر دار مداد – طرابلس - الطبعة الأولي نهايات 2001 م - في 511 صفحة من القطع الكبير. ويظم هذا المعجم السيرة الذاتية وصور العديد من الكتاب الليبيين. وكذا عناوينهم.

- معجم الشعراء الليبيين – شعراء صدرت لهم دواوين – الجزء الأول – عبد الله سالم مليطان – الطبعة الأولي نهايات 2001 م – في 583 صفحة من القاطع الكبير – الناشر دار مداد – طرابلس. وكان الإهداء إلى الكاتب الإنسان على مصطفي المصراتي. وقد احتوى المعجم إلى جانب السيرة الذاتية للشعراء وصورهم على نماذج من نتاجهم الشعري. وبهذا فهو بحق يلم ويجمع ويختصر الطريق على الباحث؛ حيث يقدم خارطة الشعرية الليبية للدارس والمهتم.

- معجم القصاصين الليبيين – قصاصون صدرت لهم مجاميع – الجزء الأول – عبد الله سالم مليطان – الناشر دار مداد – طرابلس - الطبعة الأولي نهايات 2001 م - في 559 صفحة من القطع الكبير.. وقد احتوى المعجم إلى جانب السيرة الذاتية للقصاصين وصورهم على نماذج من نتاجهم القصصي. إضافة إلى المرجع العامة والفهرس.

وقد جاءت هذه المعاجم – الجهد المؤسسة – في طباعة أنيقة وإخراج يتسم بذائقة رفيعة، وحس وطني يهتم بالثقافة أولا وأخيرا وفي مستوى الطموح، بذا فهو يبز عمل الكثير من المؤسسات الوطنية وحتى العربية، وزاد هذا الباحث الجاد فقدم الكثير كإهداء للمثقفين أفردا وللمؤسسات الثقافية، التي لم تتكرم – حتى – بإقامة احتفالية بمناسبة هذا الإصدار، ونخص هنا رابطة الأدباء والكتاب الليبيين، ومركز جهاد الليبيين فإن مثل هذا الإصدار جهاد أكبر !! هذا ويعد عبدالله مليطان معجم كتاب المسرح الليبيين وبصدد إعداد معجم الكاتبات الليبيات، هذا إلى جانب جمعه لتراث الكاتبة والصحفية المرحومة صبرية عويتي.

*        *        *

 

 

العوكلي يغادر حافة السرير إلى " مقعد لعاشقين "

ديوان سالم العوكلي الثاني: " مقعد لعاشقين " يحتوى هذا الديوان على جل ما كتبه الشاعر بعد ما نشر من نصوص في ديوانه الأول " سرير على حافة المأتم " الذي صدر عن الدار الجماهيرية عام 2000 م في 117 صفحة من القطع الصغير: ( احتاج.. / هذه الليلة إثما.. / لأتذوق إنسان / احتاج.. / قليلا.. من اليأس / . / لأنام. ).

وإذا كانت شعريته في الديوان الأول تناء عن الشعرية الليبية وترفل في خصوصيتها فإن هذه الشعرية تجنح في الديوان الثاني إلى الانتماء، وتصطبغ بمحلية مشوبة بهجاء الواقع وتأبين الأحلام. فالشعرية في ديوان السرير مفارقة وتأنس لتوحدها ولسرديتها ولصور البساطة المدهشة، وتذهب عن المتلقي لتفسح المجال لمتلقي مفترض فالحياة أن نظل قيد الإنجاز. ولذلك شكل ديوان سالم العوكلي الأول مع ديوان عاشور الطويبي الأول " قصائد الشرفة " عزلتهما في الشعرية الليبية، فهي شعرية التأمل والاختزال أو كما جاء في مفارقة العوكلي: تذهب أعمدة النار.. / إلى آخر الرؤية / المدينة هناك تحترق / وهنا العصافير / على أسلاك الكهرباء / تنظف ريشها " على الرغم من أننا أكدنا في بياننا على أهمية الاستعارة والاستغناء عن الصفات الزخرفية، كان ما نريد أن نكتبه شعرا خالصا. قصائد بعيدة عن هنا والآن، متحررة من الطابع المحلى والأحداث ".

