قراءات في التجربة الليبية

 

يريد عشيقي إبقاء لساني في فمه؛ لا من أجل اللذة، ولكن ليفرض حقوقه علي.

عطر النزوة في الشعر النسائي الليبي

 

أحمد الفيتوري

 

 

 

الرسم بألوان الـماء

{الكل يُولَد من تعارض، وكلما كان التعارض مهمِّـاً،

كان الكل حسياً وملموساً وحياً}/ (تاديوس كانتور) مسرحي بولندي.

 

الأنوثة نزوة تلتهمها حَيَّة خنثية تُدعَى الأمومة، والبيت هو الـجنة التي تـحت أقدام هذه الأمومة. وهذه النزوة هي قلق النوع، القلق الـمُدمِّر، الـمرآة التي تـخفي تـجلِّي الـجسد الـمحكوم بالـمكان الأزلـي: البيت الذي ليس مُـجرَّد احتجاج ضد الفقد، لكنه تأكيد للاختيار الاضطراري، قهري وإرادي فـي نفس الوقت. قهري من حيث إن الأنوثة عابرة فـي لغة مركزية القضيب، وإرادي لأنه الإمكانية الـمُتاحة للوجود، فالتحقق كامن فـي الانصياع، فـي الضرورة.

لـهذا فالـمرأة كائن مُـجرَّد يقع تـحت طائلة تصورات ومفاهيم أكثر منه كائن اجتماعي له خصوصيته، فالـمرأة إمـَّا أنها: [تشبه الرجل (إنسانة، عاقلة، أخلاقية) وتـختفي خصوصيتها فـي هذه الـحالة، أو أنها لا تشبه (طبيعية، لا عقلانية، حدسية، لا أخلاقية، مُغوِية)، ولا تكون فـي هذه الـحالة إنسانة كاملة بطريقة أو بأخرى. أو أنها مُكمِّلة للرجل (زوج، أُمّ، انعكاس)، وتكون فـي هذه الـحالة إسقاطاً للذكورة على تعريف الذات. والنتيجة هي تلاشي اختلاف الأنثى واستقلالـها مهما يكن نوع التصوير الـمستخدم.]. فهي قضيب مقلوب / معكوس بالاصطلاح الفرويدي، وكائن مُـختبري مؤجَّل الصيرورة، والْتباسي وصامت، وحيث صمت الـمرأة (أثر من آثار نفيها فـي الوسط الـمنزلـي الـخاص، وهو بالمثل نِتاج لاقتصاديات مركزية القضيب التصويرية) فالـمرأة مشكل ووسواس قهري اجتماعي أو بروليتاريا مركزية القضيب. ولأنها كذلك فهي مُصادَرة تـحت طائلة مفاهيم مُـجرَّدة، مُسلَّعة، وبقلب مفاهيم السوق يتم وضع رأس الـمرأة على الـجذع، وهذه الأساطير (أثر من آثار تقسيم العمل الإنتاجي والتناسلي، وهي بالـمثل نتيجة لكبت الأمومة والأنوثة فـي تصور ذكرى للذات. ويتم بالـمثل على مستوى اللغة والنصوص التي تصوِّر النساء كمرغوبات وليس كراغبات)، الذي من أثره انمحاء الذات ومسخ لـجسد الأنثى، وبالتالـي انعدام إمكانية الإبداع الـخاص، إبداع النوع. والكتابة الأنثوية، كضرورة لـحدوث أي تغيير فـي الـحالة الاجتماعية والـجنسية الذاتية، تقع تـحت طائلة النقد القسري (الذي يصوِّر بصورة غير ملائمة كتابات النساء بالـجنس والنوع، ويتجاهل الكاتبات تـجاهُلاً تاماً، ويـمحو خصوصية النساء وكتابتهن فـي عبارة عامة). فكتابات النساء إمـَّا أنها كلام نسوان أو الأظافر الطويلة، بَوح يشفّ عن نفسية تنضح بالكآبة والقلق، ويـمجِّد العناصر الأنثوية بـمعنى آخر وَحْوحة مكبوت وآهات (أنوثة تـئن كالـحيوان الـجريح فـي قـفص، لا تـجد لـها مُتنفَّساً مهما كان نوعه ــ فدوى طوقان).ومثل هذا النقد مشرحة النص الذي يتم إقصاؤه فـي غياهب مفاهيم مركزية القضيب، حيث النص فعل مُتَعَدٍّ لا ينص على الـمنتج، أو ينص بالـمعنى القسري الـمشار إليه، فيؤطّر ضمن مفاهيم عن الأنوثة/ النوع: فالـمرأة لا تنتج ذاتها، ولكن ينتج الـهُو ضمن أُطُر مركزية القضيب، الكائن الإنساني واحد أحد.

(أيتها الكلمات العرجاء

اعتنقي الصمت).

[ خديـجة الصادق ].

 

لقد تـم إقصاء الأنوثة فـي الكتابة النسائية حينما اعتُبِرت كتابات مُـجرَّدة من خصوصيتها، أو أنها وَحْوَحة مكبوت، يـمكن قراءة ما بين السطور للبحث عن رغبات دفينة، ونُعِتت بالكتابة الشهوانية: (يبدو لـي أن الرجل مُساوٍ للآلـهة ــ سافو). هذا هو الـمجال الذي ظهرت فيه الكتابة النسائية (عادة الضغط على عواطف الـمرأة وإخراس صوتها، فكان أيسر لـها أن تتخذ لـهجة الرجل الـمُصرَّح له بـما يُحظَر عليها ــ مَي زيادة). وبذا فنحن لا نـجد دراسة جادَّة للإبداع الأنثوي، ويقظة الأنثى العربية منذ (عائشة التيمورية، نازك الـملائكة ). ومَن تـحدَّث عن هؤلاء الـمبدعات فإن الأمر (كان فـي مُجمله عملية تزيين حضارية أكثر منها دراسة جادَّة لصوت الـمرأة ــ ظبية خـميس). وبقيت الـمرأة كما بقيت (مَي زيادة) النموذج الذي عشقه الـمبدع العربي فـي السر والعلانية، فيما بقي إبداع الـمرأة بـمعزل عن حرية الإبداع العربي حتى عند الناقدات العربيات: خالدة سعيد، يـمنى العيد، فريال غزول. فمازال هذا الأمر بعيداً (عن الـخاطر، وخاصة فيما يتعلَّق بدراسة صوت الشاعرة العربية، إذ يبرز غالباً فـي هذا الـمنحى نوع من الـهيمنة الأدبية، التي تأخذ شكلاً مُتطرِّفاً يـحاول أحياناً أن يبسط هيمنته عبر دور العَرَّاب الـمبارِك لتجربة أدبية ما، أو الـجلاَّد الـمشغول دائماً بإبراز عيوب ووهن شهرزاد الـجديدة)، التي يتحتم عليها عند الكتابة أن تُلغي جسدها من رقبتها حتى أصابع قدميها.

ورغم الـحظر الذي فُرِض على كتابات النساء كلها، حاولن أن يوثِّقن أنفسهن، فالنساء لا يردن أن يقوم الرجال بتغليفهن، ولكن أن تكون لـهن الـحرية فـي وصف أنفسهن:

(يريد عشيقي إبقاء لساني فـي فمه

لا من أجل اللذة

ولكن ليفرض حقوقه علي.

ــ امرأة أفغانية )

 

الكتابة الأنثوية الليبية:

أول الـخمسينيات من هذا القرن العشرين، أول ما عرفنا من الكتابة النسائية الليبية، فـفي هذه الفترة كانت قد صدرت أول مـجموعة قصصية ليبية: (القصص القومي) للأستاذة زعيمة الباروني وكذا صدر كتاب الرحلات (ليبية فـي لندن) للأستاذة خديـجة صدقي عبدالقادر. بدأت هذه الكتابة بالسرد والـحكي وتسجيل الانطباعات الأولـى فيما كانت الـمرأة قضية تنمية ووعي، مـحور الـجدل الدائر آنذاك، والذي لـم يتوقف تـحت شعار (الـحجاب والسفور)، أي ثنائية الـحداثة والأصالة. كان هذا الـجدل رجالـي الطابع فيما كانت النساء تدخل مُعترَك الكتابة والقضايا الاجتماعية: خديـجة الـجهمي الصحفية الأولـى تكتب أغانيها الغزلية الرائـجة وتوقِّع بـ (بنت الوطن)، زعيمة الباروني تكتب قصصها وتوقِّع بـ (بنت الوطن)، دون اهتمام مباشر بالـجدل الدائر، وكأن السفور عندهن هو حالة الكتابة ذاتها.

[طُبِع هذا الكتاب فـي زمن غير زمن أهله، فكان نصيبه من الإهمال بل والعرقلة نصيب صاحبته (زعيمة البارونية)، فكان لا بُدَّ من الـحذر وترك القصص بدون أسـماء، وغيره ــ زعيمة البارونية (بنت الوطن].

كانت الكتابة الأنثوية مُحاصَرة بصمتٍ مطبق، فيما كانت قضية الـمرأة الشعار الصارخ وصدوح الـمرحلة. وأخذت طاحونة الشيء الـمعتاد هذه الكتابات وقصَّرت من عمر الكاتبات حـتــى السبعينيات، حيث برزت أسـماء أخرى قلبت الطاولة (مرضية النعَّاس، لطيفة القبائلي، صبرية عويتي، شريفة القيادي، فاطمة مـحمود، سامية الـمسماري، فوزية شلابي، خديـجة الصادق، عائشة إدريس، حواء القمُّودي، مديـحة النعَاس … وغيرهن). وهذه الأسـماء هي أصوات الكتابة الأنثوية الليبية بتباين أعمارهن ونوعية الكتابة، هن يـمثِّلن الـحالة الإبداعية الأنثوية الراهنة. لكن سوف أختار هنا ثلاث شاعرات، هن صوت شعري خاص فـي هذه الـحالة الإبداعية، ولـم أختر شاعرة واحدة لقلة الإنتاج الذي يُمَكِّنني من الاختيار، وهن شاعرات بنبرة صوتية واحدة، فالـمشترك بينهن هو عطر النزوة الذي جـمع اختلافهن الـخلافـي!:

(فاطمة مـحمود: بدأت النشر فـي السبعينيات، ولـها ديوان: ما لـم يتيسَّر.

خديـجة الصادق: بدأت النشر فـي الثمانينيات، ولـها ديوان: ليل قلق.

مديـحة النعَّاس: بدأت النشر فـي التسعينيات، وليس لـها أي ديوان.)

و الأصوات الشعرية الثلاثة تبيِّن أن شعر الـمرأة الليبية يبدو نزوة وتَوْق للانفكاك من مشاغل ومن واجبات يومية وعسعسة حارس لا يكلّ. فالـملاحَظ أن الكتابة الشعرية ليست الشغل الشاغل ولكن تبدو وكأنها طَوْق نـجاة أو الْتقاط أنفاس أو حالة تسلُّل الـمرأة من مـملكة الرتابة إلـى مـملكة الشعر. وسرعان ما يلبس الـخفاء ما تيسَّر من شهوة الكتابة فـي ليل قلق، ويتبدَّد هذا التجلِّي. إنها شعرية النزوة والوجع الرومانطيقي البريئة من أية حذلقة، التي هي ارتباك الفنان أمام البياض. لـهذا فإن نتاج الـمرأة الليبية الشعري قليل وهي (تتكئ على حافَّة الصمت) لترسم بألوان الـماء على هذه الـحافَّة أوجاعها، وتترك الشعر بـمشاغل لا تَحَدّ. واخترت أيضاً هذه الأصوات الثلاثة لأنها تكشف النزوة الأنثوية التي حدَّيها حَدُّ واحد: الطمث.

 

زعيمة سرب الزقزقة:

فاطمة مـحمود، شهرزاد الـجديدة، الصحفية، كاتبة القصة، الشعر. التي تأخذها مشاغل عن مشاغلها فيما لـم يتيسَّر، حيث لا مـجد لعزلة أو سر:

(الذين

نزلوا

إلـى الأعماق

هم حَكَّاؤون فقط

يُروِّضون لغة لعلنا خبرناها.)

 

وتبدو الشعرية عند فاطمة مـحمود هي هذا السر الذي يلعق أيامنا، لعبة الزمن الـمكائد التي يتلهَّى بها الـحَكَّاؤون. شهرزاد التي تُـبدِّد الوقت بسردية عبثية، فما ذهب ذهب وما (يـحدث خارجنا صيغة أخرى ). أمـَّا صيغة التهكُّم اللاذعة فهي من أساليب الاعتراف، الاعتراف الفعل السلبي، فالكتابة الأنثوية هكذا نوعية، إنها كتابة البياض / الفجيعة، فالـخنساء لـم تكن ترثي أخاها ولكنها مراثي الـمهزلة، فـجائع العدم. ولـهذا يبدو نَـص فاطمة مـحمود متجهِّماً عابساً وهو يشفّ عن روح غموض يـحيط بنا ويضحك (ضحكاً ينمل فـي الأطراف).

(وأنا

أبصق أملاح النهار

ما ضرورة

أن أُهندم الأمكنة )

 

والسؤال ليس صيغة، ولكنه منزلة الوجود، فـ

(ما ضرورة أن نـحزم أجسادنا

حقائباً

مـحشوَّة بالنوافذ الـمرتـجفة

صوب خلاءٍ موصَد)

 

البيت موصد بأبوابه: الـحزام، الـحشو، الـخلاء، وكأنها مترادفات لـخلو الـمعنى لعقم الضرورة وهكذا شعرية تنزع للخراب وليس للتخريب، للتسليم: فالشعرية -كما السردية- ترويض لـما خبرنا، لـما اعتدنا، لأوهامنا الـمتجدِّدة، للموصَد.

(وأنتِ تلوحين لـي بطفولاتك

كـم أنزع

لأن

أَلِدَك.. ألف مرّة)

 

والتكرار ليس نزعة، إنه السر والـجنوح، فهكذا أخذنا، هكذا أدركتنا اللعبة: الرخويات، الأصداف، الـحلازين، النطف..، إنه التكرار.. النقر فـي الفراغ.

(إذ

يـحين دوري لأفهم

فإن الـمشهد يصير

فان جوخ يقطع أذنه.

رامبو يعود بساقٍ واحدة

ديك الـجن

يُحيل امرأته إلـى كأس

من رماد

ويشرب موتها اللذيذ

ماياكوفسكي

يفتح ثُـقـباً فـي رأسه ويهرب)

 

صيغة الـمشهد سيناريو التكرار، التقطيع، إعادة اللقطة، الـجملة من جُمَل الإعلانات الـمقتضَبة والـملصقات فـي الأفلام الأمريكية، فكل شيء مُعَدٌّ سلفاً. والتكرار يأكل نفسه فـي كأس الرماد، كذلك اللغة عند فاطمة مـحمود يأخذها الصمت، وتلعب بقواعدها، تُسقِط عن الـمبتدأ خبره، عن الـخبر مبتدأه، ليس ثَمَّة فواصل ولا قواطع، كُتَل هلامية منهمرة كأنها دم متجلِّط، هذه الـحقائق الـخالية من كل شيء إلا كونها حقائق صفيقة وطمث التكرار والفجيعة الأولـى، فكل مولود يولَد بـموته، والدم لون الـمشهد الأساسي.

(وحين

مطراً ملوناً على لاشيء

حين

يُدَقّ بابي

إذ فجركم فـي فراشي)

 

الشعرية إفساد الـمشهد، ازدهار الـخراب، صيغة الدم، الطمث، تـحطيم وهم الاتساق، فالتكرار ليس اتساقاً والسؤال مشهد مستعاد، والتخريب الظاهر سبب وليس نتيجة (يكفي أن نتذكر الـمرات الكثيرة التي كان فيها الدادائيون والسرياليون يتركون للصدفة صناعة الأشعار. ويكفي أن نفكِّر فـي اللذة الكبيرة التي يشعر بها الشاعر الروسي كليـبنكوف إزاء الأخطاء الطباعية: إذ كان يعلن أن الـمحار قد كان أحياناً فناناً بارعاً. إن عدم فهم العصور الوسيطة هو الذي كسر أطراف التماثيل العتيقة، واليوم فإن النحَّات هو نفسه الذي يقوم بهذه الـمهمة ــ رومان ياكبسون ). هذه الشعرية صُدْفة فهي نزوة، وصَدَفة فهي الأنوثة النزوة فـي مـجتمع مركزية القضيب.

(حيث تـفقأ تحت شـمس مـخسوفة

دمامل الذكورة.)

 

إن تكسير الأطراف فـي هذه الشعرية تطريز النزوة، لا النزوة العابرة، لكن نزوة الـحياة والوجود، فالكتابة –هنا- لـحظة الانفلات من الـخلاء الـمُوصَد، التبدُّد، إنها موسقة الفراغ الذي هو قولبة الـمرأة فـي مفاهيم، مفاهيم مـجردة تنزع الروح.

(لذلك

أعلك كل هذا

أُعيد على ضرسٍ نشط دورة تصلُّبِه

” الطرقعة ” تزعج نعاس

صديقي

ليس فـي فمي ما يشغلني الآن

أعصف

فـقط)

 

السرير، النوم، الـهواجس، التعب، الـجثة، الـموت، الانزواء، الـمبايض الـهرمة: مفردات الـحالة الشعرية لفاطمة مـحمود، التي تُظهِر النزعة الأنثوية: البيت الاختيار الاضطراري، قبر الـحياة الدنيا، فالشعرية الأنثوية ذات نزعة ــ هنا ــ نزعة البيت وإيقاعه الذي يشفّ عن حالة الفقد للسيرورة، فيصير الـموت الـملاذ.

(تقضم النساء الفزِعات حليبهن

إذ

يلمحنني

ناسجة نصي

كفناً لـموت ايروسي.)

 

إن هذا النص الـمشبوق بالـموت يفصح عن مصير مرسوم، وعن احتمال وحيد، هو الاختيار الاضطراري.

(هكذا قولبت لنا الـحياة)

 

ولـهذا فإن نَص فاطمة مـحمود نَص الفزع. يتوج بعتم ناعم، كي لا يرى، وكي يذهب فـي نوم طويل، وهذا النص الأيروسي به نزعة للإغماء، فهو يظهر متماسكاً ومسبوكاً ومتحذلقاً كي يُخفي اضطراباً كامناً فـي الـمصير.

وفاطمة مـحمود لـم يـحدث أن اشتغلت على نصها، على الشعري، بل إن هذا النص كان مركوناً فـي خزائنها: الذاكرة والـمكتب، وكانت تنشغل عنه بأي شيء حتى لا شيء، ولكن هذه البنية الـمُحكمة فـي النص تُظهِر إشغال الشعر لـها عن بقية الـمشاغل، وبالتالـي يبيِّن النص هواجس انـمحاء الـخصوصية للأنثى فـي تلك الـمشاغل.

(هكذا.. هكذا.. أنياب

تُحدِّق فـي لـحمي.)

 

الـجسد الـمغتال فـي الرسالة:

تـبدو خديـجة الصادق شاعرة الـمشاغبات اليومية، والْتقاط اللحظات الاعتيادية، غير مهتمة بالشعرية بقدر اهتمامها باللحظة التي تـختزل الشعرية، وتُفَجِّر لـها طاقاتها الأنثوية. فتعارك جسدها بلغة الصمت الـمتواتر والـمتوتِّر وكأنها فـي ورطة. فالشعر ورطة أخرى كما جسدها ورطة، ولقد قيل بـحق (إن الـممثل حينما يزيل القناع فإنـما يفعل ذلك لأجل أن يُبيِّن مساحيقه)، كما تبين نصوص خديـجة الصادق شعرية الأنوثة فـي ذاتها ولذاتها. فمسافة التوتر تُظهِر العلاقة التضادية بين الأنوثة/ طبيعة، وبين الأنوثة/ نزوة، فـي مـجتمع مركزية القضيب، ومن جهة أخرى بين الـمفردات الـحادة وبين ليونة الـجملة. ويشفُّ نَص خديـجة الصادق عن هذا التوتر التضادي، فـ (الولادة لا تكون إلا من لا شيء)، فالشعرية فـي هذه النصوص عزلة من كل حذلقة، وكأنها الضوء الذي يعبر من الشعر إلـى النثر. إنها تأخذ على نفسها نثر هذه الـحالة الشعرية، انكسار البساطة فـي حالة كهذه/ الـجسد الـمتمرِّد على الـحرير، أو البراءة الـمطفية. إنه نَص القتامة المليء بالفجائع والانكسارات: (قاتـمة ضوضاء اللهب)، والـجسد الـمخذول الرغائب يظهر فـي هذه النصوص قاتـماً حَدّ الانـمحاء رغم لـهاثه، فـتبدو الشعرية فـي هذا النص شعرية ازدواج الأحاسيس: (أي إحساس ليس خالصاً ما لـم يـمتزج بإحساس مناقض له).

(خشية الـجحيم والآخرة

لونت ثوبها القاني

بلون الوقار

لكن ذات الساق

مازال مارقاً

وشهوة الـجسد

تصطاد عُشَّاق النار.)

 

إن الانكسار حسيّ فـي النص، وكذلك الفجيعة الـمليئة بالنتانة والعفونة، والوقت الـممطوط حيث الـمرأة أرملة النهار. إن هذه الـحسيَّة تـمزج الإحساسات الـمتناقضة فيصير الليل الـمبتغى نهاراً. ويـخيم على الإحساسات طول الوقت الـممطوط، وتُظهِر هذه الـحسية إحساسات الـمرأة بفجيعة وجودها:

(عندما

كنت أختبئ فـي الـمنام

سرق أحدهم وجهي.)

 

وإيقاع الانكسار يشوب نَص خديـجة الصادق، فكأن الشاعرة تسير فـي حقل ألغام، أو أنها فـي لعبة (استغماية)، فـيبدو النص فـي البداية بـجملة سلسلة، ثُمَّ فـجأة يُظهِر انكساراً حاداً بين بداية النص وآخره، وكأنه سلسلة من الـمفارقات. إن خشية الـمرأة من رغباتها هي حالة الـمفارقة التي تندسُّ فـي إيقاع النص وإيقاعية الشعرية الأنثوية، فيبدو النص الأنثوي نص الـمفارقة، الفصيح الكتوم، الفاضح الوقور، النثري الشعري، النبري الصوت ” الـجسد الـمغتال فـي الرسالة ” هذا هو نَص خديـجة الصادق.

(قارورة عطر

رخيصة

خبأت فـي حناياها

يوماً شهياً