|
دمشق..بين الخمس.. وألباما ؟
د. محمد محمد المفتي
لم يكن ابن بطوطة الذي توفىَ سنة 1377م، مطالبا أو ملزما،
بترتيب رحلة صيفية لأبنائه، فكتاب رحلته التي أوصلته إلى الصين
لا ترد فيه أسماء أبنائه أو زوجاته، وأحيانا فقط أشار إلى
زوجاته المتتاليات، وهن ثلاث حين اجتاز ليبيا فقط ! ثم إنه زمن
غير زمن ابن بطوطة.قطع رحلته على جمل يسير بسرعة أربعة
كيلومترات في الساعة،
أو أربعين كيلومترا في اليوم رحلة شاقة لكنها تفسح الوقت
للتأمل وتجميع القصص فهل ما يزال مكان الأدب الرحلة؟
انطباعات أولى ثمة ما يجعلك تقارن دمشق بالقاهرة مسطحة بجبال
عند الحواف ساخنة لا بحر لها، النيل في مصر وبردي أو ما كان
نهرا في دمشق، ومركزاهما رماديا المباني بوجهات متهالكة،
ونوافذ خشبية متقشرة، باختصار مهملة كئيبة متيبسة لأنها بقيت
دون مالك ربما لأكثر من نصف قرن، منذ عصر التأميمات، المعمار
إسمنتي مسطح والخطوط مستقيمة دميمة.. بعض العمارات يعود إلى
بداية القرن العشرين، وهي قليلة، أكثر جمالا بما يعلوها من
زخارف. هناك بالطبع عمارات باسقة تحت الإنجاز لمواكبة النمو
الاقتصادي وتلبية لاحتياجات الشركات العالمية القادمة مع عولمة
القرن الواحدة والعشرين، وهناك الأحياء السكنية الحديثة على
الأطراف
.
مقارنة بالقاهرة، يطل مركز دمشق أكثر رحابة ونظافة، وأكر همسا،
بشرا وأسواق سيارات، والشوام يحبون النباتات. البلكونة
المقابلة بها قرابة ثلاثين أصيصا !! لكن هناك ندرة للمقاهي
المفتوحة، مقاربة بطرابلس، يلفت نظرك جودة ودقة ووضوح إشارات
المرور.
وفوق ذلك، فإن شوارع دمشق تحمل أسماءها، والجميل أنك تجد لافتة
عند بداية كل شارع تعطيك نبذة عن الشخص أو الحدث التاريخي الذي
سمى عليه الشارع.
دمشق في طور انتقال نحو الأفضل، فقط لك أن تلاحظ وجود قمرات
للهاتف العام في الشوارع، نظيفة وسليمة الزجاج وشغالة ! ثم
شركة الهواتف الخلوية واحدة سدربائيل بمكاتبها الأنيقة
وخدماتها الجيدة، وشريحة الرقم لهاتف محمول بأربعين دينارا
ليبياً ! ولمن يريد أن يعرف موقع دمشق على رقعة اتفاقية
التجارة الدولية الملزمة بالانفتاح، أقول: إن بدمشق فروعا
لفندق الميريديان والشيراتون.. ولكن يبدو أن الثقة في الاقتصاد
السوري لم تصل الدرجة لافتتاح مطعم ماكدونالد أو بيتزا هت
!
ملاحظة أخيرة: سائقو الأجرة (تاكسيات) دمشق قد يطلبون مبلغا
أعلى وعليك أن تفاضل، لكنهم يحترمون الاتفاق، ولا يطالبون
بقشيش ولا يلحون على عكس ما يعانيه المسافر من سائقي سيارات
الأجرة (التاكسيات) في القاهرة.
السوق الشامي
الشام معبر تجاري عالمي منذ أقدم العصور.. وربما بلغ أوج مجده
إبان العصور الوسطى كأحد منافذ تجارة مرور الحرير والبهارات
القادمة من الصين وشرق آسيا.. التي كانت تحملها سفن الموانئ
الإيطالية إلى أوروبا.. بل إن التجارة لم تتوقف حتى إبان
الحروب الصليبية كما يصف لنا ابن جبير (ت 1217) في
رحلته،فالقوافل التجارية بين دمشق ومصر وعكا لم تتوقف، " وأهل
الحرب مشتغلون بحربهم والناس في عافية والدنيا لمن غلب.
