مـخـتـارات

 

بازامة.. الناقد الأديب

أ. د. الصيد أبوريب

 

إذا ما تركنا جانباً اهتمامات المؤرخ المرحوم محمد مصطفى بازامة بالتاريخ الليبي وعرض أحداثه عبر عصوره المختلفة أو دراسات في التاريخ الإسلامي. فسنجد له آثاراً أخرى أدبية، تعكس شغفه بالشؤون الثقافية، وتكشف عن ومضات فكرية وتبرز بعض القضايا النقدية التي أهتم بها الأستاذ بازامة وشغلت زمنه فأسهم فيها بقلمه، وترك لنا حولها بعض المؤلفات المطبوعة، وإن لم تتعد ثلاثة كتب ومقالة طويلة، تشكل في مجموعها جانباً آخر من جوانب الأستاذ بازامة الفكرية، وهى على التوالي :

1 - كتيب بعنوان (الخصائص المميزة لاشتراكية الإسلام) : بنغازي / مطابع دار الحقيقة، 1969 ف, 26 صفحة من الحجم الصغير.

2 - كتيب بعنوان (سعادة الإنسان في الدارين) : بنغازي / مطابع دار الحقيقة، 197.ف، 29 صفحة من الحجم الصغير.

وهذان الكتيبان هما حلقتان - أعدهما الأستاذ بازامة تحت عنوان (محاولة في فهم اشتراكية الإسلام).

3 -الكتاب الثالث بعنوان (الثورة الثقافية العربية)، بيروت، مؤسسة ناصر / 1973ف, وهو مجموعة مقالات ذات موضوعات يجمعها سياق فكري ثقافي واحد.

أما المقالة الطويلة فهي بعنوان (رفيق وفلسفة الجمال) نشرت ضمن كتاب (مهرجان رفيق الأدبي) الصادر عن جامعة قاريونس، بنغازي عام 1993 ف. ويذكر أنه من بين آثار، المخطوطة دراسة بعنوان (رفيق أكثر من شاعر) لم نقف عليها بعد، ولكن يمكننا أن نزعم أنها لا تقل مستوى وأهمية عما اتسمت به مقالته عن رفيق وفلسفة الجمال من فقرات ثاقبة ونظرات متأملة في شعر هذا الشاعر ورصد موفق لبعض خصائصه الفنية.

وما يهمنا من هذه الأعمال في هذه الورقة مقالته القيمة التي تناولت فلسفة الجمال عند شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي (1898 - 1961ف) ففيها نلمس لوناً آخر من الدراسات التي كتب فيها الأستاذ بازامة إذ تبرز ملمحاً ثقافياً وجانبا فكرياً، يؤكد إن على حسه الأدبي الرقيق ويشيران إلى إدراك نقدي واع عنده.

والحقيقة إن هذه المقالة النقدية الطويلة (ثماني عشرة صفحة) التي تتناول إحدى رؤى الشاعر أحمد رفيق المهدوي الفكرية، لا تنأى عن الدراسة المنهجية أو البحث العالمي في قواعده وأصوله، فهي تدور حول موضوع محدد جعل له مقدمة ومتناً ذا عناوين فرعية ومباحث قصيرة تعالجه مع خاتمة وقائمة بعدد من المصادر والمراجع التي تعامل معها في هذه المقالة، وإن دلت من اقتباسات واضحة ومقولات موثقة وهوامش مفيدة.

ولعل هذا الأمر هو الذي دفع الأستاذ بازامة إلى أن يطلق على مقالته المذكورة مصطلح البحث، فقد تكرر استخلاصه له في بدايتها أكثر من مرة، وذلك في قوله : عنوان هذا البحث.. في مستهل هذا البحث.. وموضوع هذا البحث.. نحن في هذا البحث.. وإن بحثاً كهذا).

