حرف العين وأختها

عبدالرزاق العاقل

بطاقة تعريف..

الاسم : عبد الرزاق محمود العاقل

تاريخ الميلاد : 15/3/1943

مكان الميلاد : طرابلس / ليبيا

مجالات الكتابة : القصة القصيرة – الرواية – المقالة الأدبية

 

تعريف قصير : متحصل على دبلوم معهد الدراسات المصرفية، روما 1966، امتهن العمل المصرفي لمدة ثلاثة عقود، وكان من حصيلتها تقلده للعديد من المناصب، وعضويته لمؤسسات مصرفية مشتركة في كل من أوروبا ودولة الإمارات المتحدة – صدر له كتاب في مجال العمل المصرفي بعنوان (أيديولوجية السوق المالي) عام1984 – حظي بعضوية منظمة متعاملي النقد الدولي، وعضوية متعاملي النقد بدولة الإمارات العربية المتحدة لمدة عشر سنوات، قدم من خلالها العديد من ورقات العمل في مجاله

· من الكتاب الذين أسهموا في تألق الصحافة الأدبية في الستينيات والسبعينيات، إضافة إلى مشاركاته العربية والأجنبية.

 

الإصدارات :

1 – تأملات في الفكر الإنساني .. دراسة

2 – شرخ على جدار الزمن .. مجموعة قصصية

3 – الموت البطيء .. دراسة ميدانية عن المخدرات

4 – وجه خلف الزجاج .. مجموعة قصصية

5 – طائر النورس الذي توارى .. رواية

6 – الرجل ذو الذاكرة الأرجوانية .. قصص (تحت الطبع)

 

المخطوطات :

1 – حكايا متعت بن تعبان .. قصص

2 – الحمل الكاذب .. رواية

 

للاتصال:

بريد الكتروني:  alaghel@ayna.com

 

   

 نماذج من إبداعه..

الموت على الإسفلت

 

جد عجوز، وحفيد،وقطة تموء في الركن القصي من الزقاق، بعد أن ركلها عاهر صلف يترنح من نشوة انتصارات زائفة، لاحقتها الآذان الموبوءة بمرض التنصت، متلذذة بذلك المواء، وهو ينتشر على مساحة رطبة من رصيف يعج بعباد ترزح تحت عبء الانكسارات، وتصارع بحراً من النذالات، حتى تعودوا الحملقة في الأشكال المتباينة، المعلول منها حتى الهزال، والسمين حتى التخمة، وبينهما يمتزج الفضاء الواسع برائحة الصنان المنبعث من تحت إبط الفئة المتنعمة.

تعودت الآذان على سماع المواء… فأضحوا بذلك كالمرأة اللعوب تتلمس نهديها، وتضغط على حلمتيها، فتتوجع ولكنها تستلذ، فلا الانكسار يقلقهم، ولا العهر يقضي مضجعهم.

ويهتز الأمل من خلال مسرح ضبابي داخل كيان العجوز الواقف ضمن حفلة المواء، وهو يقبض على الأمل المتمثل في كفّ حفيده الذي لا يكف عن الحركة في اتجاه الملتصقين بالرصيف بلا حراك ، وكأنه يقبض على حفنة من الجمر.

إنفلت الصبي من يد الجد العجوز ليلاحق الواقفين في حفلة المواء، رمى ببصره عبر الحلقات البشرية التي ترقص تحت أشعة الشمس الحارقة، وابتسامة سخرية تغزو مساحة وجهه.

- جدي.. هل ذاك القابع في الطرف القصيّ هو أبي؟

- ألم تميزه؟!

- كلا يا جدي، إنه كقوس قزح مزيف!!.

إنتفض الجد العجوز فجأةً ، ثم زاغ بصره وهو يجهد بالقول.

- ما أسخفهم صغار اليوم !!

دسّ الحفيد كفه من جديد في حضن كف جده، ولسان حاله يهتف دون اكتراث. الأشياء الصغيرة تصنع الكبيرة يا جدي! وها نحن سنصنع ما عجزتم عنه، اهتفوا لنا، وتفّوا على وجوهكم الوقحة.

حدّجه العجوز بنظرة احتجاج وهو يتلمس مخرجاً من داخل الحلقات البشرية المتناثرة، تنهد، فتداخلت زفراته بصوت الصبي المتناغم، فارتجفت شفتاه، وانزلقت الدموع من محاجرها على ذلك الوجه الضامر.

مسح فمه وشاربيه بقفا يده، وغرس ناظريه في أفق الجمع الذي باتّ كتماثيل رخامية تستغل مساحة بعينها للنفاق والكذب والتبول .

رفع الصبي رأسه الصغير متأملاً وجه جده، تحجرت عيناه وانطلق لسانه:

- أتبكي يا جدي!

- …………!

- آه .. يا جدي إن زمنكم لعصي عن التحديد!

يرتفع المواء، ليختفي وراء دقات الأحذية، ناشراً عباءة الموت القادم من بعيد…!

للأعلى

 

من حكايا متعب بن تعبان

الرمق الأخير

 

تقرفص السيد متعب بن تعبان كعادته في ركن قصي يراقب الوجوه التي أبقى عليها الطاعون تتجول في الطرقات المعفرة بالرذاذ الأصفر.. تحسس مفاصله بتأن.. سعل مرتين.. حمد الله في سرّه.. جال ببصره عبر حواشي الطرقات التي أمامه.. ليزلق زمنه في غياهب الماضي القريب والبعيد.. فألتقط من مخزون الذاكرة ثلاثة أطر.. وضعها بمحاذاة بعضها.

جمع ضمن الإطار الأول.. منظراً لقمامة ما زالت طرية.. وحيطاناً مبللة بماء عفن.. ورذيلةً.. ورشوةً.. وابتذالاً.

أما الثاني فجمع فيه مأساة الطاعون الذي عمَّ المدينة.. ولم يُبق إلا على جماعات متناثرة من البشر أحياء يهيمون على وجوههم.. بينهم وجه جده المعافى.. الملتحي.. الورع.. الذي لا يكف لسانه عن الترديد بأن نجاته من آفة الطاعون كان لعدم استباحته لأموال الناس.. وتجنب الفسق والرذيلة.. والتعفف عن تقبل الرشوة. جده الورع.. الأول بن تعبان.. كما يسمونه الآدميون البواقي من مرض الطاعون.. لا يكف عن القول:

- إن العفة هي الدين.. والدين لا وجود له في مدينتنا المنكوبة.

أما الإطار الثالث فكلل محتواه بصور لأناس من زمنه الغابر.. على وجوه أطفالهم نعمة مسلوبة، إنعكست على وجوه رجالهم نعمة مقهورة.

همَّ السيد متعب بن تعبان أن يسأل أحديهما رجلاً وامرأة يذرعان الطريق.. هو مبجح بخشونته.. وعجرفته.. وغلاظته.. ويتمنطق بخنجر في منتصفه.. ويتقدم امرأته بخطوات واسعة.. وهي مضرجة بابتسامتها.. وعطرها.. وإحساسها الحضاري.

- سيدي.. ما الذي حلَّ بالمدينة البهيّة ؟!!.

خرجت الجملة من أعماقه متعثرة.. كأنها حشرجة الموت.. شدّها قصراً وأرجعها ذاكرته.. بعد أن رأى على محيا العابر ملامح الرمق الأخير قبل الموت.. فخاف أن يكون السبب في هلاكه !!… تقدم العابر فابتاع لمرافقته عباءة مغموسة في لون الظلام.. وأمرها بأن تدثر بها.. بكت.. فانفرط كحلها على مفارق عينيها.. وتلطخت تقاسيم وجهها ببقايا زينتها..

رصَّ الأطر الثلاثة.. بما كللت بها الواحد بجانب الآخر.. وأختار إطاراً رابعاً.. ليكمل العدد.. المقسوم بدون كسور عشرية.. جهّز الإطار بتروٍ وزينه في ذاكرته.. وعمل فيه.. ليراه جالساً كعادته.. أمام لجة البحر الهائج.. يتحدث في صمت كئيب.. إلى وجوه قال: إنها لا يراها غيره.. يحاكي الماضي بحبور تام.. وكلما همَّ بالاقتراب منه.. فرَّ ليسقط في خضم الماضي من جديد.. يحاول انتشاله من محنته القاسية.. ليدخله يومه.. فينزلق إلى أمسه.. معبراً باستمرار بدون تردد بأن الكآبة أضحت هي الفرح بالنسبة إليه!!!

اُسقِط في يده.. بعد أن رأى الواقع أكثر مرارة من مخزون ذاكرته.. لملم حاجياته المبعثرة في داخله.. وكأن الزمن يلاحقه بجفاء.. مسقطاً حفنة منتقاة من الصبر.. لتشد أزره.. وهو يسترق السمع إلى مذياع ليس ببعيد عنه.. عندما همَّ بالنهوض من قرفصته، حينئذ كانت شمس الأصيل تنفض تبرها على صفحة البحر الأزرق المخضّر.. ولسان حال المذيع (بالمذياع المنخفض الصوت) يسأل أحد رواده:

- أين مثقفي هذا الوطن ؟

- ابحث عنهم يا بني في مقابر كل بلد حكمته سلطة مستبدة.

 جمع أطره الأربعة، وأضاف إليها الإطار الأخير.. ثم حاول قسمتها فأتى ناتج القسمة عشرياً..!!

للأعلى

 

قائمة الحرف | القائمة الرئيسية