نسـاء رائـدات
إذا
كنا نعترف إن شدة الذكاء تأتى في مقدمة العوامل التي تدفع الإنسان كموجة
ترتفع فوق سطح البحر الاجتماعي ليكون اكثر من علو. ودلك لتمتع هذا
الإنسان بالأولوية في مجال من المجالات أو في اكثر فان هناك عوامل و ظروف
كثيرة قد تلتحم جميعها لتؤدي دورها في قذف هذا الإنسان والصعود به الى
أعلى وقد يكون من تلك العوامل الموهبة الفذة وشدة الذكاء والظروف المحيطة
به أو بالجماعة من حوله أو قد يكون المجهود الكبير الذي يفوق في حجمه ما
يبدله الإنسان العادي والدي قد يكون مصدره النشاط الطبيعي الزائد عن
المألوف أو هو النشاط المتدفق تعويضا لما تعانيه هده الشخصية من نقص في
ناحية من نواحيها وكراسة التاريخ ملئيه بهده النماذج التي تمتعت بأولوية
فريدة واختلفت وتعددت باختلاف وتعدد مجالات الحياة من علوم واقتصاد
وسياسة ودين وفلسفة واجتماع.
ولا
نستطيع حصر فضل أصحاب هذه الأولويات ضمن دائرة ما اخترعوه أو قدموه أو
قاموا به من عمل وإذا سلمنا أن هدا الفضل يأتي في المقدمة فانه يليه في
المرتبة - الأثر الذي يتركه هؤلاء الأشخاص في نفوس الجماعات البشرية
عندما تجد فيهم القدرة التي تبحث عنها فيكون دلك إشباعا لرغبة وميول تدق
باب النفوس دائما.
وتأتي خطورة هدا الأثر نتيجة لمقدار تردد صداه وانتشاره في أرجاء هدا
الكون خاصة في هدا العصر الذي يقفز الخبر فيه من أقصى العالم الى أقصاه
خلال رفة عين مما يحملنا على إسناد نصف التغيرات التي حدث وتحدثت فيه الى
هده الشخصيات ذات الوجود النسبي والنادر.
ولا
شك إننا نعطي العلماء الافداد ومحرري الشعوب -عبر التاريخ- الدرجة الأولى
بينهم ولو كلفت مهمة اختيار الصدر الذي يستحق أوسمة العصر لزينت بأول صدر
الأطباء جميعهم بلا استثناء وبالأخر صدر رواد الفضاء الدين قدموا أنفسهم
لخوض المجهول وان لم يترتب على دلك فائدة ملموسة بالنسبة للناس إنما يكفي
ما كان في تلك الخطوة من درس يعلم الأجيال كيف يكون ظهور الإنسان درجة في
خدمة العلم يصعد عليه الآخرون الى ما يطمحون إليه لإشباع الفضول الذي
يفرضه علينا هدا العالم الغامض وإذا حمل الرجل -غالبا- شرف تلك الأولويات
لا نستطيع أن ننكر نصيب المرأة منه أيضا ولعل موضوعنا هدا يكون بداية
دراسة موضوعية في المستقبل تلقى أضواء على الفريدات من نساء المجتمع
الإنساني اللاتي حملن لواء الريادة وكانت لهن الأسبقية في مجال أو اكثر
من مجالات الحياة التي تقدم ذكرها... دون استثناء أو دون أن نترك للرجال
شيئا يحتكرونه وينفردون به عنها - ما عدا النبوة والإمامة ودلك لحقائق
وان عرفنا بعضها فقد خفي عنا منها الكثير ، وان كنت أرى في اختصاص المرأة
بالإنجاب ما يجعلها تنازع الرجل شرفا ينفرد به ولكن لا يجعلنا الرسالات
السماوية وفهم العقائد الدينية واستيعابها كموقف نساء النبي محمد - عليه
السلام - ونساء الصحابة وغيرهن من المؤمنات.