على أية حال، يبدأ بازامة مقالته هذه بتوضيح أكده، مراراً وهو خوفه من سوء فهم القارئ لمضمون عنوانها وهو (رفيق وفلسفة الجمال)، رامياً من ورائه بيان فكرة رئيسة أراد أن يوقفنا عليها قبل أن يدخل في تفاصيلها، وهى أنه يعرض فلسفة الجمال عند رفيق من خلال ما جاء في شعره، وتنطق به قصائده، لا من رأي مكتوب أو وجهة نظر مسبقة، مستبعداً أن يكون رفيق - كما يقول - فيلسوفاً - أو أن له نظرية خاصة به، عرفت عنه ويقول بها، استناداً إلى دراسة فلسفة في الجمال والفن).

وإذا كان الأستاذ بازامه قد استبعد أن يكون رفيق فيلسوفاً أو صاحب نظرية خاصة به في فلسفة الفن والجمال، فإنه يؤكد وبشدة أن رفيقاً (إنما هو شاعر فنان، منطقه الذوق ومنطلقه العاطفة ودوافعه، شتى الانفعالات والأحاسيس)

وهو أيضاً (شاعر فنان يهيم بالجمال ويعبر بالشعر عما يخالجه من أفكار ويراوده من آراء حتى ولو كانت هذه فلسفية.

ولتأكيد وجهة نظره هذه المتمثلة في أن رفيقاً - كما يقول - (ليس بالفيلسوف الذي يعتمد فيما يقول ويعتقد على المنطق العقلي في الجدل لإثبات الرأي بالحجة والبرهان) يقرر الأستاذ بازامه منذ البداية عدم وجود رأي لرفيق في فلسفة الجمال والفن مدون من بحث أو مقال له (وإن كتب مقالات نشر بعضها ولم ينشر البعض الآخر، إلا أنه لم يتناول في أي منها هذا الموضوع بالدرس والتحليل).

بهذا يلفت الأستاذ بازامه انتباهنا إلى أن ما يعرضه في مقالته المذكورة، هو رأي جمالي للشاعر أحمد رفيق المهدوي قد وضع إصبعه عليه من خلال شعره ومن ثم سيتتبع خيوطه في قصائده بمنأى عن رؤية فلسفية لرفيق مسبقة أو نظرة تأملية مقررة سلفاً في فلسفة الجمال والفن، يقول الأستاذ بازامه في هذا الصدد (وإنما هو رأي له أورده متفرقاً في بعض قصائده، وحاول أن يعبر بالشعر عنه، ومن هذا المصدر نستنبط نحن نظريته الخاصة، فمن شعره أو شاعريته تنبثق نظريته، أو على الأصح رأيه في الفن والجمال) .

وهنا تكمن أهمية مقالة الأستاذ بازامه النقدية التي ترصد رأي رفيق في الجمال والفن من خلال شعره، تحديداً في بعض قصائده.

والطبيعة على السواء، وتذوق التمثيل فيما شاهده من مسرحيات وتذوق الرسم فيما أبدعه الرسامون، وتذوق الجمال من مصادره الأولى في الطبيعة والحس في جمال بنى الإنسان) ص156 تلك هي إذن الروافد التي اتخذت - من وجهة نظر الأستاذ بازامه رأي رفيق في الفن والجمال وأثرته وأخصبته، مشيراً إلى أنه في الديوان من الشواهد على كل هذا من يقتنع، وهي التي شكلت في مجموعها مفهوم الجمال عنده.

إن تذوق رفيق الجمال في الفن والطبيعة انتهى به - في نظر الأستاذ بازامه - إلى أن يكوّن لنفسه مفهوماً عاماً وشاملاً في الجمال، مفهوماً مجرداً لمعنى الجمال) . وقد أودعه إحدى قصائده وهي التي بعنوان ( من وحي يوم الأحد)، ضمت الأبيات الستة التالية التي حددت مفهوم هذا الجمال وأبانته، يقول رفيق :

وليس الجمال اعتدال قوام  

  وسحر عيون وحمرة خدْ

ففي كل فن بديع جمال  

  به اختص عن غيره وانفردْ

يروقك في الرسم غير الذي

    يروقك من شاعر ما نشدْ

ويشجيك في النغمات نشيج 

  يردده الوتر المرتعدْ

وأرقى صنوف الجمال المعاني 

  يفوز بها الذوق من غير كدْ

فذلك معنى الجمال الذي 

   يهيم به ذو الحجى والرشدْ

في هذه الأبيات الستة، يرمي الأستاذ بازامه أن تحديد رفيق لمفهوم الجمال (وإن ورد شعراً، إلا أنه في حقيقته تحديد فلسفي، إذ نجده معنى يحتوي التجريد والشمول، والتنوع، والترابط والعمق.

