حرف الميم

محـمد العريـشـية

بطاقة تعريف..

 الاسم: محمد العريشية

 

تاريخ الميلاد: 1/6/1966

مكان الميلاد: الزعفران-سرت

 

مجالات الكتابة: القصة/ الرواية/ الشعر/ المقال.

 

خريج معهد النفط وعمل لمدة 9 سنوات في معمل لتكرير النفط.. نشر نتاجه الأدبي في العديد من الصحف المحلية والعربية.

 

صدر له :

1 . الرمل الخايب/ قصص- منشورات مجلة المؤتمر

2 . الأيام الأخيرة في علاج/ رواية- دار الفارابي ببيروت

 

3 . سأنتظره/ قصص- تحت الطبع دار الفارابي

 

4 . نساء باليرمو/ رواية مخطوط

 

للاتصال:

Email.sefarune@hotmail.com

 

 

 نماذج من إبداعه..

سـأنـتـظـره*

 

 

كان المطر قد بدأ بالهطول. لم تكن الشمس قد بزغت بعد، بيد أن الرؤية كانت تهز حناجر الطيور بالزقزقة والريح تسوط أغصان أشجار السرو الطويلة. وكان قد بلغ الكوخ قبل الفجر، إذ قطع الليل مشيا تحت الغضب والبرد. مشى ناحية حفرة نار أمام الكوخ قرفص قربها وحرك  الرماد بساطوره فتوهج بصيصا وما لبث أن مات بفعل المطر. عضّ على شفته السفلى وهو يرمي بنظره نحو باب الكوخ وقال في ذات نفسه:

- حقا إن الجبال لا تلتقي...

نهض ودار حول الكوخ واطمئن إذ كان المطر يطمس أثر خطواته. جلس على شجرة رتم وراح يتأمل صخور بحر وضعت بعضها فوق بعض على شكل دائرة وقال محدثا نفسه:

- قبل اسبوع لم تكن الصخور هنا، ماذا كان ينوي أن يفعل بها ؟. ربما يكون قد فقد الكثير من وزنه إن كان هو من جلب الصخور من الشاطيء ؟.

خلع قفازه الخشن ومرر ساطوره على ظفر ابهامه وأحدث خدشين متوازيين ثم رفع رأسه محدقا في السماء، وكان المطر قد غسله، ارتفع عواء الريح وشخر رعد بعيد. أغمض عينيه. وتذكر وقد شحب لونه: كان يوم جمعة. وكان القبلي يهوي بالطير من السماء، وقبل أن يذرّ قرن الشمس، وبدأت الجداجد  بإطلاق صريرها على شكل متواصل، نمى إليه صياح أمه في البيت عندما كان يقوم بتهجير فحل لم يتوقف لحظة عن الهدير وعلى الرغم من أنه نزا على الأعنز بيد أنه لم يفتر عن الضراب. وفيما كان يجالد الفحل لعقد الحبل في رسغ رجله ليشده إلى رجله الخلفية جاءت أمه مزمجرة يتملكها غضب كالسعير.

- أنت هنا تعتقد نفسك رجلا، وابن الكلب قد أنفش غنمه في الأرض.

أخلى سبيل الفحل الذي راح يخمع تحت تأثير الهجار. وعندما استدار لئلا يواجه نظراتها، التقطت حجرا وحصبته به وصاحت:

- اذهب لإعداد العشاء بدلا من أختك.

نظر إليها طويلا من فوق كتفه، ومن دون أن ينبس بكلمة دخل البيت وعاد حاملا بندقية. سار بين أشجار الزيتون حتى وصل آخر الأرض حيث نزعت أعمدة الخشب، وفتحت ثغرة في السياج تدخل شاة. تلفت حوله فشاهد الغنم غارسة رؤوسها في بقل الزرع، عدها، كانت خمسة عشر. أخذ ينظر إليها إلى أن أظلمت عيناه بفعل الغضب، لقم البندقية ومشى نحوها. مر من أمامه طائر بوم وحط  فوق عمود الحد بين قطعتي الأرض وأخذ ينعب فاسكته بحجر. نبح كلب على مسافة من الغنم ثم رفع رجله ليبول على صخرة فصوب البندقية وبدأ به.

أجتمع رجال القرية تلك الليلة لدرء اندلاع عراك آخر وأجبروه على أن يدفع ثمن الغنم التي قتلها بيد أن صاحب الغنم رفض.

- لا أريد ثمنها. لكن أريدكم أن تجبروه على الإعتراف بأن والده قضم جزءا من أرضنا وقد طالبه أبي بذلك فهدده بالقتل. أقول لكم ما لم تحسموا سبب العداوة بيننا لن يفيد رتق الثوب الممزق.

صاح في غضب.

- والدك لم يتمكن يومامن النظر إلى عين أبي مباشرة.

- لقد هدده. هناك شهود

- لم يثبت أحد ذلك، ومن الأفضل لك أن تصمت مثل والدك وشهوده.

لبس قفازه الخشن وأمسك بساطوره وعاد إلى حفرة النار وتمتم في سره.

- سأنتظره. وعندما يخرج لن يشاهد شيئا سوى الساطور.

ثم راح يفكر، ويروز في ذهنه ثقل ثرثرة الراعي. ولام نفسه بزرع الساطور في الرماد بعنف لعدم حسب حساب الرعاة في مثل هذا الوقت.

وقال:

- كان عليّ أن أسلك طريقا أخر.

لم يدرك أنه سلك الطريق الخطأ إلى أن سمع صوت أجراس ووجد نفسه بعد ذلك فجأة في مواجهة كلب كبير يحيط برقبته حبل به أجراس تصلصل. رفع ساطوره وقد باعد ما بين ساقيه. اقترب الكلب يصدر زمجرة وقد انتصب شعره على امتداد ظهره وعنقه ويدمدم في حنق. وحين قفز تلقى لطمة فسقط أرضا ونزف الدم من بين أذنيه، لكنه أصبح أشد جنونا وعندما أستعد للقفز مرة أخرى سمع صفيرا، ومن مكانه استدار ونظر إلى مصدر الصفير وركض وهو ينبح وتوارى خلف أشجار الرتم.

رأى الراعي يقبل نحوه، فتى لم يتجاوز العشرين من عمره طويلا نحيفا يرتدي قميصا عربيا فضفاضا وفوقه معطفا عسكريا. كان يمسك بعصا طويلة من منتصفها.

- من حسن حضك أنك تحمل ساطورا والإ أكلك. إنه كلب شديد المراس.

قال الراعي بعد أن صافحه وأضاف.

- أسكن في (الزعفران) هناك قرب (بئر الغراب). وهذا الكلب صديقي لقد شبّ عن الطوق على يدي وأنا من قمت بقصّ أذنيه وذيله ليكون شرسا لكني وضعت الأجراس حول رقبته لينبه الغافلين في الطريق كي يتداركوا أنفسهم بالإختباء. لقد أكل امرأة قبل أيام.

ثم ابتسم وأردف:

- لا تقل لي أنك من الزعفران ؟.

تلعثم وهو يكثر من الألتفات وقال أخيرا.

- من هذه الأنحاء.

سار الراعي حتى جلس قرب حفرة النار، رفع إبريقا قديما وسكب الشاي في علبة طماطم وقال.

- دعه يبرد فقد شربت الشاي مرة من الأبريق مباشرة فخدد لساني.. أنظر !.

وكشف عن لسانه المتشقق وقال.

- أجلس. إلى أين أنت ذاهب، إنها ستمطر الليلة ؟.

- كنت هناك في طرف الغابة لجمع الحطب.

قال بنبرة لا تخلو من الإمتعاض.

- هل سمعت ؟.. قيل أن رجلا قتل أخته لأنها حملت عن طريق الخطأ.

تمالك نفسه ليخفي ردة فعله ونفى بهز رأسه.

- قالوا أن الفاعل بعد أن استولوا على جزء من أرضه، انتقم باغتصاب البنت المنكودة.

زرع الساطور في الرماد بعنف مرة أخرى، ناظرا للكوخ بعينين محمّرتين ثم نهض يدفعه الغضب في اتجاه الكوخ.

لا، لن أستطيع أن اخفيك في بيتي لحظة واحدة. لا، لا. لقد قصّ أثرك حتى الكوخ وعندما لم يجدك هناك ذبج الرجل من الأذن إلى الأذن. لا تحملّني ما لا أطيق. لدي عشرة أطفال من سيعتني بهم بعد ذلك ؟. إنه الأن مجنونا إلى حد الطيش. لا تملأ رئتيه الإ رائحة دمك، ويحسبك في عداد الأموات حتى من قبل أن يحدد مكانك. أعرف أنك لم تمسسها بسوء، والطبيب أظهر أن انتفاخ بطنها نتيجة مرض. لكن من الأفضل لي أن تنهض وتبحث عن مخبأ آمن. لا، لا. إن الدم لا يصبح ماء. لكن لا أستطيع مساعدتك. أنظر أنا تاجر أغنام أبيع وأشتري ولا يمكن أن أحبس نفسي معك في البيت، ستفوح رائحة وجودك في بيتي يا رجل، وحينئذ سأدفع ثمن حمايتك غاليا. قلت لك إنه لا يعلم أن الطبيب شرّح جثتها، إنه ينتظرك في مكان ما،و يشحذ نصل ساطوره بالغضب. لا، لا، لا. انهض واذهب إلى الشيطان.

 

 

 

* قصة من مجموعته الجديدة (سأنتظره) قيد الطبع في بيروت

للأعلى

 

قائمة الحرف | القائمة الرئيسية