أو كما قال بورخيس الذي كان قد أصدر أول ديوان له في الأرجنتين عام 1921 على حسابه الشخصي؛ بعد أن رفضته دور النشر، وقد طبع منه 300 نسخة وقام بتوزيعها بالطريقة التالية: ظهر الكتاب بروح شبابية للغاية. لم تكن هناك تصحيحات، لم يكن به فهرس والصفحات لم تكن مرقمة. أختي وضعت تصميما للغلاف وطبعت ثلاثمائة نسخة. لم أفكر أبدا في إرسال نسخ إلى أصحاب المكتبات أو النقاد. أهديت معظمها. أتذكر إحدى طرقي في التوزيع. لاحظت أن الكثيرين ممن يذهبون إلى مكتب " نوستروس " – إحدى أقدم المجلات الأدبية وأهمها في تلك الفترة – كانوا يعلقون معاطفهم في المشاجب. حملت خمسين نسخة إلى " الفريد بيانشي " أحد المديرين؛ نظر " بيانشي " مذهولا وقال: أتنتظر أن تبيع كل هذه الكتب ! ؟، أجبته لا، على الرغم من أنني كتبت هذا الكتاب إلا أنني لست مجنونا. فكرت أنني يمكن أن أطلب من حضرتك أن تضعه في جيوب تلك المعاطف المعلقة هناك. وبكرم شديد فعل بيانشي هذا. عندما عدت بعد أكثر من عام _ إلى الأرجنتين – اكتشفت أن بعض أصحاب المعاطف قرءوا قصائدي وكتبوا عنها أيضا. وبهذه الطريقة حزت على شهرة بسيطة كشاعر؛ - كما جاء في سيرته الذاتية التي ترجمت للعربية وصدرت عن دار ميريت عام 2002 م -

*        *        *

 

 

عبدالسلام العجيلي: شجر الكلام

شجر الكلام ديوان عبد السلام العجيلي الأول، وهذا الشاعر أثار زوبعة من الترحيب والكلام، وقد أعيد اكتشافه مرة ثانية في المنتديات الثقافية والوسط الثقافي والمهتم.

ورغم عدم اهتمام العجيلي بتجربته الشعرية؛ فقد كان ينشر بين الحين والآخر قصائده هنا وهناك، خاصة في مجلة الفصول الأربعة، وذلك حين رأس تحريرها الأستاذ الكاتب والقاص يوسف الشريف والذي يكتشف للمرة الأولى شعرية عبد السلام العجيلي في مهرجان الأسطى عمر.

رغم عدم الاهتمام هذا فإن الاستقبال والحفاوة ما لقيته تجربته الشعرية مؤخرا، قد يكونان هما الحافز الذي دفع الشاعر إلى جمع نتاجه بمعاونة صديقه الشاعر سالم العوكلي، وتقديم هذا النتاج للطبع على حسابه الشخصي.

وتتسم هذه الشعرية بغنائية بارزة، فالنصوص حشد من الصور والاستعارات المحلية والشعبية، ورصد لوقائع وأحداث من خلال إيقاع فيه لوعة وفضح، في لغة سلسة وناعمة رغم إيقاعها الصداح. وهي شعرية نابضة بالمعيوش وفي سلاسة تلم بمشاعر جياشة تمدح وتهجو وترثي وتغازل وتتدفق في انسياب في السمع، رغم التركيبة البصرية للجمل الشعرية.

إن عبد السلام العجيلي أخر الشعراء الغنائيين ومن أول من كثف القصيدة الغنائية، ولعله في هذا وذاك يعيد الاعتبار لهذه القصيدة ويحي تجربة على الرقيعي بنفس موغل في خصوصيته، وبهذا فهو شاعر جمهور الشعر.

