مـــقـــــالات

 

عبدالله القويرى

سيرة صاحب الكلمة

 

أحمد الفيتوري

 

الأركيولجي "عبدالله القويرى" قد يكون الكاتب الليبي الذي شكلت حفرياته هوية الباحث في معنى الكيان؛ في مفهوم الهوية، الذي تشكل فكره في حالة من قلق فكرة الذات عن  نفسها، ولكن هذا القلق الذي شيع الروح ووسم اخلاصه لمقولة الجوهر هو ما شكل اطروحته النظرية كأطروحة مغلقة يقينية ونهائية في النتيجة. وهكذا تظهر هذه الاطروحة الهوية كمفهوم عار من الدلالة ومطلق ويكسب مبررات وجوده من متعال، فالهوية كامنة في الوجود ومتحققة بالقوة، كيف تم ذلك؟.

بمراجعة لكتابات عبدالله القويرى نلاحظ أن هناك الحاحا على الهوية كموضوع، الهوية دائرة، تتعين الذات كمركز لها  ومحيط هذه الدائرة محدد محصور حيث هناك هويات أخرى تعمل على التحقق أو تتحقق على حسابها بمحو تضاريس الذات، وقطر الدائرة الخيط المشدود والازلى الذي يعنى أن تحقق الهوية كامن في الذات بالقوة وان انحرفت عن هذا التحقق تتبدد؛ الهوية مرآة تعكس نفسها وكل عكس ذلك انمحاء والذات فضة هذه المرآة ان صح التعبير وكأن الذات في المحصلة هي الهوية؛ الإنسان إنسان بالطبيعة؛ الطبيعة معطى كالعجين عند المثال أو كما يقال في فن النحث التمثال كامن في الكتلة، لكن هذا التحدد يكون سببا لنتيجة مناقضة، وهى أن هذه الدائرة لاتقبل الحدود، كما التمثال يأول نفسه في عين المتلقي فإن الآخر يحقق للوجود بالقوة وجودا بالفعل، وهكذا هذا الكمال بالضرورة ليس محصورا في نفسه بل محاصرا من الآخر الذي يكشف عنه.

ومفهوم الهوية هذا عنده يتعين فى مفهوم الوطن، حيث الوطن كلى شامل، حدوده فيه، والوطن أزلى، وان استمد تعينه فى الذات من التاريخ، فإنه فى الطبيعة ما قبل  التاريخ، وهكذا فإن كان الوطن متخارجا ومتعاليا فإنه يتحقق من خلال الذات الخلاقة، الذات المبدعة التى هى عند القويرى مفارقة تنتج الوطن الذى يخلقها. وهكذا فقد انصب بحث القويري عن معنى للكيان الذى هو كينونة ثابثه!! هو ثابت متحقق متكامل كمفهوم، وهو فى صيرورة من حيث هو حلم مشروع. كذلك يتضح لنا الوطن عند القويرى كموضوع غير موجود؛ لأنه فكرة أو ومضة وتعقب دائم دؤوب لمفهوم.

يبدو واضحا للقارئ المتأنى وجليا للباحث المختص، الاطار الفلسفى المثالى الذى يؤطر  شغل وفكر عبدالله القويرى وأنه أحد آخر الرومانتيكيين فى هذا العصر، وأولهم فى بلادنا.

ان الرومنتيكية تتجلى فى مفاهيم القويرى وفى التوسطات التي يدلل ويستدل بها على مصدقية رؤيتة. لقد دخل لذلك فى معارك ثقافية فى واقع ثقافى ضحل، وخاض فى أوحاله وهو المتعالى صاحب الفكرة والكلمة الفصل، النظرية المتكاملة التى ألبسها اقنعة متعددة: المسرح  والقصة والخاطرة . الـخ.

وقد دخل فى معارك التى لم تنته بوفاته منذ سنوات ثلاث  ضد كل نظرة تقول بخصوصية غير خصوصيته، حد أنه اعتبر أن الفكرة القوميه فكرة اللغة الام، أمة اللغة الواحدة فكرة خصوصية تنفى خصوصيته، وكرومنتيكى خلاق، تلميذ نفس الفكر المثالى الذى تتلمذ على أيديه، أصحاب الفكرة القومية، انكمش وانعزل فى حدود مفهوم ضيق ولا حدود له ! ونفى عن أصحاب فكرة أمة اللغة الواحدة اى معقولية، لكن نفى المشترك بينه وبينهم لم يجعله يقول بالوطنية فى مقابل القومية، حتى اننا لن نجد فى كتاباته اصطلاح الثقافة الوطنية بالمرة، كما لن نجدا أي اهتمام يذكر او متابعة للكتابات الليبية (الوطنية)، لقد جرد الوطن من الثقافة الخاصة، ورسم عبدالله القويري فكره مجردا من أي تشخيص ووسم كتاباته بالذهنية المفرطة؛ فهو باحث عن ضالته لتعين مفهوم الوطن حيث تكون.

وقد دخل لأجل ذلك ايضا فى معركة ضد الشكلانية لان الشكلانية تنفى الجوهر، وكان المعلم الذى يرى فى الشكلانية لعبة التلاميذ الفاشلين، فكان الشكل عنده معقولا بالقوة لأن الشكل يستمد وجوده من الوجود، أى أن الفكرة أم الشكل.

ولم يكن مدرسيا / ولا مذهبيا، بقدر ما هو صاحب الفكرة المحددة التى لاحدود لها؛ كان عبدالله القويرى حواريا أى جدليا مثل أستاذه افلاطون الذى قدم حوارياته المعروفة يقبل الاطروحة الضد لينفيها، ان حوارياته الكامنة فى كل مقالاته وخواطره وما أسماه مسرحيات هى حواريات الفكرة الواحدة التى تنقسم لتنقسم، وكأنها منولوج واحد يلبس قناع ديالوج، لهذا اهتم اهتماما مبالغا فيه بالكلمة، لا الكلمة الحية بل الكلمة المطلقة فكان قاموسيا يبحث فى الدال عن مدلوله الواحد المحدد والنهائي، الذى ولا شك تضمه دفات المعاجم حيث الكلمة ذات البعد الواحد.

يمكن أن نشير هنا الى كتابه "ذلك العساس" وجهده المستميت فى البحث عن المعنى المنجز القاموسي لكلمة "شوفينية"، ونفيه للمعنى الاصطلاحى الذى اصطلحه أصحاب الفكرة القومية لهذه الكلمة. ان الكلمة خيمة عبدالله القويرى التي تقيه رياح الآخر، وسلاحه  لمحاربة قبائل القبلى، فالكلمة عند القويرى محددة وقائمة بذاتها تعطى معناها الثابث والأزلى حيث تحل. وقد قام لذلك بجهد مضني لأن الكلمة عنده لم تكن فى البدء وحسب ولكن الكلمة هى الوجود أو هى منزلة الوجود كما اللغة عند هيدجر، والكلمة هى قطر الدائرة؛ الهوية التى مركزها الذات، ولعله لهذا لم ينحت ولم يكن اشتقاقيا فى اللغة بقدر كونه اركيولجى.

وهكذا بصيغة أخرى قد تبدد الصيغة المذكورة آنفا، بدأ مفهوم الهوية عند القويرى مفهوما ثالوثيا : الذات المركز التى هى جوهر، الوطن المفهوم اللآزلى الذى توطنت عليه النفس، لا بالميلاد أو باللغة ولكن بالتوارث، فالمرء يرث وطنه أينما كان وكيفما كان؛ حتى ان القويرى يحلل لعنة أوديب سوفوكليس، بانها لعنة الوطن التى تطارد كل من يعبث بقدره/وطنه، يحاول الفرار من ظله، وكذا عطيل شكسبير الذى بدأت جريمته ساعة ناء عن مغريبته/وطنه. والكلمة حيث الوجود والانسان هو كلمة، التى هى ليست اللغة الام وحسب، بل الكلمة الكينونة وجدان الوجود الانسانى دم العرق.

 والقارئ "وقدات" السيرة الذاتيه لعبدالله القويرى يلاحظ الحاحا على العزلة، عزلته فى مهجره، ثم تأكد هذه العزلة، عزلة العائد الذى أخذ عن ذاته بالانشغال فى بحث مضن عن معنى لكيان لهذه الذات. وان الوقدات ليست أكثر من سيرة ولكنها سيرة لسيرورة باحثه عن الوطن، مشوبة بهذا الغموض الشعرى الذى لبس مفهوم الهوية، عند عبدالله القويرى. رغم كل المحددات التى أشرنا اليها ولعل لهذا، فإن عبدالله القويرى أكمل عمره الابداعى والطبيعى بأعمال صوفيه، تستعيد ذاكرة شعبوية لسماء ووقائع صوفية محلية من مدينة اجداده من كأنه نام على قبرهم ليستمد الرؤيا،  ثم غادرنا ليضمه نفس القبر، تاركا توضيحات غامضة لرؤية أكثر غموض؛ تستاهل كل الجهد للبحث والدراسة وكشف مكوناتها ونتائجها وارتباطاتها. حيث كأن وصية عبدالله القويري: في الأخير فإن مشكل الهوية ليس مشكل الذات المتعينة بل مشكل الذات المفارقة أو على الأقل الملتبسة، لهذا لا بد من البحث عن الحاضر في الغائب وعن الغائب في الحضر؛ عن الخاص في العام عن التاريخ في المستقبل، فكأن وجودنا يستمد من هذا المستقبل الذي ان تمكنا من تحديده تمكنا من ايجاد صيغة لمعنى وجودنا؛ نحن الذين نصيغ ونصوغ معنى الكيان، وغربلة امبراطورية الرمل لا يتم بغير غربال المستقبل، أنتم يا أبناء الرمل الذين توجدون في المجهول .

 

الأولـــــى | الـرئـيـسـيـة