حرف السين وأختها

سالم الأوجلي

بطاقة تعريف..

الاسم : سالم أحمد الأوجلي

تاريخ الميلاد :1961

مكان الميلاد : بنغازي/ليبيا

مجالات الكتابة : القصة القصيرة – أدب الأطفال – السيناريو

 

تعريف قصير : خريج فلسفة-جامعة قاريونس، بنغازي 1985 / يحضر الآن الدراسات العليا في الفلسفة / يعمل مسئول النشر بالدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان. وهو يكتب القصة من العام 1979.

· من كتاب القصة الحديثة المتميزون في ليبيا

 

إصدارات :

- شهوة السكين-قصة/2000

- أكثر من عنوان في سلاسل الأطفال.

- فيلم سينمائي قصير (سيرة ثلث الجسد) 98 (سيناريو).

 

 

 نماذج من إبداعه..

شهوة السكين

 

ضربة سكين حادة سريعة شقت ملابسه وفتحت بطنه.

يداه لامستا الجرح الأفقي الطويل . وغاصتا في نعومة وحرارة الجرح .

هَلَعَ وتهاوت ساقاه إزاء ملمس بطنه المبقورة.

استيقظ، تحسس بطنه بيده، استعاد ألفة الملامسة، لبطن مشدود الجلد وتنهد بارتياح ثم عاد فارتاع لمجرد التفكير في قدرة السكين الهائلة على الذبح، في العنف الضاري، البارد في شفرته، وفي شهوته الشيطانية للحم.

***

تذكر. يوم عيد الذبح، خروف العيد مربوط في فناء البيت. يعود أبوه من الجامع وضاءً في (جرده) الأبيض يتضوع منه المسك، يدخل إلى غرفته يبدل ثيابه ويخرج رجلا ً آخر في ثياب قديمة يأتزر بقماش رث. يخرج من حقيبة مدرسية قديمة سكاكين عدة للذبح والسلخ والتقطيع.

يتحسس شفراتها بحذر. يأتي بسطل تراب يشكله حوضاً صغيراً. ويتقدم نحو الخروف المربوط .

قليلا ً من الغبار ويرى الخروف أسقط على جنبه وأوثق وجرَّ إلى حوض التراب يلهث وينتفض ويطلق صياحاً عالياً (هل كان ينادي السكين) .

سكين الذبح أمضى السكاكين وأطولها في يد أبيه.

-  تعال تفرج. تعرف الذبح .

متخيلاً السكين على عنقه هو، يظل بعيداً يراقب .

مضى السكين في العنق. شخب الخروف دمه، رأى نافورة الدم القاني تفر من مساربها الساخنة وتضيع مشكلة بركة صغيرة في الحوض الترابي يتصاعد منها بخار خفبف لروح تتلاشى.

سكن الخروف ثم انتفض بعنف والوثاق يشد قوائمه.

سمع أمه تقول:

-  يا نويرتي يطلَّع في الروح .

تتجلط بركة الدم ، يصمت عنق الخروف عن الحشرجة والنزف. يفك أبوه الوثاق عن القوائم فتندُّ عنها حركة ضعيفة.

تأتي بإبريق الماء تصبه وأصابع أبيه تغسل السكين بعناية فيعود نظيفاً وبارداً ، ويغسل عنق الذبيحة ... من الإبريق ينزل الماء شفافاً (الماء والإبريق نفسه الذي يتوضأ منه).

ينزل على العنق المدمَّى ويتناثر سائل ليس دما ً ولا ماء.

ويد أبيه ترفع رأس الذبيحة بعينه المفتوحة ولسانه الوردي معضوض في إطباقة الفكين .

كتلة صوف هامدة يزحزحها أبوه إلى موضع جاف، وفي رجل المؤخرة يُدخل عصا ً بين الجلد واللحم، يخرج العصا ويضع فمه على الفتحة وينفخ بقوة زافرا ً أنفاسه تحت جلد الذبيحة، قوة أنفاسه تعيد تشكيلها ؛ تستقيم الأرجل ينتفخ جلد البطن والصدر والكيس الصغير بكرتيه يكاد ينفجر، وتبدأ السلخ سكين أصغر وأكثر دربة .

تقطع الأرجل من عراقيبها وتفرد البطانة وقد سلخت – تظل متصلة بالجسد من العنق – ويسمع طقطقة عظام الرقبة وهي تلوى .

الذبيحة معلقة تتأرجح والدم يقطر من العنق والبطانة البيضاء مفرودة يتوسطها رأس الذبيحة وأرجلها الأربع بأظلافها السوداء الملوثة بالزبل .

أمه خلف كانون الفحم قد رمت على النار كبد وقلب الذبيحة . تنغَّم ندائها :

-  قرب خذ (شواية).

فيقبل وقد جذبته رائحة الشواء جذبة (الجاوي) (1) (للعيساوي) (2) يقضم بأسنانه قطعة من الكبد لم تجفف النار دمها.

***

هلعا ً من قدرة السكين الهائلة على الذبح نشطت ذاكرته.

(كان يلعب محاولاً صنع سيف خشبي أخطأ فأصاب السكين سبابته بجرح كاد يقطعها، كيف أخطأ؟ ولم كانت سبابته تحت السكين في تلك البرهة، أثمة جذب بين اللحم والسكين؟ رغبة عميقة للحياة النامية في سبابته للقطع! لما يشكل فتحا ً لمعرفة جديدة هي موت !؟) .