*        *        *

 

 

وثيقة ديوان شاعر الجبل الأخضر

مما يؤسف له أن ديوان شاعر من الجبل الأخضر؛ الشاعر حسين الاحلافي (1905 – 1974 م) نتيجة لضيق أفق يطبع و لا يتم تداوله، رغم أن هذا الديوان وثيقة وطنية ورصد للحالة التي عاشتها البلاد أثناء الاحتلال الايطالي، ويؤرخ لفترة هامة من تاريخ البلاد.

وقد طبع هذا الديوان في طبعة خاصة منذ عام 1990 م، وجاء في 128 صفحة من القطع الكبير واحتوى على قصائد الشاعر وبعض من مراسلاته ومقدمة للأستاذ إدريس فضيل سعد مما جاء فيها: لعل أول ما نلاحظ في شعر حسين الحلافي هو البساطة التامة، فهو ينظم الفكرة كما ترد على خاطره دون فلسفتها أو توليدها أو تكلف معان أخرى لها. والاستعارة قليلة بالقياس إلى غيره من الشعراء، وخاصة شعراء المعاني أو المحترفين منهم، أما التشبيهات عنده فهي كثيرة يستعين بها على توضيح الفكرة، ولكنها على طريقة القدماء.

*        *        *

 

 

يوسف ا لشريف: هذا كل شيء.. !!

صدرت أخيرا المجموعة القصصية الرابعة للقاص والكاتب يوسف الشريف، الطبعة الأولى أبريل 2001 م، في 140 صفحة من القطع الصغير، وضمت ستة عشر قصة منها قصص سبق ونشرت في مجموعات سابقة بحيث تبدو وكأنها مختارات وإضافة؛ فإلى جانب أن ثمة قصصا أعيد نشرها مثل قصة جدار فإن قصة كتبت مرة ثانية أي تم تناول القصة من رؤية أخرى مثل قصة هوامش منسية من " قصة مقطوعة الرأس "، وقد جاء الإهداء: إلى ليبيا أم العز الفارسي – كي لا ترى وجها في الظلام.

ومما يؤسف له أن هذه الطبعة خرجت مثقلة بالأخطاء المطبعية والإخراجية، وهي من الأعمال النادرة التي طبعت في المغرب؛ تنفيذ المؤسسة العربية للنشر والإبداع بالرباط– المغرب. ومما جاء في كتابة للشاعر محمد الفقيه صالح حول التجربة القصصية ليوسف الشريف: " ثلاث مجموعات قصصية صادرة، وأخرى رابعة قيد الإصدار – المقصود مجموعة هذا كل شيء.. !! – هي كل عدة القاص الليبي المرموق " يوسف الشريف " خلال أربعة عقود من الزمن في مضمار كتابة القصة القصيرة؛ وهى عدة قد تكون محدودة من حيث الكم، لكنها من وجهة تاريخنا الثقافي والأدبي، إسهام متميز في ديوان القصة القصيرة الليبية.

ومع ذلك فلا تقتصر ينابيع الإبداع والعطاء - لدى أديبنا يوسف الشريف - على هذا الجانب وحده، بل تمتد لتخصب عالم الطفولة شبه المنسية في ثقافتنا العربية عموما، والليبية على وجه الخصوص، من خلال ما يقوم به من تأليف وترجمة في مجال الكتابة للأطفال، ضمن مشروع طموح يشغل حيزا واسعا من عقله ووجدانه، مستهدفا من خلاله الإسهام في بذر الأساس الجمالي والعلمي والأخلاقي، وترسيخ القيم الوطنية والإنسانية الرفيعة لدى أطفالنا، في مواجهة ثقافة الخواء والاستهلاك من جهة، وثقافة المسخ والاقتلاع من جهة أخرى.

ولعل آخر ما أصدره كاتبنا " يوسف الشريف " في هذا الخصوص سلسة " نوافذ " في ثمانية وعشرين كتيبا جميلا منها عشرة نصوص قصصية من تأليفه، و البقية - وهى ثمانية عشر كتيبا - قام بترجمتها وتتعلق بتفسير بعض الظواهر الطبيعية والكونية على أساس علمي مبسط.