الشوام تجار بالغريزة. المحلات التجارية في كل مكان.. مؤشر إلى
تعاظم الاقتصاد الخدمي، واختلال التوازن نتيجة عجز القطاع
الصناعي المحدود عن استيعاب اليد العاملة الكثيرة (يبلغ تعداد
سوريا اليوم 17 مليونا ودمشق وحدها حوالي خمسة ملايين).. رغم
تقدم الصناعة السورية في مجالات الملابس (حتى أن بعض الشركات
العالمية مثل شبكة بنيتون، تصنع ملابسها في سوريا
(.
لكن تجارة القطاعي تحولت إلى مراكز أخرى: إلى الصالحية في وسط
المدينة الممتدة من ميدان ميسلون، حيث تمثال البطل الوطني يوسف
العظمة الذي استشهد بتلك المعركة، وإلى جادة عز الدين الجزائري
آخر شهداء الثورة السورية في حي بورمانة حيث أزياء العلامات
(الماركات) الأوروبية وزبائنها في سياراتهم الثمينة....، وهناك
سوق باب أوما في الحي المسيحي القديم الذي يفتح يوم الجمعة.
الملفت للانتباه، هو ازدحام الأسواق.. بأهل البلد لا بالسياح،
ثمة كساد نسبي تلاحظ حتى في سوق الحميدية الفاره طولا
وارتفاعا.. وينمي عنه إلحاح الباعة الذين يطاردون المارة.. لكن
المأخذ الحقيقي يتكشف في لعبة المماكسة.. فأصحاب المتاجر
يطلبون أسعارا عالية..
وإذا لم تكن غافلا ومن هاته المفاصلة، بشيء من الصبر يمكنك أن
تخصم ثلث السعر الابتدائي أو اكثر ولذلك يوصيك أصحابك أن نأخذ
حذرك.
وأخيرا.. أمام غزو بضائع جنوب شرق آسيا.. لا تمتلك إلا أن
تسأل: " ماذا كان يفعل العرب طيلة نصف القرن الماضي ؟
بالله عليك ؟
المسجد الأموي
نهاية سوق الحميدية.. الشهير في أناشيد وحدة 1958.. تقودك إلى
صحن المسجد الأموي الذي لم يتغير منذ زاره ابن بطوطة الذي كتب
قبل ستمائة سنة: ".. أعظم مساجد الدنيا.. تولى بناءه أمير
المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان. ووجه إلى ملك الروم
بالقسطنطينية.. أن يبعث إليه الصناع.. وكان موضع المسجد
كنيسة.. وزين بالفسيفساء تخالطها الصبغة الغربية الحُسن.
وتستدير بالصحن بلاطات (أرصفة مسقوفة) ثلاثة: سعة كل بلاط عشر
خطوات وبها من السواري أعمدة ثلاث وثلاثون سعة الصحن مائة
ذراع، وبها يجتمع أهل المدينة بالعشاء، وفي هذا الصحن ثلاث من
القباب.. وفي هذا المسجد أربعة أبواب.. وعن يسار الخارج منه
سماط الصفارين وهو سوق عظيمة ممتدة.. وبموضع هذا السوق كانت
دار معاوية بن أبى سفيان.. ودور قومه..
".
وهذا ما يبدو عليه المسجد الأموي وبإحالته نموذجا معماريا
مهيبا حتى وان افتقر للسيمترية أو التناظر المعماري فأجزاؤه
متباينة التصميم وربما لما توالى عليها من ترميمات وإعادة بناء
عبر العصور.
ولا يكون ذكر دمشق ومسجدها الأموي دون ذكر مشاهد وباء الطاعون
الذي اجتاحها عام 1348، ضمن موجة الطاعون الكوني التي امتدت من
آسيا إلى أوروبا حيث عرفت بالموت الأسود وقد وصف ابن تغري بردي
تلك المشاهد المرعبة بالتفصيل كما لخصها ابن بطوطة في رحلته.
بين يدي صلاح الدين
لا تستطيع أن تزور دمشق دون أن تبحث عن صلاح الدين الأيوبي..
بقايا قلعته وأمامها تمثاله البرونزي.. وضريحه. لكن حضوره باهت
في دمشق اليوم.. كان استراتيجيا فذا، واستطاع بحملاته المتعددة
في كل اتجاه أن يوحد دولة امتدت من الموصل إلى مصر، مما مكنه
من حشد جيش فعال.. لكنه لم يحكمها بل ترك الأقاليم لامرائها
شرط أن يعاملوا رعاياهم بالعدل، من ذلك إلغاء كل أشكال الضرائب
والمكوس المنافية للشرع، كما كان يشترط مساهمتهم في تمويل
الجهد الحربي وأن يعدوا قوات نظامية جيدة التدريب يمكن أن
يستعان بها في أي وقت. ونعرف أن صلاح الدين استغل الدبلوماسية
إلى أقصى حد بعقد هدنات عديدة مع الممتلكات الصليبية وكان وفيا
لتعهداته، وأثمرت تلك الجهود انتصار حطين الساحق في 4/7/1187
وتلاها سقوط مواقع الصليبيين في عكا وصيدا وبيروت وعسقلان
ليحرر القدس التي استسلم جيشها اللاتيني له بعد اقل من أسبوعين
يوم 2/10/1187 ومضى خلال عام ونصف ليقلص ممتلكات الصليبيين إلى
مدن ثلاث هي صور وطرابلس وأنطاكية.
ولكن بالنظر إلى طبيعة الحرب في العصور الوسطى وبساطة السلاح
والتكتيك، فقد كانت الانتصارات العسكرية ممكنة بل وحققها بين
الحين والآخر الكثيرون من قادة الفرق المختلفة ولهذا كثيرا ما
الخ عليّ السؤال ما الذي ميز صلاح الدين ؟.. لقد وحد المنطقة
في حياته بدليل أنها تشتتت بعد وفاته إذن ما سر قوة صلاح الدين
؟ تستطيع أن تلمس بعض الإجابات وتتابع صلاح الدين الإنسان من
قراءة كتاب النوادر السلطانية " لرفيقه وكاتبه الخاص بهاء
الدين ابن شداد لكن الإجابة الصريحة هي التي قدمها المستشرق
هاملتون جيب الذي وضع أعمق دراسات لعصر وشخصية صلاح الدين. إن
قدرة صلاح الدين على حشد تلك الإمارات المتنافسة والمتنازعة
والاحتفاظ بولاء جيوشه نبعت من تكوينه السيكولوجي، فقد أجمع
معاصروه من مسلمين وصليبيين على تواضعه وعفته وعزوفه التام عن
المقتنيات الشخصية، فالثراء عنده شيء يستخدم لتمويل الجهاد أو
يمنح للآخرين. لقد كان استثناء لنمط القائد العسكري في زمانه،
ومن جانب آخر مكنته بصيرته من فهم استجابات البشر وكسب ثقة
أصدقائه وخصومه على حد سواء لقد كان صدقه ووفاؤه المطلق
بوعوده،أسطوريا. فبعد استيلائه على قلعة آمد سنة 1183 مثلا،
سلم مخازنها الضخمة إلى الحاكم المهزوم حسب ما سبق أن وعد بل
كان يستقبل قوات المسلمين التي يهزمها كرفاق قدامى في السلاح
ويغمرهم بأريحيته.
تلك هي عناصر عظمة صلاح الدين الحقة. لم يكن محاربا (قاد بنفسه
ثلاث معارك هامّة فقط) ولا حاكما، لكنه كان إداريا بارعا. وفي
الناهية، وإلى جانب القوة العسكرية، كانت شهامته وشهرته
بالوفاء بعهوده وسماحته وراء استسلام القلاع والممالك الصليبية
في الشام له.
في حضّرة ابن عربي
في صورة درامية تليق بابن عربي فيلسوف التصوف، وصاحب اللغة
المتوهجة والخيالات السريالية في نثره وشعره.. تنفرج ضفتا شارع
الحمراء الصاعد من مركز دمشق لتكشف عن جبل قاسيون الأشهب الذي
تسلقته المباني الخرسانية الرمادية وبجبل قاسيون هذا، كما
يخبرنا ابن بطوطة قتل قابيل أخاه هابيل. الخ.. وفي وسط هذا
المشهد تلمع قبة خضراء.. دائرة لون تشد انتباهك بعيدا عن ستارة
الفضاء الموات المؤدي إلى السماء.. الذي يشعرك بأنك تساق إلى
الحشر الجهنمي، سألت قائد (التاكسي) فأجابني أنه ضريح الشيخ
محيى الدين..طبعا.
ابن عربي، المتوفى سنة 638 هـ / 1240 م شخصية ملتبسة في الفكر
الإسلامي لم يؤسس طريقة كما فعل سابقوه (الرفاعية والتيجانية
والجيلانية والنقشبندية) لكن عطاءه التأليفي هائل وتأثيره واسع
من خلال كتب مثل " الفتوحات المكية " و"ترجمان الشوق " ناهيك
عن أشعاره التي تفيض بالمحبة وأيضا مديح الذات.
على أية حال، ابن عربي في نظر الشوام، وخاصة مرتادي سوق الخضر
المجاور لضريحه، هو ولي صالح وحواليه استقر الأمير عبدالقادر
الجزائري ورفاقه وأسرهم بعد أن نفتهم فرنسا.. وهناك أيضا
استقر الليبيون الذين هاجروا بعد الغزو الإيطالي..وهكذا كان
ابن عربي الأندلسي
/
المغربي ملجأ يستظل عنده القادمون من الشمال الإفريقي.
قصدت مع أبنائي لنرى ونقرأ الفاتحة عند ضريح ابن عربي..مبنى
صغير.. تعبر الصحن وعلى اليسار عند مدخل المسجد تهبط درجا، إلى
غرفة تحت مستوى الأرض حيث يرقد ابن عربي ومن بين ما نحت على
رخامة القبر بيت شعر يلخص تفاخره المفرط " خصصت بعلم لم يخصّ
بمثله / سواي من الرحمن ".. وإلى جانبه قبر عبد القادر
الجزائري (نقل جثمانه إلى وطنه بعد استقلال الجزائر).
لم يسلم ابن عربي من القدح،لأنه ادعى أن كتابه فصوص الحكم الذي
فصل فيه عقيدته بوحدة الوجود قد كتبه الرسول صلى الله وعليه
وسلم، وسلمه إياه يدا بيد. وأنه قال إن الله لا يعاقب أحدا،لأن
مخلوقاته امتداد له.. بل إن كلمة عذاب مشتقة من العذوبة لكن
من الصعب إقصاء ابن عربي بأحكام وإدانات جاهزة فآراؤه على
درجة عالية من العمق فمن أقواله عن وحدة الوجود وأن الله يحوي
في ذاته كل المخلوقات.
يا خالق الأشياء
أنت لما تخلق جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه فيك
فأنت الضيق الواسع
والعالم عنده يسير وفق جبرية صارمة ولكن.
لو فكر الناظر فيه رأى بأنه المختار عن اضطرار ولعل أراءه
تقترب من الشطحات الصوفية في قوله بوحدة الأديان فمن عبدالله
أو سجد للأصنام كلهم " ما عبدوا إلا لله، إذ ليس ثمة فرق بين
خالق ومخلوق.
لقد سار قلبي قابلا كل صورة
فمرْتمى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
ويحظي ابن عربي اليوم.. في أفق ما بعد الحداثة، باحتفاء متزايد
بالنظر للغته المبتكرة وتأملاته الوجودية وتطلعه إلى تحقيق
منزلة الإنسان الكامل، ودعوته إلى التسامح والانفتاح الفكري
على مختلف العقائد والثقافات، وهي الآراء التي تقربه من فلسفة
اسبينوزا، وتجعله مفكرا لكل الأزمنة وبالتأكيد متجاوز الزمان
وتصدر في جامعة اسكفورد في بريطانيا مجلة دورية عن " جمعية
محيى الدين ابن عربي " وعنه قال الدكتور محمد المصباحي في ندوة
عن ابن عربي عقدت بالرباط قبل عامين: إن ابن عربي هو المفتاح
لإسلام قائم على التعدد والتنوع والعالمية في الخطاب.
الطعام الشهيّ
دمشق لها أن تفاخر بمطاعم الدرجة الأولى.. على مستوى فريد
ومتميز مثل قصر النرجس..وهو بيت سوري قديم.. في زقاق بأحد
الأحياء القديمة..أقرب إلى زناقي المدينة القديمة في
طرابلس..لكن عندنا لم تخطر الفكرة لأحد بعد.. ويبقى مطعم
البرعي وحده، ثم مطعم الأصيل قرب دمر في الهواء الطلق محاطا
بستائر من الأشجار والنباتات المتسلقة وعلى واجهة الصخور.
في النهاية ثمة حقيقتان الطعام الشامي شهي والشيش طاووق في
دمشق غيره في بنغازي..والحقيقة الثانية هي ارتياد الأسر
الشامية للمطاعم... جميل أن تخرج بأسرتك وأقاربك (لتهد رز)
وتضحك بين تدفق الصحون من مشهيات ولحوم..فمتى تتعلم الأسرة
الليبية الخروج معا.
شيء واحد غريب، قوائم الوجبات تخلو من الأسعار..تمهيدا للغش في
فاتورة الأسعار ؟! ظاهرة محزنة لكنها كثيرة الحدوث للأسف.
دمشق تنفرد أيضا بمقاهي الهندي (التين الشوكي) في ساحة الروضة
عادة بعد أن يخيم الليل.. تجلس لتأكل ما يقشر لك من ثمار
الهندي الطازجة، وتنفرد أيضا بمقهى يصنع الجيلاتي (البوظة،
ونطقها بوزة) المحضرة يدويا بالمعاصد. في سوق الحميدية. فكرة
طريفة حتى ولو كانت
الجيلاتي لينة أكثر مما ينبغي.
فطور في بلودان
بلودان اسم شبه أسطوري في عالم السياحة الشرق أوسطية رحلة
الصعود من دمشق الساخنة إلى نسيم الجبل..ممتعة في حد ذاتها
وتفسر جزءا من سمعة بلودان وإغرائها.
الإفطار في الضحى في مطعم مثل مطعم مورة وهو واحد من المقاهي
الكثيرة هناك، له طعم خاص. المكان مظلل.. والمناضد حول جذوع
أشجار السرو السامقة.. الطعام من الفول المدمس والأجبان
والمخللات إلى المسقية الشديدة الدسامة، وهي أقرب إلى سليقة
الميلود الحلوة التي تطبخ في بعض مدننا.
هواء بلودان، والزبداني بمنحدراتها تذكرك بشحات في الجبل
الأخضر.. قرى سياحية على بعد 45 دقيقة من دمشق.. المسافة بين
بنغازي والبكور.. أقل خضرة من مسة والبيضاء وزاوية العرقوب..
ولكن إلى هنا ينتهي التشابه.. فبلودان مليئة بالفيلات والشقق
الجميلة.. الطرق نظيفة، المحلات ذات خدمات فائقة.. ومطاعم خمس
نجوم في ظلال الكروم وبين أشجار الصنوبر. يؤمها السياج العرب،
لكن عدد السياح السوريين أكبر بكثير.
وهج الحنين.. بين أسياخ الطاووق
مزيج من الكرم والحنين إلى ليبيا..قادنا إلى مأدبة أسرية هائلة
في مطعم الأصيل بدعوة من الدكتور الصيدلي طريف طربوش الذي قضى
صباه في مدارس بنغازي حين كان والده أستاذ اللغة العربية
الشهير يدرس في كلية الآداب. وربما كان الأمر عاديا وعابرا،
لولا ما تلا من عز
ومات.. أطرفها عزومة على خروف بومردم..أو كما يسمونه الميندي
كانت في قرية النبك.. المنطقة التي صدّرت مهاجرين إلى أمريكا
الجنوبية. وهي قرية سريالية أقرب إلى مدينة وهمية لتصوير فيلم
سينمائي. فيلات فاخرة بعضها قصور، بناها المهاجرون بما كسبوا
من ثروات..تقديسا لمسقط الرأس ؟.. أم لإشهار نجاحهم لأقاربهم
؟.. أما لماذا البنك ؟ فكونها بيئة طاردة للبشر، واضح من كونها
بينة شبه قاحلة.. فهي أقرب إلى قرية الفعكات خارج بنغازي !!
لكنه فعل السيكولوجيا وإلحاح العودة إلى الجذور في قرية أخرى
قريبة اسمها دار عطية، دور المهاجرين أنصع فالقرية أنيقة بدأت
الدولة في بناء المستشفى.. نضبت الميزانية.. تبرع أثرياء
المهاجرين.بثمن الاسنسيرات والأثاث وهكذا.نحن الليبيين لم
نتواءم بعد مع فكرة الهجرة!
