|
الثانية عشرة..
تماما.. !!
1
- احزمي
حقائبك يا ندى.! وحقائب أخويك ماجد وأنيس..
على
صوته الأجش في فضاء البيت الذي خوى من العواطف منذ زمن بعيد.. وهبط علينا
صمت ثقيل.. كأنه كابوس لا يريد أن يتزحزح.. ألقى بأوامره ومضى تركنا نغرق
بلحظات الوداع.. لم يستطع أولادي أن يلقوا باللوم علي.. كانوا جمعيهم
يتمنون الإقامة هنا في دمشق ويكرهون الرحيل والغربة.. وهذه المرة وحدهم..
سيفتقدون صدر الأم الحنون..
الطلاق،
حدث قبل عامين.. !وكان يجب أن يحدث بعد عامين من الزواج.. وهو تأخر في
قرار الرحيل بعد عامين من الطلاق.. لابد أنه خاف من فقدان أولاده وهم إلى
جانبه.. فقرر أن يختطف سعادتنا..
2
انقضى
يومان.. على رحيلهم..
كنت
أتوسل إليه.. بالعدول عن قراره.. وترك ندى فقط فهي ستبلغ الثانية عشرة من
عمرها بعد شهر.. وهو لن يستطيع تدبر شؤونها.. وهي لن تقدر على تدبر شؤون
البيت.. عمل شاق عليها والمدرسة..؟
صرخ
وكأنه لم يسمع صوتي الذي عشقه طوال سبعة عشرة عاما:
- ندى..
هيا تأخرنا..
3
يومان..
وأنا أذوب كقالب سكر في مياه ساخنة... يومان وأنا ألثم كل ما تبقى من
ذكريات الأبناء.. وهو غافل عني وعنهم..؟!
أدع
خلفي كل ما يذكرني بهم وأغلق الباب وأمشي.. تطاردني رائحتهم مختلطة
برائحة المدينة التي تنفسوا هوائها وشربوا مائها.. أسير على غير هدى..
واستريح على أي مقعد يقابلني في مقهى أو حديقة..
وكلما
تجشأني باب مقهى وجدت إسفلت شارع يستقبلني محملة بعبء الأحزان.. أمسحها
في ازدحامه.. واسفح قليلا من قهري المخبوء.. وإذا ما تثاءب الشارع مللا"
من خطواتي.. سرعان ما ألوذ بأول مقهى يصادفني.. أطلب فنجان قهوة أفرغه في
جوفي ساخنا ثم أسكب فيه بقية بوح.. وثمة ذكريات وأحزان.. أخذت تتراكم بين
كل نبضة ونبضة..
وإذا ما
كشر النادل في وجهي.. أفهم ، أحمل حقيبتي وأهرول.. أسلم نفسي لأقرب
مقهى.. يلفظني بعد حين إلى شارع جديد.. حتى ظننت نفسي كرة مطاطية
تتقاذفها الأرجل ركلا" من مكان إلى آخر.. فلا تهدأ ألا في الزوايا
والأمكنة الضيقة..
أنفق
حثالة يومي ودراهمي.. لكن همومي لم تنفد بعد..؟ لا في هدوء المقاهي ولا
ضجيج شوارع المدينة.. والقلب يستلهم الصلابة من ذاكرتها التي تحمل لي في
كل زاوية منها ذكرى..
4
احتضن
جدران غرفتي.. ثانية وثالثة ورابعة.. ! غرفتي موحشة حينما يكتئب الليل في
فراشي.. وتجثم كلماته القاسية على أنفاسي.. تحتل صدري فتأخذ الصور
والمعاني تتطاول وتكبر تتضخم وتمسح كل الفواصل من ذاكرتي المثقلة بهموم
الروح والجسد.. كم ترهقني هذه العتمة.. وأسمع صوتا واهنا يسألني متى يأتي
الصباح.. أنظر حولي فلا أجد أحدا.. أطل من شرفتي لعله صوتا من الخارج
يقتحم خلوتي.. تطالعني الشرفات المقابلة النائمة مستسلمة لحضن الليل
وسكونه.. تفاجئني فكرة.. ثمة أناس حالمون يبادلونني السهر ربما عشاق
يحلمون بالحبيب وربما طامحون يحلمون بالمجد وأنا لماذا لا أحلم انهم
ينامون في الغرفة الثانية.. ويكون أول الضياء.. حينما تطفش العتمة ململمة
أثقالها مفرغة جعبة الليل للنهار القادم.. أحمل سلال الصباح الجديد وانهض
ارشف قهوة الصباح المرة.. استمتع برؤية الحياة تضج في شرفات المقابلة
والملاصقة وداخل غرفهم التي كانت تغفوا مساء البارحة.. واشتاق للخروج إلى
الحياة.. أريد أن أراها كيف تسير هل تغيرت بعد رحيل أولادي أم بقيت كما
هي وقبل أن أغلق الباب استمع لنصائح والدتي العشرة بأن أكو ن حريصة على
سمعتي وأبحث بشكل جدي عن عمل استرزق منه بدل صرف ما تبقى من دراهم في
التسكع.. معها حق نحن من أسرة فقيرة..
5
أعد
الأيام.. بقي أسبوع وتحتفل ندى بعيد ميلادها أنه عامها الثاني عشر ,,وأنا
لست إلى جانبها.. هل يكفي أن يكون والدها والذي بلغ الثالثة والستين من
عمره وأخويها الشابين معها.. أعرف والدها لا تشغله إلا قضايا النيابة
العامة ومرافعة المحاكم متناسيا قضيته..؟! لا أنكر كم بهرتني شخصيته وأنا
في السابعة عشرة.. حملني من بيت يضيق بأفراده إلى بلاد بعيدة تضخ المال
والنفط كان البيت واسعا جدا لكن الحياة إلى جانبه أخذت تضيق بغل يده
وتقتيره.. !
حينما
أنجبت ماجد فرح وبدأت يده تنفرج قليلا" وظننت أنني كنت أظلمه وأنه ليس
بالرجل البخيل فقط مجرد حرص وحذر من غدر الزمان.. بعد سنة واحدة جاء أنيس
ليؤنس البيت بهجة وحبور.. وبدل أن يزداد أنفاقه أخذ يحذرني من مغبة
الإسراف.. وأن عليه شراء أكثر من بيت في دمشق واحد لماجد وآخر لأنيس..
رضخت
،لكنه منعني من زيارة مدينتي التي لم أفكر في يوم أنني سأهجرها إلى مدينة
أخرى في هذا العالم.. كان يصر أن السفر مكلف وفيه إسراف لا داع له هدايا
ونفقات وأشياء ثم أنه لا يستطيع مرافقتي بسبب عمله المتواصل وتعاقده مع
أكثر من شركة كمستشار قانوني لها..
صبرت ،
وجاءت ندى آخر العنقود لتزين لي الحياة في الغربة.. فإذا بالدنيا تضيق
عليه وتتغير الأمور ويقرر أن بقائه لم يعد مجزيا..
طرت
فرح... !
6
فرحتي
لم تتوج.. !؟
صارت
غربتي في مدينتي أقسى منها وأنا أبعد آلاف الأميال عنها.. قيدني بالحركة
والخروج.. منع النزهات والزيارات العائلية وعدد لي مساوئ كل منها
الزيارات تجلب المشاكل والأقرباء طامعين بما يملك وهو لا يستطيع مد يد
المساعدة لهم جميعا وأهلي في أول القائمة.. كثرت الممنوعات حتى ضقت وأنا
أرى نفسي في الجنة التي حرمني منها سنوات طويلة.. أنا الآن فيها ولا
أستطيع وطئها..
قلت له
ذات صباح :
- أنا
أكرهك.. أكرهك طلقني..
-
حاضر..
كان
هادئا.. وفاجأني في المساء وطلب مني حمل حقيبتي والخروج.. وانتظار ورقة
الطلاق..
7
الطلاق..
أجل ،لم
أكن تعيسة.. حصلت على حريتي مع قليل من دراهم وكثير من كبرياء..
بقيت
سنتين وأنا استمتع بوجودهم إلى جانبي كان لا يستطيع منعهم من زيارتي
كبروا وتمردوا.. لكنه وجد حلا" مختلفا هذه المرة.. العودة للغربة وأخذ
الأولاد من حضني..؟؟
8
إذا" ما
الفرق بين العيش في بيت فقير أو مع رجل بخيل..؟!
هل
تتساوى الخيارات هنا.. فقر وحرية أم بخل وفقدان كرامة.. أيهما أثقل في
كفة الحياة.. أترنح بينهما ولا أنسى أن أولادي في كفته.. يزداد عذابي...
ويزداد تأرجحي..
وأخرج
من جديد للحياة.. التقط تفاصيلها.. التقط أوجاع البشر المرتسمة على بعض
الوجوه أواسي نفسي من بعض حزن.. وأشعر بعبث التحايل على ذاتي الضائعة..
أنا حتى الآن لا أجرؤ على مواجهتها.. وكل ما أفعل هو التسكع على أرصفة
الفراغ والاتكاء على جدران الوحدة..
9
حين
احتل زاوية المقهى المضاء بإنارة شحيحة ترشح من زواياه... يظهر بقامته
الممشوقة وكأنه شبحا يطل من الضباب.. انه الماضي وليس شبحه يتجسد بلحظة
مباغتة فأزيل غبش الماضي عن عيني وأنشغل بتأمله باستغراب شديد وهو يسحب
كرسي ليجاورني على طاولتي ,,, لماذا تأتي يا حبا كان ومضى لماذا تنكأ
الجراح الملتئمة وأنا مازلت أنزف من جراح دمائها حارة وطازجة.. لماذا يا
حب تعود لتوقظ شهوة كانت غافية للحياة والعشق المجنون..
يستند
مرفقيه على جسد الطاولة وهو يحدق بي بجرأة وقبل أن أعترض يبادرني وهو
يشير بسبابته على فمه إشارة الصمت..
- أنت..
أنت كما عهدتك.. لازلت صبية مترعة بالحسن والجمال،إلا من تغير بسيط،
عيناك تحملان جرعة زائدة من الشجن؟لكنهما تتألقان ببريق أخاذ..
- دعك
من الكلام.. ما الذي آتى بك لتتعثر في طريق لن يجلب لك إلا التعاسة..
- أنا
الآن ،أقوى من الماضي.. أتيت وأعرف كل ظروفك.. أنا حر.. بقيت ولم ارتبط
بأحد حبك وعينيك كانت دائما بالمرصاد.. كلما نظرت لفتاة جميلة لمحت عيناك
تعنفني على الخيانة.. أنا وأنت نمتلك حرية القرار.. أصبحت امتلك المال..
نصلح ما فات..؟!
- لكنك
قبل عشرين عاما تركت لي قصاصة ورق تحت درفة النافذة تخبرني برحيلك.. !ولم
تطلب مني الانتظار.. حتى تعود غنيا
- أنا
فنان.. عشت حياتي قلقا.. وخشيت أن أظلمك بالانتظار.. لكنني متعلقا بك هل
تصدقين
- أجل..
لكنني نسيت الماضي أحرقت بقاياه..
- عينيك
والحزن يقولان شيئا" آخر
- كنت
،في الأيام الماضية أشعر بأنفاسك تطاردني.. ورائحتك ورائحة الماضي.. ما
الذي أتى بك..؟
-
طاردتك أياما وليال.. ثم قررت مواجهة الماضي والمستقبل معك..
-
تصور.. كنت أعتقد أن ظلي شبحا.. جسدا.. هائم هو مثلي يمشط الطرقات
والمقاهي..
- أنا
ظلك.. أم نسيت كيف الحب جنون اللحظة.. هيا نعيشه من جديد.. كنت توافقيني
أن الحياة نصفين.. نصفها عقل والآخر جنون.. !!
- وأنت
بدأت حياتك بالنصف الآخر الجنون.. عليك بمتابعة النصف الثاني.. بينما
بدأت حياتي بالحياة العاقلة الجادة..
-
أعجبني النصف المجنون وسأعيشه معك.. مرة ثانية
- جئت
في الوقت الخطأ.. بعد أن أصبحت أم لثلاثة أولاد لم يعد يحق لي إلا حياة
كلها حكمة وعقل..
- لا
تصمتي.. يقتلني صمتك.. فكري.. الحياة مثل هذه السيجارة تحترق بين أصابعنا
دون توقف بمجرد أن تشتعل...
- لا
تضغط علي أرجو ك.. أنا في أضعف فترة من حياتي..
-
ناهد.. أدعوك للحياة لنعيشها كما تشائين وفي أي مكان من العالم لك الحرية
والمر.. تذكري أنني مازلت عاشقا.. وسأبقى..
- كف عن
ملاحقتي إذا"..
- متى
نلتقي..؟
- هنا
بعد أسبوع على هذه الطاولة سيأتيك الجواب
غاب
مخلفا وراءه عطره وكمشة عواطف تدغدغ القلب وتنعش الذاكرة المعطوبة
بأوزارها...
10
حين
وضعت المفتاح في الباب.. زغرد جرس الهاتف.. فأتيته ملبية.. كنت أنتظر
سماع صوت ندى الحبيبة.. ولكن صوته الأجش كلن على الطرف الآخر يأتيني
بعيدا هامسا وكأنه في حلم
- ناهد
تصوري هذا الصباح ندى حبست نفسها في الحمام.
- ماذا
حدث لها..؟
- لا
تخافي اهدئي.. أعتقد أنه أمر طبيعي في مثل سنها لكن المفاجأة أخافتها..
وأنا لم أعرف كيف أتصرف معها أنها تريدك
- أنا
لن أفعل
-
أفهم.. جيدا".. حتى الأولاد يهددن كل يوم بأنهم سيأتون دون موافقتي
تعرفين أن ماجد لديه جواز سفر.. وأنا قررت أن أرسلهم لك.. حجزت لهم بعد
أسبوع.. لا تنسي على الطائرة القادمة في الثانية عشرة ومعهم مفتاح
البيت.. أرجوك أبق معهم في بيتهم.. لن أزعجكم.. سأرسل مصروفهم كل شهر..
أخذت
أوراق التقويم تطير بسرعة مدهشة وأنا أحضر نفسي للفرحة القادمة ونسيته..
اليوم
يصادف موعدنا تذكرته فجأة في غمرة الانشغال...
وتناولت
قصاصة ورق وكتبت له :
المرأة
بعد أن تصبح أما... من الصعب أن تعيش دور الحبيبة والمشوقة من جديد.. من
الصعب أن تبدأ النصف الآخر من الحياة المجنونة
كانت
الشهوة لعيشها معك في أول الطريق كبيرة.. ولم يكن بإمكانك سوى ترك قصاصة
من ورق تعتذر فيها لي.. تحت خشب النافذة.. جاء دوري.. الحياة تدعوني
للمعاملة بالمثل.. هذه المرة حين تدخل المقهى وتجلس على الطاولة ستجد تحت
فنجان قهوتك التي بردت وهي بانتظارك هذه القصاصة من الورق..
2000-12-21 |