وكان له مجموعات قصصية ثلاث: " الجدار " الحاصلة على الجائزة الثالثة في مسابقة المجلس الأعلى للفنون والآداب عام 1965م، و " الأقدام العارية " الصادرة عام 1975م و" ضمير الغائب " الصادرة عام 1987م.

تشكل المجموعات القصصية الثلاث - المذكورة آنفا- ثلاث محطات رئيسة في تطور التجربة القصصية لدى يوسف الشريف، حيث تختزل كل منها مرحلة متكاملة في تطوره الفني والفكري؛ الأمر الذي يشي بدينامية الطاقة الإبداعية لديه وقدرتها على التجدد وإعادة الكشف والاكتشاف، وهى سمة لم يتميز بها من مجايلة الليبيين سوى قلة محدودة.

وعلى الرغم من تعثرات البداية ومحدودية المستوى الفني في قصص " الجدار " إلا أنها تنطوي - من ناحية التاريخ الثقافي - على أهمية مزدوجة: تتعلق الأولى بتجربة يوسف الشريف القصصية ذاتها؛ من حيث تمسكها القصدي بالأساسي الثابت في قصص " الجدار " وأعنى به الرؤيا الإنسانية في إطار منظور واقعي تراوح بين التبسيط في البداية، وبين التركيب الذي يصل إلى حدود الفنتازيا فيما بعد.

وتتعلق الثانية بمجمل التجربة القصصية الليبية من حيث إسهام قصص " الجدار " مع قصص كل من: كامل المقهور، عبد الله القويرى، خليفة التكبالى، بشير الهاشمي، أحمد إبراهيم الفقيه، - خلال الخمسينات وحتى منتصف الستينات - في السعي من أجل تجذير رؤية خصوصية للإنسان وللبيئة والثقافة المحلية في القصة القصيرة الليبية، على خلفية الاستناد إلى مرجعيات المنظور الواقعي التقليدي - عالميا من خلال الترجمة ومن خلال تجليه القصصي لدى عدد من كتاب الشرق، ولا سيما محمد صدقي ويوسف إدريس.

وإذا كانت الرؤيا الإنسانية من خلال المنظور الواقعي تشكل أساس تجربة الشريف القصصية وجذرها الثابت، فإن هناك متغيرات متعددة في هذه التجربة، تحتل موقع القلب فيها لغة القص ( أو السرد )، ونمط العلاقة بين الذات والعالم ( أو الواقع ).

*        *        *

 

 

غازي القبلاوى: إلى متى.. ؟

كتب الدكتور أحمد إبراهيم: أهم ما ألاحظه في غازي القبلاوى، كقلم جديد يكتب القصة القصيرة، أنه يمثل خير تمثيل تواصل الأجيال وتراكم الخبرة واستفادة جيل المبدعين المحدثين من تجارب أسلافهم الذين غرسوا هذا الفن في تربة الأدب الليبي المعاصر.

القصة هنا، برغم ما يشوب تقنيتها من قلق البدايات، استطاعت أن تتخلص من سذاجة التناول التي تعيب قصص المبتدئين. إنها تحاول أن تذهب مباشرة إلى جوهر الأشياء، مستفيدة من انجازات القصة الحديثة، وأن تتعاطى مع قلب الحياة، بدل الوقوف عند هوامشها وأطرافها، وأن تختار ذلك من القلب، نقطة هي الأكثر سوادا وقتامة، لأنها هي التي ينبع منها الحزن وينبع الألم، وينبع منها الشر، ممزقة من خلال تلك المداهمة القوية العنيفة لمواقع الشر، الغلالات الطفولية الخادعة ذات الألوان الوردية الزاهية. طبعا الحياة ليست مجرد ثقب أسود يأكل قرص الشمس، كما تقول بعض هذه القصص ولكن أن نبدأ من هنا، منطلقين لاكتشاف مناطق الضوء، خير وأجدى، للفن والحياة على السواء، من أن نبدأ الرحلة بشكل عكسي.