(الأيام الأولى لاستخدام شفرة الحلاقة. أمام المرآة وجهه اليافع غطته رغوة بيضاء والشفرة تقطع تفجرات الرجولة من ذقنه. يخطئ يجرح وجهه ويرى امتزاج حمرة الدم بالرغوة البيضاء، ويتعلم قوانين اللعبة، لعبة السكين واللحم).

***

في مغطس الحمام والماء يغمر جسده الممتد تساءل :

-  على أي شيء تغذى جسدي حتى صار بهذا الحجم ؟

في بخار الماء الحار، تخيل أرواح أبقار وخرفان وطيور تطالب باسترداد أجسادها من جسده، ويداه تتحسسان بطنه .

***

تجنب المرور أمام دكاكين الجزارة، وإذا اضطر تجنب النظر وحبس أنفاسه كي لا يشم رائحة اللحم المذبوح.

***

ببطء يلوك بين فكيه الخبز وحبة الطماطم، حاسبا ً الزمن الكافي لإحلال النبات محل الحيوان من جسده .

***

رأى نفسه وسط مأدبة يأكل لحما ً ويشرب دما ً مسلوخا ً من ملابسه، يده تمسك بسكين حاد تشق بطنه .

استيقظ مذعورا ً مخنوقا ً بالصراخ ويداه تغوصان في نعومة الجرح وحرارة الدم.

 

للأعلى

 

جواد على قطعة النقد

 

وعيتُ وهدير شاحنة يهز المكان، ابتعدت، وطغى من جديد صمت طريق مقفر.

وعيتُ أني كنت هكذا دوماً – بشكل ما – حَدَسْتُ الماضي و الآتي. في سيارة قديمة ضئيلة، على طرق لا أعرفها، مرتبكاً عند جنود البوابات، ذاهلاً لاتساع الأفق.

كنت بعد مغيب شمس النهار أوقفت سيارتي على مبعدة من الطريق، في موضع يرتفع قليلاً، مرهقاً من ثياب المشهد طوال النهار؛ صحراء جرداء لا يميزها شيء.

نمت طويلاً وعميقاً، لكن الليل يبدو في أوله. مقدمة السيارة متعامدة مع شريط الإسفلت. أدرت المفتاح وهبطت السيارة إلى الطريق ببطء .

توقفت! إلى أين أمضي؟

المقود الدائري متحفز في يدي، لو اتجهت يساراً ربما عدت من حيث أتيت ... وإلى اليمين الاحتمال نفسه !!

أطفأت المحرك وهبطت من السيارة وتلفت حولي . ظلمة كثيفة باردة .

***

في أول بوابة حين أعلنت عن وجهتي تفرس الجندي في وجهي طويلاً، وابتعد خطوتين وشمل السيارة بنظرة فاحصة ثم مد ذراعه ساخراً .

-      طريقك طويل.

رأيته في المرآة الداخلية للسيارة يتضاءل وأنا أبتعد ..

في البوابة الثانية جندي له هيئة ثعلب صحراء . فتش السيارة، دقق في الأوراق.

وفحصني بترو خبير، حين تعب أجازني:

- أنت غريب ..

في البوابة الثالثة جندي عجوز يدخن في ظل الجدار.

اقتربت مهدئاً السرعة فأشار بيد عليها وشم أفعى حاثاً إياي على مواصلة الطريق.

***

على ضوء الفانوس الداخلي أخرجت من جيبي قطعة عملة معدنية : وجه يحمل رقماً والآخر جواداً يعتليه فارس .

راهنت على الجواد ورميت القطعة لتسقط من جديد في يدي، الجواد يسار الطريق والرقم يمينه .

***

ركبت الجواد، ودار المقود جهة اليسار، وأنا أقود سيارة متهالكة بمؤشر عاطل لاينبيء بمستوى الوقود.

الطريق على ضوء المصابيح يبدو مستقيماً، والظلمة أعمق. لم أدر ِ هل كنت أرحل أم أعود؟

***

تذكرت المدينة التي غادرتها، وتنفست بعمق، متحرراً من لزوجتها الرطبة. رطوبة صدع موبوء بالسفلس. كنت أبتعد نافضاً طبقات من ودك المدن.

كتبت استقالتي من قسم الإحصاء بالبلدية . حيث كنت أحول الموتى والمواليد إلى أرقام ونسب، وأتطلع إلى المدينة من نافذة مكتبي فأراها أكثر تفاهة من بيت نمل يعيش على أجساد الصراصير الميتة.

كتبت استقالتي يوم كان علي أن أدون في السجل أنها ماتت.

وبعد أسبوع زرت قبرها، لأتيقن أنها ماتت وأن تنهداتها وسعالها وضحكاتها التي ظلت ملتصقة بالجدران هي محض أوهامي.

***

وعيتُ أني كنت دوماً هكذا – بشكل ما – لا مدينة ولا أم. في ليل، في صحراء، في طريق بلا علامات، أكثر خفة من شبح وأثقل من كابوس .....

أتقدم وقد راهنت على الجواد.

للأعلى

 

قائمة الحرف | القائمة الرئيسية