|
من حكايا متعب بن تعبان
الرمق
الأخير
تقرفص
السيد متعب بن تعبان كعادته في ركن قصي يراقب الوجوه التي أبقى عليها
الطاعون تتجول في الطرقات المعفرة بالرذاذ الأصفر.. تحسس مفاصله بتأن..
سعل مرتين.. حمد الله في سرّه.. جال ببصره عبر حواشي الطرقات التي
أمامه.. ليزلق زمنه في غياهب الماضي القريب والبعيد.. فألتقط من مخزون
الذاكرة ثلاثة أطر.. وضعها بمحاذاة بعضها.
جمع ضمن
الإطار الأول.. منظراً لقمامة ما زالت طرية.. وحيطاناً مبللة بماء عفن..
ورذيلةً.. ورشوةً.. وابتذالاً.
أما
الثاني فجمع فيه مأساة الطاعون الذي عمَّ المدينة.. ولم يُبق إلا على
جماعات متناثرة من البشر أحياء يهيمون على وجوههم.. بينهم وجه جده
المعافى.. الملتحي.. الورع.. الذي لا يكف لسانه عن الترديد بأن نجاته من
آفة الطاعون كان لعدم استباحته لأموال الناس.. وتجنب الفسق والرذيلة..
والتعفف عن تقبل الرشوة. جده الورع.. الأول بن تعبان.. كما يسمونه
الآدميون البواقي من مرض الطاعون.. لا يكف عن القول:
- إن
العفة هي الدين.. والدين لا وجود له في مدينتنا المنكوبة.
أما
الإطار الثالث فكلل محتواه بصور لأناس من زمنه الغابر.. على وجوه أطفالهم
نعمة مسلوبة، إنعكست على وجوه رجالهم نعمة مقهورة.
همَّ
السيد متعب بن تعبان أن يسأل أحديهما رجلاً وامرأة يذرعان الطريق.. هو
مبجح بخشونته.. وعجرفته.. وغلاظته.. ويتمنطق بخنجر في منتصفه.. ويتقدم
امرأته بخطوات واسعة.. وهي مضرجة بابتسامتها.. وعطرها.. وإحساسها
الحضاري.
-
سيدي.. ما الذي حلَّ بالمدينة البهيّة ؟!!.
خرجت
الجملة من أعماقه متعثرة.. كأنها حشرجة الموت.. شدّها قصراً وأرجعها
ذاكرته.. بعد أن رأى على محيا العابر ملامح الرمق الأخير قبل الموت..
فخاف أن يكون السبب في هلاكه !!… تقدم العابر فابتاع لمرافقته عباءة
مغموسة في لون الظلام.. وأمرها بأن تدثر بها.. بكت.. فانفرط كحلها على
مفارق عينيها.. وتلطخت تقاسيم وجهها ببقايا زينتها..
رصَّ
الأطر الثلاثة.. بما كللت بها الواحد بجانب الآخر.. وأختار إطاراً
رابعاً.. ليكمل العدد.. المقسوم بدون كسور عشرية.. جهّز الإطار بتروٍ
وزينه في ذاكرته.. وعمل فيه.. ليراه جالساً كعادته.. أمام لجة البحر
الهائج.. يتحدث في صمت كئيب.. إلى وجوه قال: إنها لا يراها غيره.. يحاكي
الماضي بحبور تام.. وكلما همَّ بالاقتراب منه.. فرَّ ليسقط في خضم الماضي
من جديد.. يحاول انتشاله من محنته القاسية.. ليدخله يومه.. فينزلق إلى
أمسه.. معبراً باستمرار بدون تردد بأن الكآبة أضحت هي الفرح بالنسبة
إليه!!!
اُسقِط
في يده.. بعد أن رأى الواقع أكثر مرارة من مخزون ذاكرته.. لملم حاجياته
المبعثرة في داخله.. وكأن الزمن يلاحقه بجفاء.. مسقطاً حفنة منتقاة من
الصبر.. لتشد أزره.. وهو يسترق السمع إلى مذياع ليس ببعيد عنه.. عندما
همَّ بالنهوض من قرفصته، حينئذ كانت شمس الأصيل تنفض تبرها على صفحة
البحر الأزرق المخضّر.. ولسان حال المذيع (بالمذياع المنخفض الصوت) يسأل
أحد رواده:
- أين
مثقفي هذا الوطن ؟
- ابحث
عنهم يا بني في مقابر كل بلد حكمته سلطة مستبدة.
جمع
أطره الأربعة، وأضاف إليها الإطار الأخير.. ثم حاول قسمتها فأتى ناتج
القسمة عشرياً..!! |