كانت الو لائم مهرجانا تخلّق من فراغ. مفاجأة لي ولأسرتي كان
الاحتفاء طبعا بمأوية وعبد الرحيم..وضيف الأجواد يضيف كما
يقولون.كانت جلسات ممتعة وطعاما فاخرا لكن الاحتفاء وروح الفرح
تجاوز الكرم الحاتمي..فهل كان أيضا احتفالا بحنين مشترك إلى
لحظة جميلة من عمر الصبا.. كان مسرحها ليبيا ؟
الهجرة.. رحلة عبر المكان والزمان
في دمشق..تلتقي فجأة بظاهرة اسمها الهجرة، وعندهم الهجرة وجه
آخر للحياة العادية، الهجرة إبحار نحو آفاق لا تنتهي..وملاحة
في كل الاتجاهات ولا يمكن التنبؤ بنتائجها ! رحلة مركبة.. إلى
ومن..ذهاب وعودة وذهاب آخر.. هروب من مكان قد يبدو مؤقتا يلح
عليك الوطن..
وتشدك ارتباطاتك الجديدة في أرض أخرى، العمل، الصداقات،
المصاهرات.
تلك كانت هجرة آل قدورة من الخمس في عام 1912 ليصبح أبناؤها من
سراة دمشق. حدثني الدكتور عبد الرزاق قدورة عالم الفيزياء
النووية، وسابقا نائب مدير اليونسكو، والمتقاعد المتصوف حاليا،
أن ابن عمه بكري قدورة (1904 - 1985) انتقل إلى دمشق مع
أسرته،طفلا لم يتجاوز سن السادسة ومن دمشق انتقي بين مجموعة من
المتفوقين للدراسة في تركيا، رجع مدرسا للتاريخ ومحرضا لطلبته
في عصر الوصاية الفرنسية وفي 1942 نفي بين من نفي من أقطاب
الحركة الوطنية السورية، لعب دورا أساسيا ي توحيد الحركات
الكشفية السورية التي كانت متعددة على
أسس طائفية مسلمة، مسيحية.. الخ.
في عام 1957 جاءه المرحوم عمر الأشهب رئيس تحرير جريدة الزمان،
يدعوه إلى ليبيا ليعين مديرا للجامعة الليبية حتى سنة 1961،
وفيما بعد عضوا بمجلس الشيوخ وبعد تقاعده بقي في بنغازي حتى
وفاته سنة 1985 إبان تلك الإقامة قامت زوجته السيدة أمينة
قدورة الجزائرية الأصل بتعليم الرياضيات في مدرسة بنغازي
الثانوية للبنات، وهناك بدأت صداقة ابنتها ماوية مع زوجتي
وللعلم فقد كرمت دمشق بكرى قدوره بإطلاق أسمه على مدرسة.
ومع الدكتورة ماوية أستاذة الرياضيات الآن في جامعة ألباما
بالولايات المتحدة، تتعطف الهجرة نحو أفق جديد، فماوية التي
درست الرياضيات في كلية العلوم بطرابلس، انتهت إلى الزواج من
الدكتور عبد الرحيم الكيب، أصلا من سكان شارع الظل بمحلة
بالخير بطرابلس والآن بروفسور الهندسة الكهربائية، أيضا بجامعة
ألباما.
ليس ذكر الأسماء هنا مقصودا لذاته، لكنه يمنحنا مشاجب نعلق
عليها حبال الهجرة المعقدة، التي بدأت في قصتنا هذه برحلة رجل
من الخمس، رهن سانيته ليدفع أجرة السفر على أمل العودة قريبا
!!.
دخلنا دمشق في رفقة ماوية التي عاملتنا بتوتر الأم الرؤوم،
وعبد الرحيم المبتسم باستمرار والذي لا يكف عن التعبير عن
دهشته بعبارة " بالله عليك " والمتحرق لذكريات شارع قصر حمد في
بنغازي (حيث قضى جزءا من طفولته) ومقاهي شارع 42 ديسمبر في
طرابلس التي اختفت وكلاهما يشعر بأنه لا مهاجر ولا لاجئ مجرد
غائبين، فالمهاجرون يعطونك انطباعا، بأن موعد العودة عند نهاية
الزقاق.. أو هكذا يظنون؟!.