ومع هذه العناصر الأربعة التي نطقت بها أبيات رفيق السابقة، تطول وقفة الأستاذ بازامه، متصلاً الحديث عنها، مستخلصاً من كل عنصر منها، ما يمكن صياغته على النحو التالي :

إن رفيقاً (أراد أن يقول بأن الجمال ليس هو ما تمثله الضمير ويكرر الأستاذ بازامه القول في بداية مقالته هذه بأنه يقوم بتقديم رأي رفيق في الفن والجمال كما عرضه هو نفسه في قصائده (شعور الروح) و (من وحي يوم الأحد) و (الشعر والشعراء) و(الشيء بالشيء يذكر) وغيرها من القصائد العديدة التي نشرت في الديوان ذلك لأن رفيقاً لم يأت بالرأي جملة وفي مرة واحدة ولم يجمعه كله في قصيدة بذاتها.

ومن هنا أوضح الأستاذ بازامه أنه يكتفي بعرض هذا الرأي وتاركاً تقييمه ومقارنته بغيره من الآراء التي توافقه أو تختلف معه في كل أو في بعض الذي ارتآه إلى بعض العلماء المختصين في الدراسات الفلسفية في هذا المجال.

وقبل أن يأخذ الأستاذ بازامه في بيان هذا الرأي وجزئياته يتساءل من هو رفيق ? وكانت الإجابة عنده ليست سيرة ذاتية كما يتوقع، أو حديثاً مهماً عن هذه الشخصية كما اعتاد الباحثون وإنما كانت تقديماً في غاية الإيجاز، لم يتعد القول بأن رفيقاً (إنسان شاعر فنان) عشق الجمال بطبعه وهام به في حياته وهو مغرم بكل جميل وأنه فنان تأصل حب الجمال في أعماق ذاته كإنسان هذه هي صورة شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي عند الأستاذ بازامه لم يدخل في تفصيلاته وفي ضوئها  انطلق في تحديد رأي رفيق الفلسفي في الجمال نافياً صلته ببعض الفنون الجميلة الأخرى.

فرفيق وكما يقول ليس بالموسيقار وليس رساماً بالفرشاة والألوان ولم يعتلِ خشبة المسرح ممثلاً ومع ذلك ما رفيق سوى شاعر  وحسب ومن ثم فهذا اللقب لا يمنع من وصفه بأنه فنان لأن رفيقاً كان يتذوق ما في هذه الفنون جميعها من جمال.

 لقدر أدرك الأستاذ بازامه فيما عرض من قصائد وما لمسه في شعره من اهتمام بالجمال أن رفيقا يعبر عن سعي الروح نحو الحقيقة التي تشكل جوهرها الحقيقي لكون الفن هو أحد أشكال هذا السعي، بمعنى آخر هو أحد الأشكال التي تتموضع فيها الروح، أو كما يقول هيجل: (الفن هو الروح الذي يتأمل ذاته في حرية كاملة ويعبر عن ذلك بشكل حي).كما كشف الأستاذ بازامه عن أن رفيقاً قد تعامل مع الجمال بوصفه مظهراً من مظاهر الروح المطلق وحلقة من حلقات الفكر الجمالي التي تومئ إلى الحقيقة، ذلك أن الجمال من منظور فلسفي (هو الفكرة التي تعبر عن الوحدة المباشرة بين الذات والموضوع. وهذا الجمال لا يتحقق إلا في الجمال الفني، لأنه ينبع من الروح أو (الإنسان)، بينما الجمال الطبيعي هو أول صورة من صور الجمال، لأنه الصورة الحية الأولى التي تتجلى فيها الفكرة). يكتمل مفهومه لمعنى الجمال.

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة