|
علي صدقي عبد القادر

شاعر أسطوري من بلد الطيوب
فتحي العريبي
عندما يكون ظل الشجرة
علي الأرض يلهو
يتسلل جذعها علي أصابعه
ليضاجع الشمس
اخلطي أشياءك بي
لنقتسمها لنا كلها معا
(علي صدقي عبد القادر)
^
من طقوس هذا الشاعر الأسطوري أنه لكل الأجيال، وأنه لا ينام
عندما يسافر، يُنشد الحب ويُريد الحياة بنفحة واحدة، وحين زرته
في خلوته بالمدينة القديمة في طرابلس اكتشفتُ أنه يحتفظ بأشياء
بدت لي بسيطة، عقب سيجارة، حذاء، صورة رسمتها له فنانة في باريس
دون علمه، ربطات عنق لا يلبسها، لأنه لبسها مرة في سهرة مع من
أحب، يحتفظ بها ليشم فيها رائحة تلك السهرة.
^
وفي بحثه الدائم لم يعثر بعد علي قضية مقفلة إلي حد الآن، والحب
عنده لا يفسر، والشعر لا يفسر، والفرح لا يفسر، والطفولة كذلك لا
تفسر وما لا يفسر أيضا تلك الأشياء التي بين الحقيقة والكذب
^
وشاعرنا الأسطوري لا يريد أن يعيش ألف سنة - هذا بتقديره نصب -
يريد أن يحيا إلي ما لانهاية .
^
والسؤال: لكل شاعر مذاقه ورائحته ولونه فما هو تعريفنا لهذا
الطفل الأبدي علي صدقي عبد القادر ؟
الجواب بحد ذاته يخص العشاق وحدهم وهو جواب لا يضيف معلومة تذكر
لهواة جمع ببيلوغرافيا عصافير البراري وفراشات الحقول.
^
إنه وفي منتهي الإيجاز: الابن الشرعي للبحر، ولدته موجة عندما
داهمها مخاض مفاجئ بينما كانت تتسكع مع رفيقاتها عند سور القلعة
العتيقة.
^
كان شعاعًا خرافيا بكل المقاييس المدونة وغير المدونة . لم يصرخ
كالأطفال لحظة الميلاد بل علي العكس من ذلك خرج من زبد الأمواج
مبتسما ويقظا ومنتبها لما يموج حوله، يسترق السمع إلى صفير
البواخر المختلطة بأصوات طيور النورس وإيقاع دقات ساعة الميدان
في سوق المشير.
^
ولأنه كان طفلا خرافيا – لم تأت علي ذكره ميثولوجيا أوائل
الليبيين، فقد أنقلب إلى عصفور ملون من عصافير الشواطئ الصخرية،
تعلق بأقرب مركب من مراكب الصيادين العائدين لتوهم من الأعماق
البعيدة، هيأ أجنحته الشفافة للطيران ونفض من علي جسده النحيل ما
علق به من رذاذ المياه الطازجة وطار صوب منطقة الهضبة يستكشف
الأنحاء المجاورة، وشيئا فشيئا أختفي عن الأنظار.
^
حلق طويلا فوق بساتين النخيل في قرية سوق الجمعة وقفل عائدا من
حيث طار، عاد إلى الميناء وفي طريق عودته قابلته حمامة ( نيسية )
زرقاء اللون من حمائم القلعة هي التي نصحته بالتوجه إلى المدينة
القديمة طالما أنه ينشد مكانا يتمتع بالسكينة واللون الأبيض
والعيون السود المسكونة بالحنان وهناك وجد نفسه وطاب له المقام
في الحواري المتعرجة ذات الحيطان الواطئة والأنفاس الطيبة، وفي
حارة بذاتها تجرع لوعة الحب لأول مرة، أحب (سالمة) طفلا أول ما
أحب وبكي عند عتبة دارها، كما عشق (زينب) وتنهد تحت شرفتها وناح
لها مع الحمام الأبيض نوبات مألوف كثيرة.