قصة غازي القبلاوي، قصة مثقلة بالرموز والإيحاءات والدلالات العميقة، مكتوبة بلغة مشرقة ناصعة لا تخلو أحيانا من شحنة شعرية ترفع مستوى الأداء اللغوي في بعض الأحيان إلى مشارف عالية.

بداية واعدة، تؤكد أصالة هذا الكاتب وقدرته على تطوير أدواته، وتعميق تجاربه، وتوسيع آفاق وعوالم إبداعه القصصي بما يخدم هذا الفن في بلادنا، ويقدم له إضافات جديدة بإذن الله.

*        *        *

 

 

نفوس ليبية حائرة !

صدرت أول مجموعة قصصية ليبية في كتاب في شهر مايو من سنة 1957 م؛ للقاص والكاتب الصحفي عبدالقادر بوهروس، عن دار الفرجاني للنشر والتوزيع، وقد جاءت في 195 صفحة من القطع الصغير، واحتوت على ثمانية قصص قصيرة. وقد كانت المجموعة الثانية من تأليف الأستاذة زعيمة الباروني: القصص القومي، التي صدرت عام 1958 م.

وهي مجموعة معطفها رومانتيكي مهجوسة بالمشكل الاجتماعي المتمثل في العلاقة بين الرجل والمرأة، وحرية المرأة والحب وهناك قصة حول القضية الفلسطينية.

وأما عن النفس الرومانتيكي فإن مقدمة القاص لمجموعته تفصح عن ذلك كما تفعل نصوصه القصصية: إنني حين أكتب لا أحب أن أقيد نفسي بخطوط متعارف عليها أو ألوان متفق سابقا بشأنها، وإنما أحب أن أعبر عن كل ما في نفسي، في حرية وصراحة دون ما قيد. أحب أن أكتب لنفسي وللناس، أكتب لنفسي فاصدقها في التعبير عما يجول بها من خواطر ويتحرك في أعماقها من أحاسيس ويترقرق من مشاعر، وأحب أن أكتب للناس فأقدم إليهم صور هذا الذي أحس به وأنفعل فيه من مشاهد حياتهم ووجودهم..

من هذا وعليه كتبت هذه المجموعة القصصية الأولى ونشرت في تلك الفترة. وقد حمل غلافها الأخير إعلانا: " تحت الطبع للمؤلف: سجينة الجدران – قصة طويلة تروى حياة أسرة متوسطة في المجتمع الليبي. امرأة أحبت قصة الحب حين تنفرج أمامه نافذة البيت المحافظ وقصة فتاة عاشت لحبها وقلبها حتى النهاية.

وفي الغلاف الداخلي: عندما يولد القمر قصة تصور حياة عائلة في جيلين، صراع بين الرجعية والتقدمية، عندما تدخل المدنية من نافذة التقليد السطحي، قصة حب عنيف يحطم قيد التقليد وينتصر للإنسانية المعذبة. انتظروها قريبا جدا.

وقريبا جدا وهذا الانتظار مر عليه قرابة نصف قرن، لم تطبع هذه القصص ولم يشر إليها أحد، لم يقم باحث أو دارس بالكشف عن هذه الأعمال كما لم يقم طالب بالجامعات الليبية – وهي أكثر من الهم على القلب – بإعداد رسالة جامعية في أعمال الأستاذ عبد القادر بوهروس.

كما لم تقم رابطة الأدباء والكتاب بحلقة دراسية حول شغل عبدالقادر بوهروس، أو تصدر مجلة الفصول الأربعة ملفا خاصا بهذا القاص، الرائد الذي يستاهل الدراسة والبحث ليس لريادته وحسب ولكن لما طرحه آنذاك من أراء جريئة في الفكر والفن، ضم بعضها كتاب " معارك الأمس " للأستاذ كامل عراب.

إن التراث الحديث في الثقافة في ليبيا قد غمره الغبار؛ لهذا فهو بحاجة لإحياء مشروع كتاب الفصول الأربعة؛ لجمع نتاج الناقد والكاتب محمد زغبية والمترجم والقاص أحمد العنيزي والباحث والكاتب محمد زيتون وراسم قدري وغيرهم.

