|
نشرات تقليدية
نعيمة العجيلي
حماية البيئة, أضحت
من مستلزمات العصر الحديث, وهو يحمل إلينا هذه الموجة العارمة من
التلوث والاختناق.
الغازات السامة
تملأ الأجواء, نستنشقها بعفوية بالغة والمصانع باعثة السموم تسخر
منا ونحن نعتقد بأنها قصيّة عن مواطن سكنانا !
تلوث البيئة لم يعد
يقتصر على الدول الصناعية الغربية وحسب, إنما تعداها ليشمل تلك
التي بدأت وببطيء تشق خطواتها الأولى نحو التصنيع ليشهر في وجهها
بطاقة حمراء.
النصائح
(المنظّومية) تملأ الجدران, وشاشات القنوات المرئية, لكنها عامة
في مجملها ولا تقدم حلاً للمكافحة.. فكلمات مبهمة من أمثال (حافظ
على نظافة البيئة) و(النظافة من الإيمان).. وغيرها, هي إشارات
غير دالّة على الطريقة الواجب اتباعها لمكافحة تلوث البيئة ولنشر
النظافة والنظام.. ولعل أكثر الإشهارات اقتراباً من المواطن هي
(التدخين ضار بالصحة)!.. وهى نفسها وفي ذات الوقت الأكثر بعداً
عن إعارة الاهتمام!، هذه الوصايا اللطيفة لا تعطينا صورة واضحة
-كمواطنين- لمشكلة التلوث, وكيفية المساعدة في كبحها, أو التخلص
ولو من جزء صغير منها!.. فاطلاعي على ذاك التحذير الصغير من مضار
التدخين وهو يقبع في هامش إعلان ضخم عن (سيجار) فاخر, لن يؤثر
بالتأكيد على علبة (سيجارتي) التي اشتريتها بطرقي الخاصة!!، لكن
هذا لا يمنع من القول أن مثل هذه الإعلانات ذات صبغة صحية,
ونبيلة الأهداف, حتى وإن كانت لا تخدم بصفة مباشرة أولئك
الموضوعة لأجلهم!، لكن خطر التلوث البيئي في (سيجارة) نشعلها
فينتشر.الوباء ونطفئها فنخرج سالمين!!.
في البلاد العربية
هناك إضافة صغيرة لهذا التلوث أنها الاجتياح الرملي, وزحف
الصحراء نحو الساحل فنحن لسنا بحاجة لحملات توعية نظافوية عامة
فقط بل يلزمنا ساتر نباتي يقينا الرمال.. والكثبان والإعصارات
الرملية, التي تنتظر اكتساحنا بعد أن أرسلت لنا مبشراً.
فهذه الموجات
الحرارية القوية والتي تغزو المدن الساحلية الملتصقة بالبحر،
تدعونا لوقفة جادة وحلٍ حاسمٍ وسريع قبل أن نتحول إلى دولٍ جد
صحراوية، وقبل أن يخذلنا البحر الذي نحتضنه اليوم بقوة هرباً من
هجير البيداء.. لنبدأ بحملات التشجير والتي قد يقول قائل إنها
موجودة لكنها, لا تكفي وبدون تخطيط بعيد المدى ولا تتوافق
واستراتيجية محددة بعينها, كما لا ترافقها حملات توعية, تبدأ
باستعراض كيفية صنع هذا الحزام الشجري ومن ثم كم يحتاج من شجرة
وكم يسوّر من كيلو متر مربع, وكيف يعود علينا بالنفع المستقبلي!
لذا نستطيع أن نفرض
غرس الأشجار فرضاً, على المواطنين ولو اقتصر الأمر على أصحاب
المحلات والجهات العامة, ونظل نتابع سير العناية بها, (فحسبة)
صغيرة تناسبية تبين لنا عدد الأشجار التي ستملأ أر صفتنا
وتلّونها بالأخضر مقارنة بعدد المحلات ومباني الجهات العامة,
لنجد أن شجرة واحدة لكل مبنى تجاري قد تكون كافية إلى حين.
صحيفة الجماهيرية..
العدد:3986.. التاريخ:04/05/2003
* * *
* *
(كساد) هل هو مصطلح حداثوي؟
نعيمة العجيلي
الملل هو الحاجة
الماسة التي أدت لاختراع لفظة (الكساد) هذه الكلمة التي صارت
تُلاك عبر الألسن المختلفة كلما شعر الواحد منها بالملل
.
الملل والقلق واللا
اهتمام بالأشياء الأساسية، وفقدان الرغبة في الاستمرار، بل في
إسباغ الأهمية على الأمور الحيوية المتنوعة، كل هذا جعل منا
نتلفظ لا شعورياً بكلمة (كساد) لنهرب من هذا التراكم الواجبي،
ولنمني النفس بأننا أنهيناه ومن ثم شعرنا بالملل.. بينما نحن لم
نبدأ شيئاً لننهيه، لم نستفتح برزنامة واجبنا اليومي لكي نحس
بعده بالفراغ.. لذلك فإن مصطلحات من أمثال (اشغل وقتك) (استغل
أوقات فراغك) مثيرة للسخرية عندما نعلم علم اليقين أننا لا نعاني
من فراغ زمني بقدر ما نعاني من فراغ حسي يضفي نكهة خاصة على
أعمالنا، ويصبغها بالجدية، الجدية في التفكير هي نفسها الجدية في
العمل، إن كان العمل أساساً توظيف الأفكار المتوزعة.
كساد، وقت طويل لا
يوجد أمر قابل لشغله.. كساد، فراغ غير قابل على الإطلاق للملء
بأي حالٍ من الأحوال كون ناطقها يرفض تماماً مجرد التفكير في
إمكانية توظيف هذه الساعات المتتالية الطويلة، برغم أنه يحمل
مخزوناً هائلاً متراكماً من الأعمال المطلوب منه هو بالذات
القيام بها، نمو الحاجيات المؤدية لزيادة الواجبات لسد هذه
الحاجيات التي أضحت ضروريات الاستغناء عنه في حكم المستحيل. هذه
الإفراطات الحاجية والطلبية المتزايدة، تثقل كاهل العقل البشري
وتجعله يختار حلين لا ثالث لهما.. إما أن يتوافق حركياً مع هذه
الاحتياجات المادية، ويجهد ذهنه، ويعمل فكره، حتى يصل إلى توازن
هو الأصعب من نوعه.. وإما أن يتكوّر حول نفسه، ويقنع عقله قبل
الآخرين أنه صار من المؤكد أن لاشيء يستحق إعمال الذهن فيه، وأنه
لا تكمن أية أهمية فيما يعمل، فلمَ يعمل؟.. ليس هذا فقط ، بل إنه
يقتنع تماماً بعد فترة أن جميع التزاماته قد أنهاها، وأن عملية
توازن حاجاته مع السعي إليها قد انتهت، وأنه وصل بعد جهد جهيد
إلى مرحلة الراحة.. هذه المرحلة تليها فوراً، وبدون مقدمات مرحلة
العصر (الكساد)!.. هذه الدائرة المحكمة الإغلاق ندور جميعنا فيها
مع تباين ردود الأفعال، ونؤمن بأننا نعاني من حالة حداثوية صعبة
التفسير ولا متناهية إن استثنينا بعض الفترات العملية الصغيرة في
حياتنا.. هذه الحالة الشقية والتي تعاود الظهور يومياً، وعلى
فترات متقاربة، وتملؤنا بتعاسة مؤقتة تنتهي قليلاً لتبدأ من جديد
هل نختار لها اسماً أكثر حداثة من (الكساد) أم أننا يمكن أن
نتجاوزها، أم أننا سنكتشف يوماً ما أننا اخترعناها اسماً وأنها
ليست سوى وهماً كبيراً خلّدناه
?!!
صحيفة الجماهيرية.. العدد:3774.. 25/08/2002
|