^
ووقع كذلك في غرام (فاطمة) التي تعرفت عليه في معرض تشكيلي أقيم
لصديق له في الجامعة، رسم في عشقها قصائد حب بصوت مسموع وهي التي
كانت تود أن يكون حبها سرًا وفي غاية الكتمان، فلم يتقيد كعادته
بهذا الشرط التعسفي وتمادي في ذكر اسمها في مطلع قصائده الجديدة،
غضبت (تـيما) ، غضبت وسدت في وجهه خطوط الهاتف وصندوق بريدها، بل
رجته أن يعيد إليها رسائلها الزرقاء وتبين له من تصرفاتها الجافة
في أمسياته الشعرية المتتالية أنها قد تخلت عنه نهائيا وأن عينها
بالفعل قد حطت علي - غراب قروي - تتوافق تطلعاته مع طموحاتها في
اقتناص المواقع الأمامية ، وكان لها ما أرادت بسبب ثقافتها
الرفيعة وتعليمها العالي ومقدرتها الفائقة في الكلام علي تحويل
الطين إلي عجين أعني إلي أرغفة شهية تغري السذج والمبهورين ،
وهكذا خرجت (تـيما) مبكرًا من دائرة الشمس وملاعب الطفولة إلي
غير رجعة ليستقر بها المقام مؤقتا علي كرسي وثير متحرك تعاقب
الجالسون عليه كثيرا من دون طائل أو فعل إيجابي يذكر.
أقسمت أن أبوح بالسر
ولو لربع وجهي
وإذ ينام الناس
ألبس الجناحين وأطير إلي جزيرة
ليس بها شرطة أو نقود
الناس فيها يعرضون الحب
الشعر بالمجان
خبزهم قُبل
ومصباحهم في الليل أغنية
رأوا هويتي ، خصلة شعر فاطمة
هتفوا : ليحيا الحب
^
أما (مريومة) تلك الفتاة - الزوارية - التي كانت في ثلاثينيات
عمرها هي من دون غرامياته العديدة التي جعلته يبكي من أجلها
بحرقة بسبب أنها تزوجت البحر في غفلة منه فقد ذهبت مع أسرتها
للتصييف عند شواطئ تاجوراء ، وهناك أغرتها دوامة لعوب بنشوة
العوم أودعتها أخيرا في الأعماق السحيقة وعلي أثر هذه الفاجعة
أنفجر يهذي باسمها شعرا ويكلم نفسه في الطرقات العامة ولا يعبأ
بالمارة ولا بكلام الناس إلى أن سأت حالته وفقد صوابه .
وكم من رؤى بسريري تطوف
إذا الليل عسعس في غرفتي
رؤى المارد الغول
يلقي الشرر بقامته الحانية
بعينين كالجمرتين اشتعالاً
يجيلهما فوق رأسي
^
وفي ليلة غاب فيها القمر شرع يستدرج قصيدة في حبه للفقيدة
(مريومة) لم يفلح في صياغتها كما يشتهي فمزق أوراقه وحطم كأسه
الفارغ علي شفتيه ، فسال دمـه علي وجهه غزيرا وسقط مغشيا عليه
فاقد الوعي فهبت نجمة من عليائها لنجدته ووضعته في حضنها ، غسلت
له وجهه وجففت دموعه وأطعمته من عندها لوزا وخوخا غير انه لم
يتوقف عن (الهِتر والهلوسة) واعترف ليلتها للنجمة قائلا:
كم أشتهي أن أضمها ضاحكًا
أو باكياً ، أو خائفًا
ذا لا يهم
ما دمت متحدًا معها
كطفل تدمع عينيه
ولسانه يمتص حلواء
وأدس أنفي فوق نحرها
لأشم عمري
ابتسمت له النجمة بحنان وافر وقبلته في وجنتيه وطيبت مشاعره
المرتعشة بوردة طرابلسية نافذة الأريج وضعتها علي صدر قميصه جهة
القلب كأيقونة سحرية منحته فيما بعد فتوة الحياة المتوهجة وطول
العمر وفجرت في روحه ينابيع الشعر البديع ليصبح من حينها شاعر
الشباب والطفل الأسطوري. طفل المدينة القديمة المدلل. الطفل
الشرعي لسيدنا البحر وأمنا الموجة.
(عش الحمامة – بنغازي)
http://www.fathielareibi.com
نقلا عن مخطوط كتاب ( صور من ذاكرة الوطن ) تأليف: فتحي العريبي
كافة الحقوق الأدبية والفنية
© |