"
ديارك داريها " " ديارك داريها " سوريا نبنيها سوا " ذلك ما
تقوله لك اللافتات الضخمة على جانبي طريق مطار دمشق.. وغيرها
من الطرق الرئيسية صياغة رقيقة على إيقاع القدود
الحلبية..مغازلة رو منسية بالتأكيد..وفي النهاية دعوة للمشاركة
لكنها توحي أيضا بأن الأمور لم تكن هكذا.
المشاركة تعني إتاحة الفرصة للمواطن.. فالمواطن من خلال سعيه
للكسب بالإنتاج بالابتكار بالتصدير..الخ سيحقق دون أن يدري
خيرا للوطن.
التاجر..يقر بأن هناك انفتاحا وأن الأمور تسير نحو الأفضل..لكن
؟ الكثير ما يزال بحاجة إلى تذليل: الروتين الإداري، الرشوة
وغيرها تبدو سوريا مكتفية ذاتيا إلى درجة تثير الإعجاب على
صعيد الصناعات الاستهلاكية من ملابس وغذاء ومنزليات لكن
الإنتاج الاستهلاكي لا
يفي بالنظر للتكاثر السكاني
!.
النشاط السياسي يقر أيضا بأن الأمور أفضل لكن المسيرة نحو
المجتمع المدني عكت !! وربما الآن البعض تجاوز حدود الممكن.
من وجهة نظر المثقف ثمة هامش عريض للرأي، فالتصنيفات القديمة
استبعدت واللغة خفت حدتها والوعيد بالتنكيل اختفي.لقد اكتشف
الجميع أنهم ركاب في قارب واحد.. وأن الضرر يلحق بالجميع على
أية حال مكتبات دمشق عامرة بشتى العناوين والأكشاك تبيع مختلف
الصحف.
لكن أهم مؤشر عندي لهذه التطورات الإيجابية هو مصالحة الدولة
لشاعر سوريا الرائد ومؤسس القصيدة النثرية محمد الماغوط الذي
رفض التدجين على مدار نصف قرن، وقضى عمره صعلوكا ووصف نفسه
بأنه " جملة في الثقافة العربية " والقائل يوما
".
الوحدة الحقيقية بين العرب هي وحدة الخوف والألم والدموع..
وهذا الجيل رضع الإرهاب السياسي.. ولم يفطم على أي حلب آخر "
وكما قال صديقي شاعرنا محمد الشلطامي " " أجمل ما في الماغوط
رقادة ريحه إنها شهادة أبدية على نقائه " وقد منح بعض إبداعه
إلى الرحابنة وفيروز فساهم في تطوير الحس الفني العربي نحو
آفاق إنسانية، وهو الذي ألف تمثيليات: كأسك يا وطن وضيعة
تشرين، التي أدمعت عيون العرب من المحيط إلى الخليج حتى وإن
جهلوا قصائده التي ستقرؤها الأجيال القادمة.
عن بردي أحكي
بردى نهر دمشق الذي تغني به الشعراء وغازله المغنون..كان دائما
نهراً صغيراً ضيقاً.. ربما بعرض عشرة أمتار.. لكنه الآن فقد
أكثر من متر في ارتفاعه.. وفي بعض المواضع يكاد الماء لا
يجري..ومع كثرة الطحالب والنفايات يبدو أحيانا كما لو كان قناة
مجارٍ.
لماذا ؟.
والأهم.. ماذا يعني نضوب نهر ؟.
إنه نذير بأن ثمة أشياء تهدد المستقبل، و أولها التكاثر
السكاني المنفلت الذي أتي على كل الموارد؟؟!!.
وداعا
عندما أقلعت طائرة الخطوط الليبية في ميعادها شعرت بزهو..و
ألقيت نظرة أخيرة على دمشق..واحة خضراء في فيافي صحراء.. ومرقت
بذاكرتي، لا ادري لماذا، كلمات الماغوط " لا توجد عندي حسابات
أو مواقف معلنة ومواقف مبطنة.. لكنني صادق مع نفسي.. محاصر بين
تيار العولمة وتيار الأصولية.. فكيف أوفق بينهما؟ هل أصلّي على
الانترنت ؟
*
مجلة المؤتمر.. العدد:30 |