حرف السين وأختها

سالم العـبار

بطاقة تعريف..

الاسم: سالم علي العبّار

تاريخ الميلاد: 1958

مكان الميلاد: سلوق/ ليبيا

مجالات الكتابة: القصة، المقالة.

 

تعريف قصير: ولد بمدينة "سلوق"، ودرس منتظماً حتى المرحلة الثانوية.. نشر نتاجه في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية، قدم للإذاعة العديد من البرامج الإذاعية لعل أشهرها برنامجه المسموع (ما يكتبه المستمعون) الذي قدم من خلاله العديد من الأدباء الشباب، وهو حالياُ يتولى رئاسة تحرير صحيفة أخبار بنغازي.

 

إصدارات:

1- تجليات مهرة عربية/ 1984.

2- منشورات ضد الدولة/ 1987.

3- خديجار/ 1998.

 

 

 نماذج من إبداعه..

أنثى الماء

 

تجمدت دمعة في قلبها حين سرقت وأليفها خلوة في لحظة غافلت فيها القبيلة مستترة بليلة شاتية.. كانت أول ليلة يعرف الكون فيها فصلاً اسمه الشتاء.

خرجت أسياف القبيلة تقتفي الأثر وحين لمحوها تناجي أليفها ارتفعت القرقعة وضربت الأسياف في كل اتجاه.. رأوا أجساماً تنفصل وتطير سابحة في الفضاء تداخلت الصور وما باحت السماء بغير كتل من الأجسام الصغيرة السابحة، ولم يعودوا حتى صارت الأسياف تضرب في سواد فارغ بحجم الفضاء وتعود مبللة بماء السماء.. لكنهم حين عادوا رأوا كتلتين في الفضاء تقتربان حتى تلتحمان فتبرق السماء وينهمر الماء. منذ تلك الليلة رسخت عادة فصل النار عن الماء سر وجودها ولكن ظل حنينهما دائماً للالتحام فالنار أنثى الماء .. لم يعثروا للجسدين على اثر.. وأنَ للقبيلة أن تداري سوءة عاشقة في نار هي سر السيولة وفي ماء هو سر الحجر؟.

الفتاة التي جلست في مواجهتي تماماً.. أسندت صدغها على حواف أصابعها فبدت الدائرة التي رسمتها الحناء في عرس الأسبوع الفائت تضيء في الكف الناصعة البياض الممر يزدحم بالممرضات الغاديات والرائحات.. ومن غرفة الكشف التي أجلس في مواجهتها تماماً بدت سيدة عجوز تدفع المياه التي سكبتها على السلالم .. كانت السيدة متجهمة الوجه متقطعة الأنفاس .. تدفع المياه وتشيح بوجهها عنها وكأنها تدفع سيلاً من دموع خبأها القلب سنين طويلة .. اتخذ الماء سيولاً بعديد الألسن الصغيرة في اتجاهي و أخرى في اتجاه الفتاة التي رأيتها تشرب الماء بعينين ظامئتين .. سمعت ورأيت سفناً مشرعة وشواطئ تملأ لسان الماء الذي يدفعه انحدار الأرض في اتجاهها ثم تفرّع منه لسان في اتجاهي في شكل دمعة جمدت في مكان واحد حين انكفأت عليها تحولت إلى جمرة نار ..

للأعلى

 

خديجار

إلى الأستاذ محمد إدريس.

 

استدراك: ( نحن نخطئ في اسم النار والتأريخ لاكتشافها ).

لم أخش شيئا اسمه النار، تعجبني ألوانها المتناسقة المتعددة المتداخلة في لون واحد، فأدنو منها، أتأملها وأعجب أن يكون هذا الشيء الجميل مصدر افتراس.

في المساءات الموحشة وحين يطبق الليل على أرواح من حولي وتفترسني الوحدة تبدو ذبالة الضوء الواهنة الحزينة الحائرة، ترتعش في خجل عذراء كتوم تتأوه في أسى وحرقة، أحس أنفاسها تلهب مشاعري فتبدد وحشي ويضيء خيالي مزدانا بالأزرق والأخضر والأصفر والأبيض مشكلا من الألوان ألوانا لورود تشرق في مساحة عمري وقد استعارت ألوانها من ألوان النار.

في أخريات الصيف والعام عام جفاف اكتشفت النار، كان ذلك قرب وادي (بو عليا) (أمام ضريح سيدي عمورة)، قبل ذلك اليوم لم أعرف من النار إلا دموعها حين اجتمعت أختي وثلاث عنس، وحفرن حفرة ملأنها بالماء وانتظرن بوله أي من الحفر تستبق في ابتلاع الماء وكانت حفرة "خديجة" آخر الحفر فقد ظلت ممتلئة إلى حافتها بالماء، لم أفهم اللعبة إلا متأخراً، لكنني اكتشفت شيئا يشبه النار لقد بكت "خديجة" بدموع حارة سمعتها تنطفئ في حفرة الماء وأحسب أنني توهمت ذبالة أذكاها الماء فاتقدت.

كانت البنات يسرين عن "خديجة" وهن لا يخفين استبشارهن بحسن الطالع، وحدها "خديجة" ظلت تشتعل زارت كل الأضرحة وصنعت ألف تميمة وفي تلك الليلة دون غيرها من الليالي وربما جاءها الملك وأمرها بحفر زمزم لقد حلمت بسيدي (عمورة)، فكان المزار.

رأيتها تطلق البخور وتتمتم بدعاء حزين، خرجت أمها من المقام بعد أن عفرت رأسها بالتراب وقبلت الضريح وأطلقت الدعاء، و"خديجة" التحمت بالقبر وأطالت الدعاء ونسيت كل شيء حتى سمعت نهيق حمار مع صوت أمها تدعوها لأن تقتبس من موقد البخور نارا، خرجت تحمل نار ملفوفة في قطعة ورق، وأمام مدخل المقام تجمدت في مكانها ولم تقو على الحراك، رأت الحمار يطارد أتانه وقد ضجت في عروقه نار الشهوة، رأيتهما تتباعدان بمساحة عمرها المفعم بالشوق والالتياع.

سقطت الجمرة على الأرض واشتعلت النار في الحشائش الجافة وزحفت على الوديان تدفعها رياح القبلي في كل اتجاه، وشفتا "خديجة" تتباعدان ولعابها يسيل على النار يزيدها اشتعالا.

هرع الجميع لإطفاء النار وهم يرددون:

- خطيئة الحمار أفسدت كل شيء ………

لكن أحدا لم ير جمرة تتقد ولهبا يتصاعد راسما كل الألوان، لم يروا شيئا اسمه (خديجار).

للأعلى

 

قائمة الحرف | القائمة الرئيسية