|
الرسم الساخر في ليبيا
النشأة والتطور حتى نهاية القرن العشرين
لؤي الفيتوري
الرسم الساخر نتاج طبيعي للنفس البشرية وتفاعلاتها مع الواقع
المحيط للبشر في مواجهة مواقف الحياة أساليب شتى ومواقف عدة،
فنحن نرى البعض يواجهها بشجاعة وغيرهم يهرب منها بلباقة. وقد
يواجهها البعض بشيء من الجد، يكثر أو يقل تبعا لأهمية المشكلة،
أو الموقف الذي يواجهه، وقد تكون المواجهة ببعض الهزل، أو بقليل
من السخرية أو بابتسامة مرحة تحمل الرضا و التفاؤل، تخفف من وطأة
الموقف أو تمحو أثره تماما.
وفي ظل هذا الاتجاه على الأرجح ولد الرسم الساخر و هو فرع من
فروع فنون السخرية التي أخذت عدة أشكال فهناك القصة الساخرة أو
الهزلية و كذلك الأفلام و المسلسلات الكوميدية حيث شكلت
الكوميديا أحد الركائز الأساسية للدراما، سواء في الأدب أو
الفنون.
وقد اختلف المفكرون في إرجاع اصل الرسم الساخر فمنهم يعيده إلى
رسوم الكهوف والمغاور و البعض يرى إن هذا الفن ولد في التجمعات
البشرية الأولى و هناك فريق يرى إن هذا الفن من الفنون المعاصرة
التي أنتجتها الثورة الصناعية و ظهور التقنيات الحديثة.
ولما كان الخوض في هذه المسائل يحتاج ألي حيز لا يمكن استيعابه
في هذه العجالة فأننا نرى أنه لا يجب أن نحمل الأمر فوق ما
يحتمل… إن الفن الساخر وان كانت له جذور تمتد إلى أعماق التاريخ
وهذا أمر لا تخطيئه عين ألا انه كان مع باقي الفنون و مختلط بها
و لم يكن مستقلا بذاته، وقد استقل هذا الفن على مراحل فرضتها
التطورات التي رافقت تكون و نمو التجمعات البشرية حيث استقل هذا
الفرع أي فن السخرية في الأدب و المسرح قبل الفنون التشكيلية
بزمن بعيد خاصة في مجال الرواية و الشعر ولم يظهر الفن الساخر
بشكله المعاصر إلا مع انتشار تقنيات الطباعة و ظهور الصحف التي
أعطته البيئة المناسبة للنمو و التطور و التماس مع مشاكل الناس و
همومهم و بذلك أخذ هذا الفن يحتل مكانه محترمة و تكاد لا توجد
مطبوعة صحفية متخصصة كانت أو شعبية إلا واحتل الرسم الساخر مكانا
بارزا فيها.
وفي ليبيا بدأ الفن الساخر في الصحافة و المطبوعات يسجل أول ظهور
له في العصر الحديث سنة 1908، على أوراق صحيفة (أبـو قـشة)، وهي
صحيفة خاصة أصدرها صاحبها "محمد الهاشمي المكي".. وهنا علينا أن
ننوه بأن الصحافة بشكلها المعاصر عرفت في ليبيا منذ سنة 1828،
إلا إن صحيفة (أبو قشة) كانت أول صحيفة تعالج القضايا بالرسم
الساخر.
وفي عام 1911، تعرضت الصحافة الليبية كما البلاد إلى انتكاسة
بسبب الغزو الإيطالي وقد مارست سلطات الاحتلال ضغوط كبيرة على
الصحافة وخنقت هذا الفن فالسلطات العسكرية الإيطالية لم تكن
لتسمح بأي نقد، ثم كان لوصول "بنيتو موسيليني" وصعود الفاشية إلى
قمع أي محاولة في هذا المجال وظل الحال على ما هو عليه إلى أن
انهزمت إيطاليا في الحرب الكونية الثانية وسقوط البلاد الليبية
في قبضة الحلفاء، حيث بدأنا نشهد صحوة للصحافة والرسم الساخر في
ظل عهد الإدارة البريطانية وذلك في مجلة المرآة التي كان يديرها
الدكتور (مصطفى العجيلي) عام 1947، التي ظهرت فيها رسومات ساخرة
على مستوى جيد من حيث الطرح والمعالجة الفنية للفنان "فؤاد
الكعبازي"، حيث كان له أسلوب متميز وذلك بأنه كان يرسم بدون أن
يرفع يده عن الشخصية التي يرسمها، وكان لشخصياته المفرغة طابعاً
مميزاً.
ومع بداية سنة 1951 بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الرسم الساخر على
يد الفنان "محمد شرف الدين"، حيث مارس الرسم الساخر في أشهر
الصحف في ذلك الوقت وهي: الليبي وصحيفة طرابلس الغرب.. وقد اتصفت
أعمال الفنانين في هذه المرحلة بالالتزام الوطني حيث عالجوا
قضايا تفجير القنبلة الذرية والتواجد الاستعماري على أرض الوطن،
هذا بالإضافة إلى القضايا الاجتماعية، ومن أهم فناني هذه المرحلة
الفنان "عبد المجيد الجليدي" و "د.أمين شقلية" و"د.علي فهمي خشيم"،
وفي هذه المرحلة ظهرت أعمال الفنان "محمد الزواوي" الذي شكل
مرحلة قائمة بذاتها، وقد كان للأساس الواقعي في أسلوب "محمد
الزواوي" اثر كبير في أسلوبه الذي اخذ مع تراكم الخبرات يزداد
رصانة و قد استطاع أن يرقى بالفن الساخر الليبي إلى مصاف الفنون
العالمية، فقد أقام العديد من المعارض الفنية في دول أوروبا،
وخاصة فرنسا التي تعتبر معقل الرسم الساخر العالمي حيث ظهر الفن
الساخر الحديث أول ما ظهر في مدينة باريس سابقا جميع الدول
الأوربية في ذلك العصر.
ويمتاز أسلوب "محمد الزواوي" بما يعرف باللوحة الكاملة حيث يهتم
الفنان بكل تفصيل بحيث يمكن تقسيم لوحته إلى عدد من اللوحات
الساخرة يكون لكل واحدة منها قيمتها الفنية و قدرتها على طرح
ظاهرة أو قضية مختلفة.
وبعد هذه المرحلة ظهر جيل جديد ليأخذ الراية من فناني الجيل
السابق و الذين لم يواصلوا المشوار باستثناء الفنان "محمد
الزواوي" ومن أهم رواد هذه المرحلة "محمد عبيدة" و"محمد الشريف"
و"التيجاني أحمد" و"محمد قريفة".
واتصفت هذه المرحلة بظهور الشخصيات الساخرة في أسلوب فناني هذه
المرحلة والتي وظفت في معالجة قضايا المجتمع وفي طرح آراء
التيارات السائدة في تلك المرحلة.
وبعد هؤلاء تبعهم عدد من الفنانين الذين يمثلون الجيل الجديد من
فناني الرسم الساخر في البلاد الليبية ألا أن أعمالهم اتصفت بعدم
الاستمرار في الظهور على صفحات الجرائد و المجلات على الرغم من
أن العديد منهم يتمتع بأسلوب متميز و ريشة رشيقة و للعدل
والإنصاف قد يكون غيابهم في العديد من الحالات يعود إلى أسباب لا
دخل لهم فيها وإنما لها علاقة بالصحف و المجلات وتعرقل عملها في
بعض الفترات.
ومع هدا ظل الفن الساخر مرآة تعكس ما يدور من تفاعلات في المجتمع
الليبي.
|