هذا للتذكير وليس للذكرى أو كما قيل..

*        *        *

 

 

مهدي العدل: الموت والميلاد

الغلاف الأخير لمجموعة " الموت والميلاد " القصصية حمل هذا التعريف: مهدي العدل قاص ولد بمزدة – من الكتاب الأحياء والمعروفين الذين ولدوا ببلدة مزدة: أحمد إبراهيم الفقيه، حسين المزداوي، بلقاسم المزداوي.. وغيرهم ! – عام 1947 م، ودرس الفلسفة، وفاز بالجائزة الأولى للقصة في مسابقة الفنون والآداب للطلبة الجامعيين سنة 1969 م، واشترك مع مجموعة من الأدباء في تأسيس " جمعية الأدباء الشبان ".

وقد نسيت هذه المجموعة القصصية كما حدث مع غيرها، كذلك نسيت هذه الجمعية الرائدة التي تكونت من مجموعة من الأصدقاء ونشرت أكثر من كتاب منها المجموعة الشعرية الأولى للشاعر المرحوم عبد المجيد القمودي.

لقد كانت تجربة رائدة تأسست على أيدي مجموعة من الكتاب ونشرت مجموعة من الأعمال تحتاج لاستعادة هذه المحاولة الطيبة ودراسة ما نشر من قبلها وعلى رأسها هذه المجموعة القصصية وغيرها. وان جمعية مزدة حرى بها أن تقوم بتذكيرنا بهذه التجربة وهي الجمعية التي احتفلت بذكرى صلاح الدين الأيوبي وأقامت العديد من المناشط.

وإننا نتوقع و لا نأمل وحسب.

*        *        *

 

 

منابت العمامي، سيرة الفاخري

تتالت الكتب التي تجمع وتحقق وتحتفي بنتاج الكتاب الليبيين الأحياء منهم والأموات، ومنها كتب حول: أحمد رفيق المهدوي *،عبدالله القويري، الصادق النيهوم، خليفة الفاخري، يوسف الدلنسي، خليفة التليسي، على صدقي عبد القادر، على مصطفي المصراتي، محمد الشلطامي، يوسف الشريف.. وغيرهم.

وهكذا يجئ كتاب:

منابت الريح – سيرة الراحل خليفة الفاخري الأدبية – تحرير وكتابة محمد عقيلة العمامي _ الطبعة الأولى مارس 2002 – الناشر شركة الأنيس للطباعة والنشر والتوزيع – مصراته – 520 صفحة من القطع المتوسط هذا الكتاب الذي يضم السيرة الذاتية الأدبية لخليفة الفاخري والتي كتبها محمد عقيلة العمامي وأعمال لم توثق وأعمال لم تنشر للفاخري ونسخ من المخطوطات والصور والرسائل التي تبادلها المرحوم مع بعض الأصدقاء والكتاب.ويؤشر هذا الكتاب إلى الذخر الذي عمل الفاخري على تأسيسه من علاقات إنسانية؛ فيبين هذا الكتاب وفاء وإخلاص أصدقائه وخاصة الأستاذ محمد عقيلة العمامي الذي جمع وحرر وكتب وطبع ونشر هذا الكتاب. كما يؤشر على ما حض به الكاتب من احتفاء أولا وبنتاجه الثقافي ثانيا أثناء حياته، وكذا بعيد وفاته بخروج هذا الكتاب وبغيره من الإعمال.إن مثل هذا الجهد يستحق كل الثناء والتقدير والاهتمام والاحتفاء بصدوره، وأن يكون قدوة حسنة ونبراس طريق.ويقدم هذا العمل فكرة موسعة عن الكاتب كما يقدم خلفية عريضة لحياة الكاتب خليفة الفاخري ولنتاجه القصصي والفكري من خلال المرسلات التي يضمها المجلد الذي وسع مجمل خليفة الفاخري. وفي المقدمة يقول محمد العمامي لخليفة الفاخري: أنا لا أريد، يا صديقي العزيز، أن أتناول قصة حياتك بالشكل التقليدي الذي يتناول خصوصيات الناس، أو الأمور الجانبية، أو تلك التي لا تمس الجوهر الأساس الذي يجعل لحياته أهمية تستحق أن تصل الناس.سوف أتناول كل ما له علاقة بإبداعك الأدبي، كل ما يبرز خلق الأديب الحق، الذي يجعل مبادئه وسلوكه وأخلاقه متناغمة مع ما يقدمه للناس من فكر وإبداع جميل.وهذه أقصوصة من الأعمال التي لم تنشر من قبل وقد ذيلها صاحب الكتاب بهذه الملاحظة: " هكذا وجدت النص ضمن أوراق الفاخري، من دون تأريخ ومن دون توقيع، ولكنه خط الفاخري دون شك. لم أضف إليه شيئا سوى العنوان !. ".