وإذا
كنا نحمل الرواد من الرجال الاحترام و القادسية فيجب أن يكون احترامنا
وقدسيتنا اكبر للمرأة الرائدة ودلك لعدم خضوعها لنفس الظروف التي يفيء
تحت ظلها الرجل مما يلبس عمل المرأة ثوب المعجزة وخاصة في بعض المجالات
التي اختص بها الرجل تقريبا دون المرأة لدا يكون ميلاد المرأة الرائد في
مثل هده الظروف دافعا يحملنا على افتراض تمتعها بذكاء وموهبة اكبر مما
يتمتع به الرجل في مجال من المجالات
وقد
تختلف وجهات النظر لتتبين تبعا لاختلاف طبيعة المجتمعات و أحكامها فقد
تكون الهالة التي نحيط بها في مجتمعنا - رائد الفضاء السوفيتية -
فالنتينا - اكبر بكثير من الهالة التي يحيطها بها مجتمعنا أو مجتمع آخر ،
لأنه في نظرنا أن هدا العمل اصبح ذا قيمة اكبر لمجرد كونه صادرا من امرأة
ونحن نعتقد أن المرأة عليها ألا تأتى سوى الأعمال التي خصصناها بها انه
السبب الذي يدفعنا عادة الى التشويق لسماع بعض الإخبار التي يشدنا إليها
مجرد كون بطلاتها من النساء بصرف النظر عن طبيعة هدا العمل.
هدا
وان كان عامل السياسة غير غريب وجديدا عن المرأة ولو تأملنا لوجدنا إنها
تجيده اكثر مما تجيد فن الخياطة والطهي.
سواء مارسته بشكل مباشر لوقوفها شخصيا على مركز السلطة كما نشاهد اليوم
وكما روى التاريخ عن الملكة بلقيس وزنوبيا وكليوباترا. أو مارسته وراء
حجاب بشكل غير مباشر وهي الصورة الأكثر شيوعا وقوفها خلف رجل السياسة.
ولم
تكن المرأة في مجال الأدب اقل تفوقا منها أمام غيره من المجالات على مر
العصور واختلافها فقد كانت المرأة العربية - مند جاهليتها - أديبة تستسيغ
الشعر وتقرضه شان العرب في دلك الزمان وان لم اكن الآن في معرض استعراض
شاعرات العرب على كثرة عددهن من شاعرات وناقدات كالسكينة في المشرق
وولادة بنت المستكفى في الأندلس إنما لا يسعنا إلا أن اذكر هده الحادثة
- النساء العربيات - الكرم البستاني... وهي إن رجلا من العرب نزل بامرأة
من بني عامر فلكرمته و أحسنت قراه فلما هم بالرحيل انشد بيتا هجا به بني
عامر فقال لعمرك ما تبلي سرابيل عامر من اللوم مادامت على جلودها ولما
استنكرت المرأة قوله سألته عن الداعي الى ذلك قال: جرى على لساني.
فخرجت إليه الجارية من بعض الأخبية فحدثته حتى انس واطمئن فسألته من أنت
؟ قال الرجل من تميم ، فقالت:
تميم
بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم فطفق الرجل ينكر القبيلة
التي ينتسب إليها وكلما انتسب الى واحدة أتته الجارية بهجاء لها حتى عد
خمسة و أربعين قبيلة وروت له خمسة و أربعون هجاء.
وإذا
عرف العالم كثير من الرائدات اللاتي حملن لواء الأسبقية في كثير من
المجالات والتي أطبقت شهرتهن الأفاق وفاق اثر عبيرهن الخيال يجب أن نعلم
أن أماكن مثل هؤلاء النساء لازالت شاغرة في مجتمعنا ولازلنا نضع
الإعلانات على صفحات الجرائد طالبين تقدم لملئها.
صحيفة الأسبوع الثقافي- العدد:201-16/4/1976. |