مـخـتـارات

 

ثمار الشماري

محمد العمامي

 

برقت فكرة في رأس الأديب الراحل صادق النيهوم.. وانفلقت مثلما ينفلق الحب في الأرض الخصبة, ولكن قبل أن تنمو وتورق, وتزدهر هذه الفكرة, فرضت سطوتها عليه فكتبها ضمن فقرات رسالة - طولها ثلاث عشرة صفحة !

إلى صديقه الراحل العزيز الأديب/ خليفة الفاخري, تقول هذه الفقرة:

حكايتي عجيبة !!.. أردت أن اجعل حروفي تضيء.. وقد أعطيتها مهلة كاملة لأنني ظننت أن الحروف مثل ثمار الشماري تحتاج إلى وقت كي تنضج.. وعندما قرأت مرة أن الكلمات تتغذى على التجارب هرعت كالمجنون أجوب الأرض والأحداث وأبحث عن (التجارب) في زجاجات الخمر وبين أرجل النساء عبر آلاف الأميال الموجعة.. وبعد أن قطعت كوماً كاملاً من السنين المقززة اكتشفت أن ذلك كان خداعاً سخيفاً لا قيمة له.. كان كذباً مثل أكاذيب الحواة والأطفال..

كانت هذه الرسالة قد كتبت من القاهرة في:10/1/1965، وبعد عام من هذا التاريخ نشرت صحيفة (الحقيقة) آنذاك, مقالاً لصادق النيهوم بعنوان: (هذه تجربتي أنا) من هذه المقالة أنقل إليكم الفكرة نفسها, أعني الحبة بعد أن أورقت وأثمرت قال:

(حكايتي عجيبة)..

أردت أن أجعل كلماتي تضيء.. أن تقول بالضبط ما أريدها أن تقوله وقد أعطيتها مهلة كاملة لكي تفعل ذلك, فقد ظننت أن الكلمات مثل ثمار الشماري تحتاج إلى تسعين يوماً لكي تنضج.. وعندما قرأت مرة أن الكلمات تتغذى على التجارب انطلقت كالمجنون أجوب الأرض والأحداث وأبحث عن التجارب في شوارع العالم, وفي الأزقة, وفي سفن الصيد والجامعات عبر آلاف الأميال الموجعة.. وبعد أن قطعت كوماً مقززاً من السنين اكتشفت فجأة أن ذلك كان خداعاً لا قيمة له.. كان كذباً كله من البداية.

وكان يجب أن أتوقف.. أن أدق رجلي في الأرض مثل مسمارين وأتوقف..

لم يتغير في النص شيء يذكر.. فالفكرة ظلت هي ذاتها.. غير أننا نحس أنها نضجت وأثمرت.. خصوصاً عندما نقرأ المقال كله.. في فقرة أخرى من فقرات المقال نفسه وظف النيهوم بضعة أسطر من رسالتين تبودلتا بينه وبين "الفاخري", تقول هذه الفقرة:

(وكنت أشعر بوحدة هائلة, فجلست في المساء وكتبت إلى أحد أصدقائي, قلت له: (خليفة يا صديقي, أنا ضائع ووحيد مثل ريشة سقطت من جناح طائر وكلماتي لا تزال مطفأة مثل عيني خنزير ميت, أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً).

وكتب صديقي: (لا تعد تقل.. إن ملايين الطيور تعبر المحيط كل عام, ورقع الأرض المترامية, بحزمة من الريش وبضع زقزقات).

غير أن هذا التشبيه الجميل تشوه عندما نشر المقال بالصحيفة من دون السطر الذي يقول: (وكلماتي لا تزال مطفأة مثل عيني خنزير ميت). ولكنه موجود بمسودة هذا المقال التي كتبت بخط يد صادق النيهوم.

فماذا أريد أن أقول?

أريد أن أقول إنه لا الكلمات, ولا الأفكار تولد كاملة, وإنما تتخلق صغيرة كالنواة الضئيلة التي تنمو, وتترعرع.. ثم ترتفع, شامخة, من أرض الله وتعانق سماءه.. ذلك بالطبع إن كانت الموهبة, أعني النواة, حقيقية.

أريد أن أقول, أيضاً, إلى الذين لا يعرفون (الشماري) إنه النوع البري من ثمار الفراولة !!

 

 

 

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3915.. 7-8/01/2003

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة