الأم والافـيـكو
عزة كامل
المقهور
تكمن أهميتي ضمن تعداد سكان ليبيا , إنني أم لثلاث بنات, آمل في
أن يصبحن بنات صالحات لهذا الوطن.
ولا أبالغ حين أقول بأنني ودجاجاتي الثلاث محل ترحاب أينما حللت
فللأطفال في بلادي ( رغم كثرتهم ) جاذبية خاصة فصاحب الدكان
يعطيهم الحلوى مجاناً والكل لابد أن يذكروا عبارتين محببتين
لسمعنا جميعاً (ربي يصون) أو (يتربوا في عزك) حتى أولئك الشباب
الذين يمتهنون (البزنس) ويتـقمصون شخصية رجال الأعمال فئة واحدة
فقط لا تأبه في أن تكون أماً أو أباً أو طفلاً ولا أغالي في ذلك
لأن هذا ما ألمسه يومياً صباحاً عند ذهابي إلى مكتبي وعند عودتي
إلى بيتي وأنا أدعو الله جهراً وعلانية أن يعيدني إلى دجاجاتي
سالمة لأعكف على تربيتهن آملة أن يكن بنات صالحات لهذا الوطن .
وقد تستبقونني بالسؤال ..أي فئة هذه ? صبراً .. فإجابتي هي (سائقوا
الأفيكو).
سائقو الأفيكو في بلادنا لا يعيرون من في الطريق أو علي الرصيف
اهتماماً هدفهم الوصول بالركاب إلى المحطة في أسرع وقت ولا يهم
إن كانت مستخدمة الطريق امرأة تقود سيارة داوو وفراخها الثلاث في
المقعد الخلفي تتناثر رؤوسهم كالبلونات فهن ولا شك تحت بصر ونظر
سائق الأفيكو المتعالي في مقعده المالك للطريق ولمصير ليس ركابه
فحسب بل مستخدمي طريقه الخاص هذا فهو في كل مرة يقترب من سيارتي
من الخلف لدرجة الفزع معلناً إنني أسد الطريق في وجهه أتنحى عن
طريقه وأن نظرات دجاجاتي الثلاث من الخلف وهي فزعة تتقافز في
المقعد الخلفي وتصيح أن الصياد قادم لا محالة ويزيد ذلك من ,
عنجهيته وأنا الأم القلقة المتشبثة بمقود السيارة أصبح في أطفالي
أن يجلسن ولا يخفن فالطريق للجميع وفي نفس الوقت أحاول جاهدة
التنحي إلى اليمين لتتلقفني سيارة أفيكو أخرى في حالة تجاوز من
اليمين أو لأجد نفسي (أنا وسيارتي وأطفالي) طعماً بين دفتي
سيارتي افيكو وأحمد الله وأتنهد في كل مرة أنجو من بين براثن هذه
السيارات .
لقد كنت أتصور أن كثرة سيارات(الافيكو) قد حققت حلاً للكثيرين
من أولئك الذين لا يملكون سيارات وأن مشكلة المواصلات خاصة في
أيام الدراسة قدُ حلت وباتت ميسرة لأبعد حد .
كما أن الشباب الباحث عن عمل وجد ضالته في سيارة أفيكو يعمل
عليها لحسابه الخاص أو لحساب غيره وقد يكون البعض أيضاً أباءً
لأبناء ينتظرون عودتهم يومياً بالخبز الساخن وحكايا الطريق إلا
أن هذا الشعور الذي غلف قلبي لفترة تم الإطاحة به وباتت مشاعري
يسيطر عليها الفزع تجاه هذه السيارات التي لا تعرف صديقاً ولا
حبيباً ولا أباً ولا مرتجلاً ولا أماً وأطفالها الثلاثة .
لقد كنت على يقين من أن قلوب هؤلاء كقلوبنا جميعاً تعمرها الرحمة
والمشاعر الطيبة وأنهم أحياناً ينقلون أشخاصاً مجاناً على سبيل
المساعدة , إلا أنني بت أخاف وأخشى أن يكون مصير العديد ممن
يشاركونهم الطريق الترمل أو اليتم لأن سائق الأفيكو واثق من
مقوده .. معتقداً بأنه مسيطر عليه فهو يرى أن الشارع هو مشروع
لأرباع وأنصاف الدينار. |