النقطة الرمادية
كانت زوجته قد طلبت الطلاق أثناء اعتقاله، وتزوجت من رجل آخر أيضا. لم تعد أمه في البيت. تطلع إلى العصفور مليا.. وفيما كان يدخن لفافته بعمق، حط عصفور آخر على حافة النافذة، وطفق ينقر القفص، مبصرا إلى العصفور الآخر داخله.

تطلع الرجل إليه بإمعان بالغ، ولم يشاء أن يحرك ساكنا مخافة أن يطير. تشبث العصفور الوافد بأسلاك القفص وشرع يحسو قطرت من إناء الماء المعلق بالداخل.. مبصرا، بين حين وأخر إلى العصفور الآخر بداخله، ثم نفض رأسه وزقزق طويلا.. وما لبث أن طار بعيدا في الأفق. نهض الرجل على الفور، متتبعا بنظراته الشرهة طيران العصفور حتى أصبح مجرد نقطة رمادية في السماء.لوى عنقه تجاه القفص.. وفتح بابه !!.

*        *        *

 

 

تلويحة المسماري للفراغ !

والشعر أيضا يكتب الناقد إدريس المسماري، بعد أن صدر كتابه الأول " حدود النقد " عن الدار الجماهيرية في طبعته الأولى نهاية عام 1998 م، وكان أول كتاب نقدي هام يصدر عن جيله. فقد قدم قراءة نقدية موسعة لإنتاج عبدالله القويري وهذا ما احتواه الجزء الأول من الكتاب تحت عنوان رئيسي: الوطن جمرة القلب. أما في جزئه الثاني فقد تناول التجربة الشعرية الليبية ودراسات تطبيقية في شعرية إدريس الطيب وعاشور الطويبي وفرج العربي كما احتوى هذا الكتاب الهام في التجربة النقدية الليبية مقالة في أسئلة النقد.. نقد الأسئلة. وقد جاء في " تنويه لازم " في مقدمته: أن هذا الكتاب بالشكل الذي هو عليه يمكن إدراجه كتمارين في الإنشاء النقدي، أي أنني أعتبره خطوة لمشروع – آمل تحقيقه – لقراءة أشمل وأعم للتجربة الإبداعية والثقافية في بلادنا خلال نصف قرن من الزمن، وما هذا الكتاب إلا الإرهاص الأول لهذا المشروع. وللأسف فإن عادة الإغفال الليبية طالت هذا الكتاب باستثناء مقالة لمنصور بوشناف فإنه لم يتم تناول هذا الكتاب.

ولكن إدريس المسماري ترك هذا الكتاب يعانى من عدم التقدير وأخذ يلوح للفراغ؛ فراغ الشعر: نسيت أسمى هذا الصباح / نسيت من أكون ! / سألت صنبور الماء / سألت وجهي في المرآة / سألت قميصي والحذاء / سألت السرير / والوسادة / سألت المرأة النائمة بجواري / فقالت لي: / من أنت ؟..

أو كما جاء في ديوان " تلويحة للفراغ " لإدريس المسماري، طبعة شخصية، الطبعة الأولى 2002 م، وعدد الصفحات 44.

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة