حرف الياء

يوسف الشريف

بطاقة تعريف..

الاسم: يوسف محمد الشريف

تاريخ الميلاد : 1938

مكان الميلاد : ودان / ليبيا

مجالات الكتابة : القصة القصيرة – قصص الأطفال – المقالة.

 

تعريف قصير: ليسانس علم اجتماع، بنغازي 1962، بدأ كتابة القصة القصيرة منذ العام 1958، تولى منصب مدير الإذاعة عقب قيام الثورة في 1969.

· وهو من رواد القصة الليبية الأوائل، ويعمل حالياً مستشاراً لمجلة الأطفال ( الأمل)

 

إصدارات:

- الجدار (قصة)/65

فازت هذه المجموعة بالجائزة الثالثة في مسابقة القصة القصيرة لسنة/65

- الأقدام العارية (قصة)/75

-  ضمير الغائب (قصة)/76

- هذا كل شيء (قصة)

- أكثر من 100 عنوان لقصص الأطفال في أكثر من سلسلة.

 

 

 نماذج من إبداعه..

بزنـس

 

أقتله ..

اسأل عنه سطور الكتب المحظورة ومظاهرات الساخطين وجمعيات حقوق الإنسان والزنازين التي تعفنت بأجساد من دخلوها... الهواء مشبع برائحة الورق... والكتب تحتل كل مساحة الجدران والأرض وعلى إفريز النافذة المغلقة... نظر من خلف زجاج نظارته.

تفضل..؟؟

قالها وهو يفسح لي الطريق إلى كرسي قريب...، لم يتلق رداً مني ... كنت أتفحص تفاصيل وجهه الصغير ... قال في إنجليزية طليقة ..

" كان أي هيلب يو ؟CAN I HELP YOU  "

تراجع خطوتين فيما كفه الصغيرة تختفي داخل جيب سترته الخارجي.. كان واضحا أنه فوجئ بصمتي وسكوني ...

أقتله..

لا تخدعك نظرة الطفولة في عينيه.. قطعة الفولاذ الصغيرة الكاتمة تندس بين لحمي وثيابي فتحتويني طمأنينة مطلقة...

أقتله ..

أصابع يده تعالج علبة التبغ في اضطراب ظاهر، عندما أشعل عود الثقاب تأكدت أنه يغرق في بحر جليدي... لم يبتعد بنظراته عني.. خلف زجاج النظارة رأيت عينين قاطعتي .. تقدمت نحوه خطوتين.. لم يتراجع لكن العرق نز من جبهته وتقاطر على أرنبة أنفه وشفتيه فظلل زجاج نظارته بغيمة ضبابية، امتص أنفاساً شرهة متلاحقة من لفافة التبغ ثم سحق ما تبقى منها بالمنفضة الصغيرة التي توشك أن تختفي في ركام من مجلات اختلاف رسم حروف عناوينها.. فعل ذلك بقسوة متعمدة.. واجهني مرة أخرى.. تمتلكة حيرة فيما يجب عليه أن يفعل.. فرد ذراعيه ثم أسقطهما في استسلام غاضب.. فجر رنين الهاتف بغرفة داخلية الصمت بيننا، التفاتي جهة الباب المغلق كانت خاطفة نظر إلى بعينين لم يخف إطار نظارته هالة زرقاء تحيط بهما فيما الانتفاضة الخفيفة من ذراعه القصيرة تقول "لا تهتم..." تفضل ؟ قال بصبر نافذ ..

أقتله.

كنت أفكر في تسارع الزمن أو مفاجأة غير متوقعة.. عندما ضغطت على زر الجرس الخارجي كان هو الذي فتح.. لم يكن حذراً.. ابتسم وفتح الباب على مداه كأنما يستقبل صديقاً لم تقصر غيبته.. سبقني، كان في إمكاني أن أنهي مهمتي في تلك اللحظة، لكن الاستدارة السريعة لجسده وهو يخطو بخطوات قلقة إلى الداخل لم تسعفني من رصد ملامح وجهه الذي تبين لي فيما بعد أنها ملامح موظف أرشيف عتيق ..

أقتله.

لم يكن ضوء الغرفة قويا أو هكذا خيل إلي ولم يكن هو بعيداً عني.. تفصلني عنه مسافة ذراع ليس إلا.. لم يجلس.. كان يتوقع مني أن أفعل ذلك قبله لكنني تجاهلت نظراته المتسائلة كأنما هي جدران الغرفة، هذه الكتب.. كل شيء أمامي يتحول إلى كتاب.. لماذا يقرؤون الكتب ؟ اجتاحتني موجة حقد عاصف...

أقتله..

هي المرة الأولى وأنت جدير بها كذلك قال الرجل الذي يقف في المساحة المعتمة من الغرفة الشاسعة.. فيما أصابعه تفتح محفظة صغيرة أنيقة..

يكفي أن تصوب، ثم تضغط... لن يستغرق الأمر سوى ومضة.. لا تلقي (به) في وعاء النفايات... سنحتاج إليه وربما إليك ..

انقطع رنين الهاتف عند النداء الرابع.. أيقنت أنه وحيداً... أشعل لفافة تبغ أخرى ولم يقدم لي واحدة، كنت سأرفضها وكانت من نوع رديء.

انطلقت كفي بوهج البرق.. ثم صوت مكتوم وصوت آخر لزجاج يتناثر.

للأعلى

 

المطر يسقط في الصحراء

(من قصص الأطفال)

 

ريح الجنوب يا صغار، ريح حمراء أو صفراء أو سوداء، وريح الجنوب يا صغار، تجيء في الصيف من مسكنها في الصحراء، حارة وجافة ولا تشرب الماء، سريعة وقوية، لا تحب الأشجار فتقتلعها، ولا تحب النبات الأخضر فتحرقه، ولا تحب البيوت فتهدمها، لا تحبها الحقول والمزارع، ولا يحبها الأطفال، لا تحبها الشمس لأنها تغطيها بغبارها، ولا تحبها الطيور لأنها تخرب أعشاشها وتكسر بيضها، ولا تحبها الحيوانات الأليفة لأنها تهدم حظائرها، وريح الجنوب يا صغار، لا تحب فصل الربيع، لأن الربيع يسد عليها الطريق ويمنعها من المرور إلى البيوت وإلى المزارع والحقول، لأن الربيع هو أجمل الفصول وأحلاها، فيه النسيم عليل، وفيه السماء زرقاء صافية، فيه الشمس دافئة والزهور والورود متفتحة، وفيه العصافير سعيدة مغردة، وفيه النعاج تلد حملانها، وفيه الأطفال يخرجون إلى الحدائق يلعبون، فيه كل الكائنات الحية تعيش سعيدة بجمال الربيع وخضرته، لكن في هذا العام يا صغار، جاءت ريح الجنوب في الربيع، جاءت على غفلة والربيع يلبس أزهى حلله ويغني أجمل أغانيه، فاقتلعت الأشجار وخربت بيوت العصافير، ضربت كل شيء كأنها غول مجنون، لكن شجرة زيتون صغيرة وقفت في وجه الريح، ضربتها الريح فلم تسقط، صرخت الريح.. تنحي عن طريقي يا شجرة الزيتون ؟

قالت شجرة الزيتون : لن أتحرك من مكاني، عودي إلى بيتك في الصحراء.

ضحكت الريح وقالت : سأعود إذا جئت أنت معي.

سألتها شجرة الزيتون إلى أين ؟

قالت الريح : إلى الصحراء .. الصحراء الواسعة.

قالت شجرة الزيتون : ولماذا ؟

قالت الريح : لتموتي في الصحراء.

قالت شجرة الزيتون : لن أذهب معك ولن أتحرك من مكاني.

قالت الريح : وأنا سأقتلع كل الأشجار إذا لم تأتي معي.

فكرت شجرة الزيتون كثيراً ثم قالت : أموت أنا ولا تموت الأشجار.

وهكذا، اقتلعت ريح الجنوب شجرة الزيتون الصغيرة وحملتها إلى الصحراء وألقت بها فوق كثبان الرمال.

وهكذا، فرحت الأشجار والطيور والحيوانات، الصغيرة والكبيرة، فرحت لأن الريح ذهبت إلى مسكنها في الصحراء وعاد الربيع، لكنها حزنت أيضاً لأن شجرة الزيتون الصغيرة ستموت في الصحراء ..

في السماء، بكت سحابة ربيع صغيرة، وفي العش بكى طير صغير، ثم رفرف وطار ونادى كل الطيور والعصافير، أما السحابة الصغيرة فسبحت في السماء وذهبت إلى سحابة الشتاء .. قالت لها : يا سحابة الشتاء، ريح الجنوب أخذت شجرة الزيتون الصغيرة لتموت في الصحراء.. أنت فيك ماء كثير، تعالي واسقي شجرة الزيتون ..

وهكذا، جاءت الطيور من غاباتها وحقولها وبساتينها، نزلت عل الأرض وجمعت كل بذور النبات، وجاءت سحابة الشتاء بمائها الغزير، ورحلوا جميعاً إلى الصحراء، وفي الصحراء وجدوا شجرة الزيتون الصغيرة معفرة بالتراب وكثبان الرمال تحيط بها من كل مكان ... ألقت الطيور ببذورها وسكبت سحابة الشتاء ماءً غزيراً، وما هو إلا زمن قصير حتى ارتفعت شجرة الزيتون في السماء، وخرج من البذور نباتاً واخضرت الأرض، صارت ربيعا، بكت ريح الجنوب وخرجت من مسكنها في الصحراء، واختفت.. ماتت ريح الجنوب وبقيت شجرة الزيتون.. وصارت كل الأرض ربيعاً.

للأعلى

 

قائمة الحرف | القائمة الرئيسية