|
المسيرة
الذاتية للمفعول به
ما من
موجب لأن تجد نفسك في المرآة أو تراها, كما لا موجب من أن تحب الآخرين في
التلفاز أو تراهم, لذا وذاك مشيت بغير وجه وكانت (السَّبْسبُْ) تأتي
باتجاهي تبذر رمالها في حجرات قلبي حتى تتوارى الحوائط التي رفعت فوقها
اليقين وتجعلني حمادةً كبرى لا لون لها، وتأخذ روحي إلى البعيد حيث تبدو
لي طائراًَ مغرياً للقنص أصوب نحوه بندقيتي، وأفتح عليه نيراني مباهاة
بقدرتي على الحياة بعين واحدة وإسكات الثانية وإضمارها.
وبعين
واحدة وبدونها أكره التلفاز الذي يرشها بالدم فيريني سوءات إخواني العرب
ويريني من ورائهم سوءتي, إن إطفائه وظهر شخصي المحدب المقعر في سواد
شاشته أو إن أشعلته وأضأت له المجال ليبرز ويُرى!
ولمّا
أهرب بكرهي للشارع لأفرغه فيه أجد الشوارع، حملت أسماءً فلسطينية فاستحى
دوسها خشية إظهار قذارتي تماماً كما يخشى الناس دوس الطين المبلل حفاظاً
على هيكلهم العام من البلة!
(كأن
الشوارع تحمي نفسها منا بحمل الرائحة القدسية) ولمّا اتجه إلى دروب أخرى
تأخذني إلى حيث أردت يزداد كرهي للتلفاز مقفلاً ومفتوحاً لأن جميع الدروب
التي أتعرج فيها مثله تنتهي بي إلى السلخانة!
ولمّا
أطلب إلى الله أن يختزلني بعوضة يضرب بها المثل في الضعف (تمتاز البعوضة
بأن لديها دم وأجنحة حرة) يبادر الأخوة العرب إلى رشي بالمبيدات والأسلحة
الكيماوية ودهكى بالأكف التي يتضرعون إلى الله بها ليناموا مسبخاً لأن
كمية النوم التي خصهم بها غير كافية لجعل الكائن النائم فيهم لا يحس
ببعوضة, لذا فإما النوم وإما البعوضة, وبناءً على هذا الطلب فقد طلبتْ
أكف الضراعة هدر دمى وطاردتني فارغة من المناشف والشباشب والنشاشات
والمبيدات وملأبها، وقد كادت تنل مني لولا أنى كنت أسبح لله شاكرةً له
اتساع ملكوته, ولولا أنى زودت خزاني الدموي بدماءٍ نقيةٍ حارةٍ خالية من
الشوائب والعوالق, استنقلتها عن حمارٍ كان يحدِّث حصاناً مسرجاً بالذهب
عن مساهمة آبائه الأصلية في فتح بلاد المشرق والمغرب لولا اتساع رقعة
الحضارة العربية.
إنه
لحسن الحظ أصابني حقاً, حيث امتصصت دم الحمار ولم أرشف دم الحصان المحدود
البصر بغطاء ذهبي على العينين (نظارة حيوانية) لترويضه بعد انتهاء
الفتوحات على النظر في اتجاه وحيد ينتهي دائماً إلى إسطبل وجردل شعير.
ولما
تشتد إلى الحاجة للخروج من تلك الصحراء الشاسعة تحت ثيابي وترك (الحمار
السيوي يحدّث) حصانى القعيد أدس رأسي في فتحة القلم التي تنبت فيها السن
فأطل على الحياة من خرطومه بيد أن حالةً من الكراهية سرت إليه فعطلت
فعالياته وأصابته بالكساد الأدبي.
فتوقفت
وظيفته عند حسابات الجمعية والديون وكتابة الوسائط الورقية للمحتاجين
ومخاطبة جمهور الأصدقاء بها في شتى البقاع الوظيفية لإعفاء أولئك من
روتين (الموظف مش قاعد تعالَ بكره) ورحمتهم من عقار الانتظار المضاد لصبر
أيوب الذي يفرضه عليهم الدكتور وباء بطء الأداء الوظيفي.
إلى ذلك
كتابة الأدعية والأمصال الروحية للأخوة والجيران وأبناء السبيل وفي
الرقاب والمؤلفة قلوبهم والمختلة عقولهم والذاهبة شورتهم والمعمية
بصيرتهم والشغوفين بالعلم نجاةً من الشماتة الاجتماعية ومن العمل الحرفي.
وقد
ألفيت نفسي أتفنن في كتابة الأدعية الميسرة للفهم والاستذكار, والحفظ
-المقوية للعجز الذهنى- العابرة للنسيان والحامية من لجان الإشراف
والامتحان ومن القبض على الطالب يغش أو يهم بالغش أو متسلحاً بعدة الغش
-أدعية تيسر حضور الجواب من الرأس أو من الطاق أو من الباب أو من الجار
بالجنب أو من الجيب أو من الجدار أو حتى من ورقة الإجابة نفسها!
ونظراً
لأنه في سابق العصر والأوان شُهد لي بالتفوق الدراسي في كافة المراحل ومع
مختلف المناهج فقد قويت رغبة الأهل في تنميط أولادهم بي, ناسين في الخضم
إني ومنذ سنوات خلت أقعد في البيت بلا عمل سوى دفع التلامذة وحفزهم إلى
التفوق في البقاء دون عمل!
وبينما
محدثتي تحدثني خطر لي إخراج قلمي بهدوء دون أن يراني وهو أحد، لأجربه أ
مازال يستطيع صنع شيء غير دس رأسه كالقنفذ في الزمن الحاضر -ونسخ الاحجبة
في كراسات الإجابة سابقاً. أم إنه تحول بعوضة مهدورة الدم أو (حمار
دونقلاوي) أو حصان مطهم متقاعد, أو فكرة متبخرة لا تتكاثف أو عين وحيدة
أو تلفاز أحمر أو مفازة موحشة أو مرآةً ل اموجب للنظر فيها كما لا موجب
للنظر خارجها?!
هامش:
1 -
الحمار السيوي: نسبة إلى منطقة سيوه يقال بأنه حمار ضئيل الحجم ذكي, يميل
إلى الاخضرار ويشتهر باستخدامه في التهريب.
2 -
الحمار الدونقلاوي: نسبة إلى مدينة دونقله بين مصر والسودان وليبيا تشتهر
بأن فيها أجود أنواع الحمير.
|